حَكايا من أرضِ الشوايا

من الجُرن إلى كِفيفة
د. محمد الحاج صالح

تعلمتُ ركوب “البسكليت” لوحدي. كنتُ قبل أن يصبح لدي بسكليت أذهب إلى المدرسة مشياً، وأنا الذي أدخله أبوه المدرسة باكراً في سن الخامسة بالواسطة لدى أستاذ “مدرسة كفيفة” المصري. لم يقبل الأستاذ أولاً، لكنه أذعن أمام هدايا والدي. كان الزمن زمن الوحدة. تبعد قرية «كفيفة» حوالي أربعة كيلومترات عن قريتنا؛ قرية الجرن وكان ابن الخامسة، الذي هو أنا، شديد الحماسة للتعلم. بين قريتنا وكفيفة واديان، وكنت مضطراً إلى أن أخوض في مياههما في الشتاء، بعد أن أخلع حذائي وجواربي ثم ألبسهما من جديد. وكان عليَّ أن أجد مكاناً أستطيع أن أمرّر قدمي، واحدة بعد الأخرى، في الماء الثلجي كي ينظفا من الوحل وأنا أمسح بيدي.
سنتان ونصف وأنا على هذه الحال. لذلك، كان بالنسبة إلى شيئاً خارقاً، شيئاً فوق التصور، أن أمتلك بسكليت!
في شتاء السنة الثالثة قرر أبي أن يشتري لي بسكليت.
ذاك اليوم كنت أقف على رأس التلّ منتظراً بفارغ الصبر عودة أبي بالبوسطة. من هنا، من أعلى التل، سأرى البوسطة منذ أن تبزغ من خلف الهضبة الشرقية. وجاء البسكليت. كان جميلاً في عيني جمالاً لا يوصف. بدنه أحمر وعجلتاه مطاطيتان سوداوان، ولكل منهما عند “الجنط” دائرة بيضاء.
على الرغم من نفاق ربعي في القرية، لم أسمح لأي منهم باعتلاء بسكليتي مطلقاً، حتى أن عمتي «زكية»، التي هي من جيلي، سرقت من صندوق جدي “كرميلا” وأطعمتني. لكنني رغم ذلك لم أسمح لها بركوب البسكليت. أما أخي مصطفى، الأصغر مني بسنة واحدة، فقد كان ممنوعاً عليه حتى اللمس.
غداً دوام مدرسة سبت وأنا في أشدّ حالات الترقّب والتطلع لأن يراني زملائي في المدرسة أقود بسكليتي. أمضيت ساعات وأنا أتخيلهم منبهرين وعيونهم تكاد تأكل بسكليتي أكلاً.
غداً دوام وأنا مشدود الأعصاب ومتوتر. أتتني فكرة أن أجرب حالي وأنا أقود البسكليت، لابساً أعزّ ثيابي على نفسي، جاكيتاً رمادياً يشبه جاكيتات الرجال، وقميصاً بلون سماوى، وبنطالاً أزرق. كان أبي يكرّر بفخر أن الجاكيت جوخ انجليزي أصلى. كان أبي كثير التفاخر بي مما يُخجلني ويضايقني.
لبست وتهيأت. ورأتني أمّى خارجاً فسخرت:
– وين العزم انشالله. لا ترجع إلا وأنت موسّخ هدومك هااا.
أكره سخرية أمّى، وفي داخلي تمنيت لو أنني أستطيع أن أقول لها: «انقلعي… العمااا…».
كل ما فكرت فيه وقتها أن أجرب كيف أكون غداً وقت بدء المدرسة. تسلقت أنا وبسكليتي التلّ مشياً. ومن عند قبر جدي الأكبر، انحدرت راكباً لأمر على زعمي من خلف بيت عمي باتجاه وسط القرية. تسارع البسكليت بشكل مخيف نحو الأسفل. من الطبيعي أن يتسارع من ذاك العلوّ، لم تمض ثوان حتى شعرت أنني أطير، وأنني فقدت السيطرة. امتلأت رعباً ولم أعد أعرف ماذا أفعل.
كان البسكليت يتسارع لوحده متّجهاً نحو البئرين الرومانيين. فإمّا أنه سيصطدم بحجارتهما، وربما طرت وسقطت في أحدهما، وإمّا أن يمر بينهما لنسقط أنا وهو في «الكولة». الكولة مستنقع واسع نشأ من استغلال الناس للتراب القابل أن يصبح غضاراً الصنع اللبن الذي يعمرون به بيوتهم.
الدنيا أوّل الربيع والكولة مليئة بالماء والوحل.
لم يعد بإمكاني حتى أن أفكر بتحريك المقود يميناً أو يساراً.
انسطم عقلي. فقدتُ كل توجه. ومضى بي البسكليت طائراً نحو جرف الكولة. طرنا في الهواء البسكليت وأنا، واستقرينا في وسط الكولة.
أذكر أنني فكرت أولاً وقبل كل شيء ما الذي ستقوله أمّي.
روائي وطبيب عام سوري مقيم في النرويج




