Site icon المزمار الجديد

دقائق تكفي لليأس الكامل

إبراهيم نصر الله

يبذل المواطن العربي المحترق، بما يدور حوله وفيه، جهداً مضاعفاً كي يظل على قيد صحة نفسية كافية لأن يعيش قليلاً، لا كثيراً، فالدعاء بطول العمر لم يعد من الأمور المحبّبة وسط هذه البلادة المُرعبة والحياد القاتل، عربياً، الذي أحاط بغزّة خلال عامين، وعاشته شعوب العالم بمواقف واضحة لا تمت بصلة إلى سُباتنا الوطني والإنساني الذي حطّ بعتمته على عالمنا العربي، إلا من استيقظت ضمائرهم وقاموا بما عليهم.

لا أظن أن شيئاً مما حدث منفصل عن حياتنا اليومية وسلوكياتنا فيها، وسأتحدث هنا عن عشر دقائق في الشارع أمضيها يومياً في وصولي إلى مكتبي، وعشر أمضيها في العودة إلى البيت. عشر دقائق تكفي لتبديد الأمل في أي حلم يمكن أن يتحقق أو أي إنجاز يسعى إليه ما تبقّى من حريصين على مستقبل نركض نحوه شعوباً منذ 100 عام ولم نبلغ عتبته بعد.

وحين أتحدث عن عشر دقائق، أشير إلى مشاهد في الشارع لا أكثر؛ فلا يخلو يوم من مشاهدة صاحب أو سائق عربة فارهة يصل ثمنها إلى 100 ألف دولار، أو حافلة سعرها سبعة آلاف يرشق الشارع بكل القمامة التي ادّخرها في سيارته للشارع، ولكل من خلْفه من عربات، أو يفتح الشباك ويبصق عبره، أو ينتظر الوصول إلى إشارة المرور التي لم يتح له تجاوز إشارتها الحمراء ويبصق على الأرض، ثم يعدل جلسته وينظر إلى المرآة الأمامية ليتأكد من أن شاربه منسق وشعره مصفف كما يجب.

هذا ينطبق عليه قول إن العربة التي يركبها أكثر قيمة منه، مهما كان منصبه أو من يكون.

أما إذا وصلت إلى شارع ضيق لا يسمح بمرور أكثر من سيارة، وتمهلت لتترك المجال للسيارة القادمة، ليلاً أو نهاراً فسيمطرك سائقها بفيض الضوء العالي المتكرر، وحين يمر إلى جانبك، سيحدق فيك كما لو أنه يعلن انتصاره عليك أو يؤنبك بنظرة قاسية، وإذا صدف أن مررتما متقاربين وهمست له «تفضل»، أو حتى ابتسمت له، سيقول لك «مش عاجبك؟!» وتحسّ أنه على وشك النزول من السيارة لمهاجمتك، أما إذا نفيت سوء ظنه، وقلت له: شكراً يا محترم، فسيقول لك: ما الذي تعنيه، أما إذا كان خلفك وتمهلت لتتيح لأسرة أو شخص يقطع الشارع، فسيطلق بوق سيارته وكأنه يقول لك: ادعسهم!

في مشاهد أولئك الذين يسيرون عكس اتجاه السير حكايات يومية، بعضهم يخجل فيتراجع، وبعضهم لا يتنازل عن موقفه، ويصر على عودة عشر سيارات إلى الوراء، على أن يتراجع، وليس هناك أي سيارة خلفه، وبعض هؤلاء حين تصادفه يريد الدخول إلى الشارع عكس السير يستعجلك للخروج من الشارع بازدراء، فهو يعرف ما يفعل، ويدعوك أن تهتم بشؤونك والكف عن تلقينه دروساً في الأخلاق هو يعرفها أكثر منك، إن قلت له: الشارع باتجاه واحد.

في ساعات الذروة، ستجد هناك وفرة من هؤلاء، وبخاصة عند التقاطعات، إذ يتغابى كثير منهم، حين يرى الإشارة البرتقالية، فيقطع الشارع، ويتغابى بعضهم أكثر ليقطع الإشارة الحمراء، وبهذا يتشكل سدّ من السيارات يغلق المسارب الأخرى.

شخصياً، لم أعد أجرؤ على تحريك السيارة بعد إضاءة الضوء الأخضر لي، فيومياً، وبعيداً عن ساعات الذروة، تمر ثلاث سيارات على الأقل مسرعة جداً، بعد رؤيتي لشارتي الخضراء التي تقول لي «تفضل، أنت آمن الآن». لا أمان مطلقاً هنا.

الأمور اللافتة أيضاً، حين تكون بينك وبين إشارة المرور عشرون سيارة، لكن الذي خلفك يطلق زاموره ليدفعك للتحرك، كما لو أنك تغلق باب كراجه، أو أن تكون على رأس مفترق لا إشارات فيه، وتراقب السيارات المسرعة في الشارع الرئيسي، لكن من خلفك في الشارع الفرعي يطلق زاموره، ويشتمك (هذا ما تبديه ملامحه التي تراها من المرآة) أو يفتح باب سيارته وينزل ليصرخ في وجهك، فهو مصرٌّ أن تتحرك لتموت في حادث رغم أنه لا يرى ما تراه أبداً.

وينطبق هذا الأمر عليك وعلى سواك، حين ينطلق ثور هائج لاعناً الجميع لفتح طريق له، في ساعة ازدحام مرعبة لا تتسع لمرور دراجة، ثور هائج مسلح بحجم سيارته ينطلق مطمئناً لمتانتها وقدرتها على بث الذعر، مبدّداً جموع الآخرين أو ملتصقاً بهم في حالة تهديد لا تخفى، أو كما قال لي طالب مغترب يدرس في إحدى الجامعات، حين سألته عن إقامته، فقال لي: كالزفت. واعتذر، وراح يشرح لي كيف أنه في طريقه للمطار ليوصل صديقه، راح أحد الثيران يمطره بالزامور والضوء العالي من ورائه، ولأنه لم يكن يملك مسرباً يأوي إليه إلا إذا خرج عن الشارع، واصل انطلاقه. وحين حاذاه مطارده، فتح الشباك وأطلق رصاصات ترعيب، كي لا نقول ترهيب، قريباً من رأسيهما، أو كيف تأخر شاب قليلاً حين أضاءت الإشارة الخضراء، فأطلق من خلفه الزامور، وحين لم يتحرك نزل من سيارته وأودعه طلقة في فخذه.

يمكن أن نذهب بعيداً في إيراد حالات لا تنتهي، في مجالات كثيرة، كلها كافية للتعبير البليغ عن تلك الحالة التي تجعل الأمل مستحيلاً.

كل هؤلاء يُوهموننا أنهم ذاهبون إلى المستقبل الذي لم نستطع وصوله منذ مائة عام أو يسابقوننا للوصول إلى الجنة، هم الذين لا يدركون أي جحيم يومي هذا الذي يحشروننا فيه، وهذا أمر شغلني كثيراً في روايات مشروع «الشرفات»، لكن أمراً كهذا، رغم مرور أكثر من أربعين عاماً على هذا المشروع لم يزل يقلق ويؤرق وينغص الحياة، لا اليومية فقط، بل بمفهومها الحضاري أيضاً.

المؤسف أكثر فهو أن هذا لا ينطبق على الشارع وحده، بل ينطبق على كل أشكال السلطات التي تحكمنا وتتحكم في مائنا وهوائنا ومالنا العام وخبزنا ومستقبلنا الذي يعتقدون أنه لهم ولأولادهم، وهم يسيرون عكس السير، وهم يبصقون علينا من عرباتهم، وهم يمنعوننا من قول أي كلمة حتى لو كان فيها ظل عتب لا غير، وهم يتجاوزون كل الإشارات الحمراء، بما فيها دمنا، ودم غزة أيضاً.

كنت أريد أن أذكر بعض حالات مضيئة تمر بي مرة كل أسبوع أو أسبوعين! لكنها ستذهب هباء، فملعقة سكر لم تكن كافية في أي يوم من الأيام لتحلية بحر.

شاعر و روائي فلسطيني

Exit mobile version