Site icon المزمار الجديد

خواطر لا تَسرّ الخاطر

عن ثقافة تقبيل الرجلين!

نور البليخ

منظر صادم ولافت للنظر انتشر على وسائط التواصل الاجتماعي تابعه الكثير وهو مقطع فيديو قصير، لكنه ثقيل كالصخرة، صادم إلى الحدّ الذي يجعل الروح تنكمش على ذاتها، كأنها تتلقى صفعة لا تُرى. مشهد لا يحتاج إلى شرح أو تأويل، لأنه يختصر، في ثوانٍ قليلة، أقصى درجات الإذلال التي يلفظها الضمير الإنساني السليم، وتجرّمها القوانين، وتدينها الأديان، وتأنف منها الفطرة قبل أي خطاب أخلاقي أو اجتماعي. صدمته لا تكمن في كونه حدثًا نادراً أو استثنائياً، بل في كونه مألوفاً أكثر مما نحب أن نعترف، وقد خرج هذه المرة من العتمة إلى الضوء، ومن الجدران المغلقة إلى فضاء عام لا ينسى.

سيدة سورية محجّبة تقف أمام باب دارها، لا بوصفها أمّاً أو إنسانة، بل بوصفها سلطة متجسدة في جسد. وجهها مشدود، مغموس بنوع بارد من التشفّي، كأنها تنتظر لحظة انتصار لا علاقة لها بالحب أو الحماية، بل بالإخضاع. تنتظر قدوم كنّتها كما يُنتظر تنفيذ حكم. من خارج الباب يُسمع صوت صبية محجّبة، متردداً، خفيضاً، يحمل خوفاً أكثر مما يحمل طلباً: «فيّي فوت؟». يأتي الرد مقتضباً وقاسياً: «فوتي». ثم تلتفت الأم إلى ابنها، كأنها تذكّره بطقس محفوظ، بترتيب طاعة لا يجوز الإخلال به: «شو حكينا نحنا». فينقل الابن الأمر إلى زوجته بلا تردد، بلا ارتباك، وكأنه ينقل قانوناً طبيعياً: «انزلي بوسي إيد وإجر أمي».

تركع الزوجة عند عتبة البيت، عند الحدّ الفاصل بين الداخل والخارج، بين ما يُسمّى بيتاً وما يتحول إلى ساحة إذلال، بين الكرامة وسحقها. الركوع هنا لا يحمل أي معنى روحي أو ديني، بل يُفرغ من كل دلالة سامية، ويُستعمل كأداة كسر. ولا يكفي ذلك. تطلب الأم، بصوت متوحش لا يخلو من لذة السيطرة: «إجري… بوسي إجري. بوسي إجري لتشوفي ابنك». كأن الأمومة نفسها تُستعمل ورقة ضغط، وكأن الطفل يصبح رهينة لإذلال أمه.

وفيما تنفذ الزوجة، ينشغل الابن بتوثيق المشهد. الإذلال لا يكتمل، في هذا العصر، إلا إذا صار مادة قابلة للإرسال والتداول. «صوّر ولاه». «والله مصوّر». «صوّر ولاه». تتكرر الجملة كأنها تعويذة. وفي لحظة موجعة، يندفع طفل صغير نحو أمه الجاثية. مشهد لا يحتاج إلى تعليق، لأنه يكفي وحده ليترك ندبة طويلة في الذاكرة، ندبة لا تُمحى بسهولة، لأنها تُزرع في وعي طفل يتعلم، في أولى سنواته، شكل السلطة، ومعنى الحب، وحدود الإنسان.

تنكز الأم وجه الزوجة بقدمها، ثم تدخل البيت، تاركة خلفها جسداً منكسراً وطفلاً مرتبكاً، وتوصي ابنها بإرسال المقطع. كأن المهانة لا قيمة لها إن لم تُتداول، وكأن الإذلال حين يُشاهد يصبح أداة مضاعفة للسيطرة، لا على الضحية وحدها، بل على الوعي الجمعي.

هذا الفيديو، على قصره، كفيل بأن يحبس الدم في العروق. صحيح أن مثل هذه السلوكيات السامة موجودة في بيئات الفقر والجهل في كثير من المجتمعات العربية، لكنها كانت تُمارس في الظل، خلف الجدران، وتُبرَّر باسم “العائلة” أو “الهيبة” أو “التربية”. ما كشفها اليوم هو الهاتف المحمول، تلك العين التي لم تعد تغمض، والتي باتت تفضح ما كان يُخفى تحت ستار “العادات” و“الخصوصيات”. التقنية لم تصنع القبح، لكنها أزاحت عنه الغطاء.

ردود الفعل كانت جارفة، ومجمعة تقريباً على الإدانة، وهو ما يشي بأن الحسّ الإنساني لم يمت، وأن الفطرة لا تزال قادرة على التمييز بين الاحترام والإذلال. السخرية حضرت أيضاً، عبر عشرات الفيديوهات التي أعادت تمثيل الواقعة، لا للتطبيع معها، بل لتفكيكها، وتحويلها إلى قضية رأي عام، لأن المجتمعات، أحياناً، لا تواجه قبحها إلا حين تراه معروضاً بلا أقنعة.

ينتظر الناس الآن إنصافاً ما: قانونياً، أو اجتماعياً، أو دينياً. تنتشر أخبار عن توقيف الأم وابنها، لكنها لم تُثبت رسمياً بعد. ومع ذلك، فإن الأهم من العقوبة هو ألا تُدفن هذه القصة وأمثالها تحت السجاد. فهي ليست حادثة فردية معزولة، بل مرآة لثقافة ترى الإذلال حقاً، والطاعة المطلقة فضيلة، والإنسان وسيلة لإشباع سلطة مريضة.

إن فضح هذه الممارسات ليس تشهيراً، بل ضرورة أخلاقية. لأنها، ببساطة، نبتة سامة إن تُركت تنمو، أفسدت المجتمع من جذوره، وعلّمت أبناءه أن القوة لا تحتاج إلى عدل، وأن الحب يمكن أن يُختزل في الخضوع.

طالبة هندسة مدنية  ـ جامعة فيينا

Exit mobile version