حسين نعمة.. فنان كبير تركه الجميع وحيداً في مرضه

رحيم الحلي

تعرفتُ عليه أول مرة عبر أغنياته التي هام بها الجمهور: يا نجمة، يا حريمة، وأغنية غريبة الروح التي غنيتها في برنامج الهواة عام 1972. كان صوته يومها يسبق اسمه، ويصنع حضوره في الذاكرة قبل أن ألتقيه. غير أن تجربته لم تكن تخلو من التباس مؤلم، إذ أحزنني انخراطه في موجة الأغاني التي مجّدت صدام وبالغت في تمجيده، في وقت كانت فيه البلاد تعيش حملة إعتقالات وإعدامات طالت الآلاف بسبب أفكارهم، وسط واقع من التمييز بين الناس، تجسد في مضايقة المستقلين واضطهاد المعارضين، وإمتاع الموالين.
لكن تلك الصورة لم تبقَ على حدّتها طويلاً. ففي شباط عام 2011، التقيته في مقهى الحبوبي في مدينته الناصرية، برفقة الشاعر حيدر العضاض والفنان عمار الغرباوي. هناك، بدا مختلفاً عمّا رسمته المسافة والكتابة. أخبرني أنه قرأ مقالاً لي كنت قد انتقدته فيه، بسبب موقفه من الملحن كوكب حمزة، حين اعتبر أن الأخير قد غامر بمستقبله الفني نتيجة انخراطه في العمل السياسي.
كان اللقاء كفيلاً بأن يفتح باباً آخر للفهم، وأن يعيد ترتيب المسافة بيننا، وأن يؤسس لعلاقة قائمة على التقدير الإنساني. فقد كشف لي جانباً من ظروف الفنان الذي يعيش في واقع ملتبس، يعمد فيه الحاكم إلى الإغراء والإغراق في الترف لمن يُغني له، والتهميش لمن يرفض ذلك. وأقنعني حين قال إنه حاول، عبر علاقاته، أن يتوسط لتخفيف الأحكام عن بعض المعتقلين من معارفه. في ذلك اللقاء عرفت نقاءه وصفاءه وطيبة قلبه، حتى إن نقده لكوكب حمزة بدا لي شكلاً من أشكال الحرص والحب لذلك الملحن الموهوب الذي خسره الجمهور حين انخرط في العمل السياسي.
في تاريخ الأغنية العراقية، تقف بعض الأصوات عند تخوم الذائقة، لا تمرّ مروراً عابراً، بل تستقر في الوجدان بوصفها حالة فنية مكتملة. ومن بين هذه الأصوات يبرز اسم حسين نعمة، ذلك المطرب الذي لم يكن مجرد صاحب صوت جميل، بل مشروعاً غنائياً متفرداً أعاد تشكيل العلاقة بين الريف والمدينة، وبين الأصالة والتجديد.
وُلد حسين نعمة في الناصرية عام 1944، في بيئة مشبعة بالغناء الشعبي ومناخاته الوجدانية، فكان طبيعياً أن يتأثر في بداياته بأصوات ريفية كبيرة مثل حضيري أبو عزيز وداخل حسن وعوض دوخي. غير أن هذا التأثر لم يتحول إلى تقليد، بل كان بوابة لعبور نحو أسلوبه الخاص، حيث نجح في خلق لون غنائي يمزج بين عذوبة الريف ورهافة المدينة، وهو ما سيصبح لاحقاً علامته الفارقة.
ومع انتقاله إلى بغداد، بدأ فصل أكثر تعقيداً في حياته الإنسانية. جاء من الناصرية محمّلاً بحساسيته وخجله، مثقلاً بتجارب عاطفية لم تكتمل، تركت في داخله ظلالاً من الإحباط والانكسار. وفي أروقة الإذاعة، وخلال إحدى جلسات التسجيل، تعرّف إلى المطربة سعاد عبد الله، لتنشأ بينهما علاقة انتهت بالزواج، لكنها سرعان ما انطفأت. كانت تلك تجربة قاسية حطمته من الداخل، إذ اندفع إليها بعاطفة صادقة، ليجد نفسه في علاقة غير متوازنة تستنزف روحه وتثقل وجدانه. وقد بلغ به الإرهاق النفسي حدّاً كاد يفقد معه توازنه، فمرّ بمرحلة اضطراب قاسية قادته أحياناً إلى التشرد وقضاء ليالٍ في الحدائق العامة، في واحدة من أشد محطاته الإنسانية وجعاً.
غير أن هذه المحنة، على قسوتها، لم تكن نهاية الطريق، بل منعطفاً حاداً أعاد تشكيله، إذ استطاع أن يستعيد توازنه تدريجياً، ويعود إلى صوته الذي ظلّ ملاذه الأصدق، وإلى جمهوره الذي لم يغادره.
يمتلك حسين نعمة صوتاً رخيماً، واسع المساحة، لكنه قبل ذلك يمتلك قراراً غنائياً نادراً، وصفه كثير من الموسيقيين بأنه الأجمل بين أصوات المطربين العراقيين. هذا القرار لم يكن مجرد طبقة صوتية، بل كان حالة شعورية عميقة، تمنح الأداء انسيابية شجية، وتفتح المجال أمام تطريب هادئ يتسلل إلى النفس دون ضجيج.
دخل حسين نعمة الإذاعة والتلفزيون عام 1969، في لحظة مفصلية من حياته الفنية، عندما قدمه الملحن كوكب حمزة بأغنية يا نجمة. ولم يكن هذا الظهور وليد الصدفة، بل جاء ثمرة تعاون ثلاثي مهم، إذ كان كوكب حمزة، الملحن الشاب الموهوب ، إلى جانب الشاعر كاظم الركابي الذي كتب النص الغنائي، ليشكّل هذا الثلاثي بداية حقيقية لمسيرتهم الفنية. ولم تكن هذه الأغنية مجرد انطلاقة، بل كانت إعلاناً عن ولادة مشروع غنائي متكامل يقوم على الكلمة الرصينة واللحن العميق والصوت المختلف. واستمر هذا التعاون بين الملحن كوكب حمزة والمطرب حسين نعمة ليقدم أعمالاً أخرى مثل ابن آدم التي كتبها الشاعر الغائب ذياب كزار ابو سرحان، مؤكداً أن ما جمعهم لم يكن صدفة، بل رؤية فنية مشتركة.
ما يميز تجربة حسين نعمة أنه لم يكن صوتاً عابراً في سياق الأغنية العراقية، بل كان حاضراً بقوة في ذاكرة المستمعين، حتى إن أغانيه بقيت محفوظة في وجدان الناس أكثر مما هي محفوظة في أرشيف المؤسسات الرسمية. وهذا دليل على أن الفن الحقيقي يعيش في الذاكرة الحية، لا في الأشرطة وحدها.
تعاون حسين نعمة مع نخبة من كبار الملحنين العراقيين، فغنى من ألحان كمال السيد أعمالاً مثل كون السلف ينشال وهي ولك يبلام، ومن ألحان جعفر الخفّاف، وبكلمات كريم العراقي، قدم مجموعة من الأغاني المؤثرة مثل تحياتي إلك، مكانك خالي، لا يا غربة، وما بين يوم وليلة. كما غنى لمحسن فرحان أغنية “غريبة الروح”، التي تحمل شحنة وجدانية عالية، وأغنية “ما بيه اعوفن هلي” التي تعكس ارتباط الإنسان بجذوره، واغنية “خسارة يا زمن” كلمات كاظم إسماعيل الكاطع.
أما تعاونه مع محمد جواد أموري، فيعد من أبرز محطات مسيرته، حيث قدم معه مجموعة من الأغاني التي رسخت حضوره، مثل اغنية “يا حريمة” التي كتبها الشاعر ناظم السماوي، وأغنية “جاوبني تدري الوكت” والتي كتب كلماتها الشاعر كامل العامري ، حبيبي انساني وآنه انساك، مكتوب اشوفك من بعيد ، أيامنا الحلوة، ومالي شغل بالسوق، واغنية “رديت” كلمات الشاعر هادي العكاشي ،اغنية حبايب كلمات كاظم الرويعي ، هذه الأعمال تكشف عن انسجام عميق بين صوته وألحان أموري، حيث يلتقي القرار الصوتي العميق مع الجملة اللحنية الذكية.
ومن بين الأعمال اللافتة أيضاً أغنية “فرد عود”، التي لحنها ناصر حكيم ووزعها طالب القره غولي، وهي من الأغاني التي تكثف جماليات صوته، كما قدم من ألحانه الخاصة أغنيتي الحلم ونخل السماوة، والأخيرة تحولت إلى واحدة من الأغاني الشعبية التي انتشرت في مختلف أنحاء العراق واغنية “يا كمر تاني الحبيب على الدرب” ، كلمات الشاعر زامل سعيد فتاح وألحان الفنان طالب القره غولي واغنية “يا روحي جذاب الهوى”، وغنى للملحن علي سرحان اغنية “بعد ما لامت العذال” التي كتبها الشاعر كريم العراقي ، و اغنية “بين علينا الكبر” من كلمات الشاعر علي لفتة ، والحان الفنان عباس ضاري.
لم يقتصر حضور حسين نعمة على الساحة العراقية، بل امتد إلى العالم العربي، حيث سجل في القاهرة عام 1977 مجموعة من الأغاني المصورة للتلفزيون المصري، منها حبيبي انساني، رحّال، ويلي أبعد. وقد قيل له آنذاك، في شهادة لافتة، إنه لو كان يغني باللهجة المصرية لكان منافساً حقيقياً على لقب خليفة عبد الحليم حافظ، وهي شهادة تكشف عن حجم الإمكانيات التي يمتلكها هذا الصوت.
وصفه كبار الملحنين بالصوت الحريري الدافئ، وهو توصيف دقيق يعكس طبيعة صوته الذي يجمع بين القوة والنعومة. وقد قال عنه الفنان رضا علي إنه لم يتأثر إلا بصوتين: ناظم الغزالي وحسين نعمة، في حين رأى عبد الحسين السماوي أن الساحة الغنائية منذ ظهوره عام 1969 لم تعرف صوتاً يضاهي صوته.
ورغم قدرته على أداء المقام العراقي، إلا أنه اختار الابتعاد عنه، احتراماً لخصوصية هذا اللون الغنائي، وهو موقف يكشف عن وعي فني وأخلاقي نادر، حيث فضّل أن يكرّس نفسه للون الذي صنعه، بدلاً من التوسع على حساب الآخرين.
حزنتُ كثيراً حين علمت بمرضه ومعاناته في سنواته الأخيرة، وبالعتب الذي كان يحمله تجاه بعض المطربين الذين كانوا يتمنّون يوماً أن يلتقطوا صورة معه وهو يغني أمام كبار المسؤولين الذين زاروا العراق. لكن المفارقة المؤلمة أن أولئك أنفسهم، بعد أن أصبحوا نجوماً، نسوا حسين نعمة، أحد أهم نجوم الأغنية العراقية، وتركوه يواجه مرضه بصمت.
إن تجربة حسين نعمة تمثل امتداداً طبيعياً لمدرسة الغناء العراقي الأصيل، لكنها في الوقت نفسه تشكل إضافة نوعية إليها. فهو ابن الناصرية الذي تعلّم من حضيري أبو عزيز وداخل حسن، لكنه أيضاً ابن المدينة الذي صاغ لنفسه هوية حديثة، ليصبح جسراً بين زمنين، وصوتاً يجمع بين الذاكرة والتجديد.
هكذا بقي حسين نعمة صوتاً لا يُشبه إلا نفسه، مدرسة قائمة بذاتها، تؤكد أن الطرب الحقيقي لا يُقاس بعدد الأغاني، بل بقدرتها على البقاء، وأن الصوت حين يكون صادقاً، فإنه يعبر الزمن، ويظل حاضراً، كما لو أنه وُلد اليوم.
كاتب عراقي




