Site icon المزمار العربي

رجل عجوز مولع بالفن

ستار كاووش

ستار كاووش

المواهب العظيمة يمكنها أن تنبت في أي مكان، لا تقف بوجهها عواقب ولا جدران، تنمو مثل زهرة وسط الصخور، أو تُحلِّق مثل طائر بري لا يتوقّف عن الحركة والطيران. لذا يمضي الموهوبون مثل ماء النهر الجارف لتحقيق نجاحهم، لا تستوقفهم العثرات التي تضعها الحياة في طريقهم، بل ينطلقون قدماً كي يصنعوا التاريخ ويغيّروا وجه الفن. وأحد أصحاب المواهب العظيمة هو الفنان الياباني هوكوساي (١٧٦٠-١٨٤٩) الذي تعلَّم الحفر على الخشب في صباه، ثم تنقَّل بين هذا الأستاذ وذاك المعلم، ليحفر طريقه كما كان يحفر الخشب، ويصل إلى مكانة جعلته أهم فنان ياباني عبر التاريخ.

حين طلبت مني مجلة «أتيليه» الهولندية ذات مرة أن أكتب عن أجمل بورتريه شاهدته في حياتي، لم أتردد باختيار لوحة فينسنت فان خوخ التي رسمها للعم تانغي، والتي امتلأت خلفيتها بالرسومات اليابانية التي علّقها فينسنت على جدران مرسمه، ومن ضمنها أعمال هوكوساي. في تلك اللوحة عرفتُ كيف فهم فينسنت الفن الياباني وجعله مصباحاً يضيء لوحاته الخالدة. ولا أنسى أيضاً ما فعلته بي لوحات هوكوساي التي شاهدتها في متحف رايكس في أمستردام، أو في متحف التصميم والفنون اليدوية في هامبورغ، وغيرها من المتاحف التي تابعتُ فيها خطوطه المرهفة الأنيقة، وتكويناته الجذابة، وأشكاله التي يوزّعها على اللوحات بطريقة فريدة. كنتُ أتطلع إلى تلك اللوحات وكأني أمام كنوز أثرية جاءت من أرض اليابان.

إضافة إلى موهبته العظيمة، كان هوكوساي يتمتع بروح الدعابة، فمثلما مرَّ بمراحل عديدة، كان أيضاً يغيّر اسمه مراراً وتكراراً، وقد استخدم أكثر من خمسين اسماً، حيث كان يمنح نفسه اسماً جديداً مع كل مرحلة من مراحله المختلفة، ويُعتبر اسم «رجل عجوز مولع بالفن» أطرف اسم استخدمه كفنان. عموماً يبقى اسم هوكوساي هو الذي صمد أمام كل الأسماء الأخرى، والذي بدأ باستخدامه عندما بلغ السادسة والأربعين من عمره، وعرفه الناس من خلاله، لكن حتى هذا الاسم ليس اسمه الحقيقي، بل اسم فني ابتكره لنفسه.

الإنتاج الوفير دليل على الخصوبة، وهذا ما نراه في أعمال هوكوساي التي بلغ عددها ثلاثين ألف رسم أنجزها خلال حياته المليئة بالانتقالات والتجديد والمراحل، والحصة الكبيرة من أعماله كانت لرسومات الكتب، والتي تساوي أكثر من ضعف ما أنجزه الفنانون اليابانيون مجتمعين. هكذا كان هوكوساي لا يتوقف عن العمل وابتكار خطوط جديدة لرسوماته، وإيجاد معالجات عالية، وهذا كان كفيلاً بأن يُدخله تاريخ الفن.

استلهم هذا الفنان رسوماته من الناس في الأسواق والشوارع والمعابد وأماكن الاحتفالات والرقص، لكنه تأثر أيضاً بمسرح الكابوكي الشهير في اليابان، ورسم الممثلين وحركاتهم وإيماءاتهم والمراوح اليدوية التي تتمايل بين أيديهم هنا وهناك. مع ذلك تبقى رسوماته التي رسمها للطبيعة هي أهم إنجازاته، حيث رسمها بشكل دقيق وبألوان قليلة، لكن مؤثرة، وبتكوينات جديدة ومبتكرة. هذه الرسومات وضعته في مصاف رسامي العالم الكبار.

تبقى لوحة «الموجة العظيمة قبالة كاناغاوا» أشهر وأعظم أعمال هوكوساي على الإطلاق. هذه اللوحة الدرامية، بتكوينها المبتكر وحركتها اللولبية وإيقاعها الذي يشد المشاهد، لم تكن لوحة جميلة فحسب، بل ذاع صيتها وفتحت الباب على مصراعيه للفن الياباني كي يأخذ مكانته في كل العالم. تظهر في هذه اللوحة بعض القوارب التي تصارع أمواج البحر المتلاطمة، وبدت في أعلى اليمين موجة عملاقة تنقض كأنها مخالب وحش كاسر، وتهدد القوارب التي على وشك الغرق، فيما يظهر جبل فوجي في عمق اللوحة، ليمنح التكوين شيئاً من الهدوء الذي يواجه العاصفة. إنها قوة الطبيعة وصراع الإنسان معها منذ الأزل. ألوان قليلة بدرجات الأزرق كانت كافية لتصنع هذا الجمال والتأثير والقوة. وقد ألهم هذا العمل مئات الفنانين حول العالم وتأثروا به بطرق مختلفة. ومن المشاهير الذين تأثروا بأعمال هوكوساي: فينسنت فان خوخ، وإدغار ديغا، وغوستاف كليمت، وغيرهم الكثير من فناني العالم الكبار.

جمع هوكوساي بين الرسم والتخطيط والتصميم والحفر على الخشب، وشكَّل انتقالة عظيمة في فن الطباعة الياباني الذي أوصله إلى قمة مستواه في القرن التاسع عشر. وفي حياته المديدة كلها لم يتوقف هوكوساي عن العمل والابتكار، مع ذلك كان يرى أن طريق الرسم طويل، بل طويل جداً ومليء بالاكتشافات التي لا تنتهي. وهذا يؤكد ما قاله لابنته وهو على فراش الموت، وقد ناهز التسعين من العمر: «لو أن السماء منحتني عشر سنوات إضافية، أو خمس سنوات أخرى، فربما أصبحت رساماً حقيقياً».

فنان وناقد تشكيلي عراقي

Exit mobile version