حكايا من أرض الشوايا

حكايا من أرض الشوايا

التقرير

د. محمد الحاج صالح

آجر بي وحصل على إدارة أصغر الدوائر الحكومية في الرّقة وجيب لاندروفر. وحق الله آجر بي على الرغم من أننا أصدقاء.

كيف إذا كسب صديقي الأجر وأضرَّ بي؟

صديقي العزيز تأوّل، وفسّر قصص مجموعتي المتواضعة “قمر على بابل” بطريقة انتبه لها رئيس مفرزة المخابرات العسكرية في الرقة. استدعي صديقي، ويبدو أن قلبه كان قلب عصفور. سأعرف فيما بعد أنه لم يترك ستراً أو خفاء في قصص المجموعة إلا وفضحه.

لا أعتقد أنه تعمّد إيذائي بوعي. كان بالطبع مسروراً بأنه ضرب الشيفرة أو كلمة السر التي اعتمدتها في القصص، فسعى إلى أن يقود ندوة يشرف عليها المركز الثقافي لتناول مجموعة القصص. كنت حاضراً، لكنني انسحبت بهدوء لأنني شعرت بأن فخّاً يُنصب بعناية، كرر صديقي محرضاً المحاورين بأن في القصص دفيناً ملعوناً، لا يدركه إلا من عرف تاريخ الكتابة على ألسنة الحيوانات.

قصصٌ ملعونة مضامين ملعونة. تمويه ملعون، تكنيك ملعنة ينتشر في كل قصص المجموعة. هكذا كان صديقي يعيد.

عندنا في الرقة لمفردة ملعون وقع خاص، ربما يختلف عن وقعه في مدن أخرى غير الرقة؛ فهي تحمل معاني: الخبث، الذكاء الشرير اللؤم، التجاوز للحرمات والحدود الشيطنة، المكر… إلخ.

صديقي العزيز لم يجانب الحقيقة. فقد كتبتُ المجموعة وفي ذهني تقليد “إيسوب”، وابن المقفع، وبعض قصص الجاحظ الواردة على ألسنة الحيوان والسبب معروف بالطبع. كنت وقتها أخاف من خيالي. كان صوت مكابح سيارة عابرة يجفلني، يرمع قلبي، ويهتف هاتف في داخلي إنها سيارة مخابرات. مع ذلك، وتحت الرغبة العارمة في أن أقول شيئاً، كتبت تلك المجموعة ونشرتها عن طریق “دار الحوار” التي كان صاحبها نبيل سليمان قادراً في ظنّي على تمريق ما لا يمرق.

في المجموعة قصة أبطالها قطط وفئران. قصدتُ فيها تمثيلاً لما حدث في حماة شباط 1982. في هذه القصة ارتكبتُ غلطة الشاطر أو أنها كانت نفثة المقهور حيث بنيت القصة على أن قطاً رئيساً مندوباً عن القطط يقنع فاراً شاباً بأن يسعى لإقناع قومه بأن القطط ترغب بصلح دائم الأمر الذي أغرى الفئران رغم تشككها وترددها. حدّدت القطط عبر المندوب يوم 2 شباط لعقد مؤتمر الصلح. والنتيجة معروفة بالطبع. إبادة.

حقدي الدفين العميق والثقيل دفعني إلى تحديد الموعد بالثاني من شباط أي يوم بدء مجزرة حماة.

استدعتني مفرزة الأمن العسكري أثناء عملي في العيادة. لم يمهلوني حتى نهاية الدوام. تركوني لساعات ملطوعاً في غرفة عارية تماماً إلا من كرسي الحديد الذي جلست عليه.

أدخلوني إلى مكتب رئيس المفرزة أبو وسيم. كلهم أبوات. راح يقلّب صفحات المجموعة. يقرأ ويطلب مني أن أفسّر.

سرعان ما أدركت أنه يروم الوصول إلى قصة القطط والفئران إياها. ورحت أضرب أخماساً بأسداس مناشداً نفسي أن أبقى هادئاً وأن أضع قناع البرود متى ما سألني. لماذا قطط وفئران. ولماذا شباط. الأنكى من ذلك هو لماذا الثاني من شباط؟

أدركت أيضاً أن الورقة التي كان أبو وسيم يرفعها وينظر فيها بين لحظة وأخرى، ثم يعيدها مقلوبة على الكتابة، هي تقرير. وسأعرف بعد أشهر أن صديقي من قدّمه مضطراً، كـما اعترف بنفسه.

كان دفاعى ناجحاً إلى درجة أن أبو وسيم رمى بالكتاب فى خزانة خلف ظهره وبانت عليه خيبة النمر عندما تفلت منه الفريسة، أو يعافها لأنه لم يكن جائعاً جداً، أو أنه كان متكاسلاً عن الاستمرار بالمطاردة. لكن دفاعي ما كان نافعاً حتماً لولا (!).

أنا هلاّط حكي، ذرب اللسان في حالتين عندما أكون منتشياً، أو عندما أزنق.

بجمل مختصرة وواضحة مع احترام منافق لسيادته، أوردت أسماء كتاب في التاريخ كتبوا على ألسنة الحيوانات: «ابن المقفع، وابن عربشاه، وأحمد شوقي، وزكريا تامر… وتصوّر سيادتك أن قصة الغراب والثعلب التي لعلك تعرفها وقصصتَها لصغارك، كتبها عبد يوناني قبل المسيح بنحو 005 عام. بدا لي أن أبو وسيم لا يعرف أحداً من هؤلاء، ولا يعرف قصة الثعلب والغراب فرويتها له.

واسترسلت: “سيادتك تسأل لماذا شباط؟ ولو يا سيدي أليس شباط هو وقت هوْرنة القطط؟ مع غمزة!» تبسم أبو وسيم . قلت لنفسي هانت، وجاءت الفرصة.

قلت كاذباً: «كأني. سمعت مصادفة من العناصر أن سيادتك ستسافر في إجازة، وهذه هدية بسيطة منى لمصاريف الإجازة تعين قليلاً». اختلقت الكذبة اختلاقاً. ثم قمت ودسست 2000 ليرة تحت الورقة التي كنت أظنها التقرير العتيد. رفعت طرف الورقة أثناء دس النقود لعلي التقط معلومة ما.

شربنا الشاي. واستمعت إلى محاضرة مطولة من أبو وسيم عن عظمة القائد، وأنني ما كنت لأكون طبيباً لولا القائد، فهو الذي بنى لي الجامعة ودرّسني، وأنّ حبس إخوتي هو لصالحهم كي لا يغلطوا أكثر بحق الوطن ويعاقبوا بأكثر من الحبس.

وظلت الألفين ليرة راقدة هناك، تحت الورقة التقرير، إلى جانب مجموعتي القصصية الحاقدة.

ثم عند توديعي، جَعلك الورقة وألقاها في سلة المهملات، وقذف بمجموعة القصص إلى رف خلفه.

قاص وروائي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى