ديفيد زالاي أول مجري يفوز بـ”البوكر”: الجسد مرأة العالم

سناء عبد العزيز

في كل خريف، تتجه الأنظار إلى لندن، حيث تتصاعد المراهنات وتتكثّف التكهنات حول الفائز بجائزة “البوكر” البريطانية. منذ انطلاقتها عام 1969، رسّخت الجائزة مكانتها كواحدة من أبرز الجوائز الأدبية عالمياً، لما تمنحه من شهرة للكتّاب وزيادة ملموسة في مبيعات أعمالهم، إذ يتحوّل الفائز فور إعلان اسمه إلى محور نقاشات ثقافية وأدبية واسعة.
قبل الإعلان الرسمي هذا العام، تصدّر الكاتب البريطاني أندرو ميلر المراهنات عن روايته “أرض الشتاء”، التي تستعرض حياة زوجين في ستينيات القرن العشرين وسط الانقسامات الطبقية بعد الحرب، والتشريد، والاغتراب العاطفي. وبعد مداولات لجنة التحكيم برئاسة الروائي الأيرلندي رودي دويل، أُعلن فوز رواية “لحم” (Flesh) للكاتب ديفيد زالاي في الحفل الذي أُقيم مساء الاثنين الماضي في مسرح رويال ألبرت هول في لندن، متفوّقةً على أعمال القائمة القصيرة الأخرى، بما في ذلك “مصباح يدوي” لسوزان تشوي، و”وحدة سونيا وصني” لكيران ديساي، و”تجربة أداء” لكاتي كيتامورا، و”بقية حياتنا” لبن ماركوفيتس.
بذلك، سجّل زالاي لحظة نادرة في تاريخ الجائزة، إذ أصبح أول كاتب مجري- بريطاني يُتوَّج بـ “البوكر” منذ تأسيسها، مستحضراً الفائز بنوبل لازلو كراوس، الذي أثبت أن الأصوات الأدبية من المجر لها حضور عالمي.
صرّح دويل في كلمته “ناقشنا الكتب الستة في القائمة القصيرة لأكثر من خمس ساعات، لكن الكتاب الذي كنا نعود إليه دائماً، والذي تميّز عن بقية الروايات الرائعة، كان “لحم”، بسبب تفرده. لم نقرأ شيئاً يشبهه من قبل. إنها رواية داكنة من نواحٍ كثيرة، لكنها تبعث في الوقت نفسه على متعة القراءة”.
من الخسارة إلى الفوز
إلى جانب دويل، الفائز بالبوكر عام 1993 وأول فائز يترأس لجنة تحكيم الجائزة، انضمت الروائية أيوبابمي أديبايو، والناقد والكاتب البريطاني كريس باور، والممثلة والمنتجة الأميركية سارة جيسيكا باركر، والكاتبة الأميركية كيلي ريد؛ لتعكس اللجنة تنوع الخلفيات والخبرات الفنية. فقد اجتمع فيها كتّاب ومخرجون ونقاد، ليشكلوا فريقاً قادراً على تقييم أكثر من 150 رواية. وصف أعضاء اللجنة تجربة القراءة بأنها امتياز العمر وفرصة لاتخاذ قرارات جريئة في عالم الأدب.
ومع صعود زالاي إلى المنصة للمرة الأولى، بدا غير مصدّق سماع اسمه، ليستقبل التمثال المذهّب والشيك البالغ 50 ألف جنيه إسترليني من الكاتبة سامانثا هارفي، الفائزة بالبوكر العام الماضي. وهو ما يذكّرنا بأول تجربة لزالاي مع الجائزة عندما رُشِّحت روايته “كل ما في الإنسان” عام 2016، وقتها وصف الحفل بأنه “تجربة مروّعة”، خاصة بعد خسارته أمام رواية “الخيانة” لبول بيتي، حتى إنه قال لاحقاً لصحيفة “الغارديان”: “الصدمة وحدها هي التي تُخلّد الذكريات بوضوح”.
وها هو، بعد تسع سنوات، يتوَّج بالجائزة المرموقة، معترفاً في كلمته هذه المرة بصعوبة مختلفة: “كتابة ’لحم’ لم تكن سهلة، ولم أتمكن دائماً من التعامل مع الضغط بحكمة أو لطف”.
ثم شكر زوجته على دعمها، مضيفاً: “أنا متأكد من أنها تشعر بالحيرة مثلي من أن تلك الأوقات الكئيبة وهذه الأمسية المتألقة هي، بطريقة ما، جزء من نفس العملية والتجربة”.
بدا زالاي غير مصدّق سماع اسمه، ليستقبل التمثال المذهّب والشيك البالغ 50 ألف جنيه إسترليني من الكاتبة سامانثا هارفي الفائزة بالبوكر العام الماضي (Getty).
آلة مصنوعة من الجسد
ينتمي ديفيد زالاي إلى جيل من الكتّاب الذين فهموا قوة الصمت كوسيلة بلاغية. وُلد عام 1974 في بودابست لأب مجري وأم كندية، ونشأ في كندا قبل انتقال عائلته إلى بريطانيا، ليصقل صوته الأدبي ويصبح أحد أبرز الأصوات الأوروبية المعاصرة.
في روايته “لحم”، يقدم رحلة وجودية مؤلمة تتتبّع حياة رجل مجري من الطبقة العاملة يُدعى استفان، من مراهقته في ضواحي المجر، مروراً بتجربته العسكرية ومشاركته في الحرب بالعراق، وصولاً إلى عمله سائقاً وحارساً شخصياً لأثرياء لندن. تتشكّل شخصيته عبر سلسلة من الصدمات الجسدية والعاطفية.
تبدأ الرواية بعلاقة صادمة بين مراهق في الخامسة عشرة وامرأة متزوجة تكبره بسبعة عشر عاماً؛ علاقة تترك ندبتها على وعيه وتصبح بذرة اغترابه. ومنذ تلك اللحظة، يبدو وكأنه يعيش حياة غير مكتملة، يجرّ جسده من مكان إلى آخر من دون أن يلحق بروحه.
وتشير جاستين جوردان في “الغارديان” إلى أن الرواية تقدّم الجسد كأرشيف صامت للتاريخ الفردي والجماعي، مستشهدة بعبارة زالاي: “وجودنا هو تجربة جسدية قبل أي شيء آخر”.
حكاية غير مجانية
تبدو رواية “لحم”، كما لاحظ النقاد، عملاً مكتوباً بحذر: مقتصداً، مشدوداً، يعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى المساحات البيضاء لخلق معنى. يقول دويل: “لا أظن أنني قرأت رواية أحسنت استخدام الفراغ الأبيض كما فعلت هذه… ومع كل صفحة نقلبها نشعر بالامتنان لأننا أحياء ونقرأ هذه الرواية المتفرّدة”.
ويصف كيران غودارد الرواية بأنها “عظم صافٍ”، حيث قلّص زالاي كل شيء إلى الحد الأدنى القاسي. وعندما يُسأل استفان عن الحرب والموت، يجيب ببساطة: “كان جيداً”.
إنها رواية تُنقّي العاطفة من زوائدها، وتقدّم الألم في أنقى صوره، بلا رتوش، وفيها كشف للعنف غير المرئي في النظام الأوروبي الحديث: كيف يصعد رجل من أوروبا الشرقية السلم الاجتماعي، لكنه يظل غريباً دائماً.
أثناء تسلّمه الجائزة، قال زالاي:
“يمكن للرواية أن تخوض مخاطر جمالية وشكلية وربما حتى أخلاقية… كل ما تحتاجه هو كاتب وقليل من القهوة وبعض الأساسيات لعام أو عامين. أعني، إنها شبه مجانية”.
لكن “المجانية” هنا ليست مجانية؛ فكل مبدع يعرف ثمنها: استنزاف الأعصاب، ونوبات الاكتئاب، حتى يصبح الجسد، قبل الروح، رهينة المخاطرة والإبداع.




