فنون

 رياض السنباطي ومسيرة الإبداع الخالد

السنباطي وأم كلثوم: صراع القفلة وولادة الأسطورة

وفيق صفوت مختار

 أحد رواد تجديد الموسيقا العربية، ومن أبرز الموسيقيين العرب والذي اشتهر بتفرده في تلحين القصيدة العربية، اكتست موسيقاه بالطابع الكلاسيكي، وتعاون مع أغلب مطربي الوطن العربي، وقد جمعته علاقة وطيدة بكوكب الشرق «أم كلثوم» (1898- 1975م). بلغ عدد مؤلفاته الغنائية (539) عملاً، ومؤلفاته الموسيقية (38) قطعة، وبلغ عدد شعراء الأغنية الذين لحن لهم (120) شاعراً.

ولد «رياض محمد السنباطي» في (30) نوفمبر عام 1906م، بمدينة «فارسكور»، التابعة لمحافظة «دمياط». تأثر منذ الصغر بوالده الذي كان يجيد العزف على آلة العود، ويغني التواشيح الدينية. أصيب وهو في التاسعة من عمره بمرض في عينه، حال بينه وبين الاستمرار في الدراسة، وهو ما دفع والده إلى التركيز على تعليمه قواعد الموسيقا وإيقاعاتها. وقد أظهر استجابة سريعة وبراعة ملحوظة، فاستطاع أن يؤدي بنفسه وصلات غنائية كاملة، وقد استمع الشيخ «سيد درويش» (1892- 1923م) له فأعجب به إعجاباً شديداً.

وفي عام 1928م كان قرار والده الانتقال إلى القاهرة مع ابنه، الذي كان يرى أنه يستحق أن يُثبت ذاته في الحياة الفنية، مثله مثل «أم كلثوم» التي كان والدها صديقاً له قبل نزوحه إلى القاهرة. تقدم «السنباطي» بطلب لمعهد الموسيقا العربية، ليدرس به فاختبرته لجنة من جهابذة الموسيقا في ذلك الوقت، إلا أن أعضاءها أصيبوا بنوع من الذهول، حيث كانت قدراته أكبر من أن يكون طالباً لذا فقد أصدروا قرارهم بتعيينه في المعهد أستاذاً لآلة العود والأداء. ومن هنا بدأت شهرته في البروز في ندوات وحفلات المعهد كعازف بارع. ولم تستمر مدة عمله بالمعهد إلا ثلاث سنوات، بعدها قدم استقالته حيث كان قد اتخذ قراره بدخول عالم التلحين، وكان ذلك في مطلع الثلاثينيات من القرن المنصرم، عن طريق شركة أوديون للاسطوانات التي قدمته كملحن لكبار مطربي ومطربات الشركة، ومنهم: «صالح عبد الحي» (1896 – 1962م)، و «عبد الغني السيد» (1908 – 1962م)، و«نجاة علي» (1913 – 1993م)، و «رجاء عبده» (1919-ـ 1999م).

ومع تطوُّر أسلوب «السنباطي» وسطوع نجم «أم كلثوم» في منتصف الثلاثينيات من القرن المنصرم، سهل لهما التلاقي. وكانت البداية بأغنية «على بلد المحبوب وديني»، التي قدمت عام (1935م) ولاقت نجاحاً كبيراً. وبعدها لحن لها أغنية «النوم يُداعب عيون حبيبي»، كلمات الشاعر «أحمد رامي» (1892 – 1981م). والتي أعجبت بها «أم كلثوم» وقدمتها في حفلها الشهري بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. وظل «السنباطي» يمد «أم كلثوم» بألحانه وروائعه، والتي بلغت حوالي (90) لحناً.

ولعلَّ أروع ما قدمه «السنباطي» لسيدة الغناء العربي «أم كلثوم» هي قصيدة «الأطلال»، وهي الأغنية التي اعتبرها النقاد تاج الأغنية العربية، وأروع أغنية عربية في القرن العشرين، كما يعدها الكثيرون أجمل ما غنت «أم كلثوم»، وأروع ما لحن «السنباطي»، ولذلك قصة سوف نقدمها على عجالة: قدم «محمد عبد الوهاب» لــ «أم كلثوم» أغنية «أنت عمري» في لقاء مؤجل منذ مطلع ثلاثينيات القرن المنصرم رغم محاولات الاقتصادي الكبير «طلعت حرب» (1867- 1941م) في العصر الملكي، ومحاولات الرئيس «جمال عبد الناصر» (1918- 1970م) المتكررة في أعياد ثورة (23) يوليو. والحقيقة فإن أغنية «أنت عمري» لم تكن أروع الحان «محمَّد عبد الوهاب» التاريخية، ولا كانت أروع أغنيات «أم كلثوم» كما يقول الباحث والناقد «إلياس سحاب» (المولود في عام 1937م)، لكن انطلاقها سجل حدثاً بارزاً في تاريخ الغناء العربي حتى لقبه الناقد والكاتب «جليل البنداري» (1916- 1968م)، بأنَّه: «لقاء السحاب». ويبدو أن الدوى الجماهيري الذي أثاره ظهور أغنية «أنت عمري» قد أثار الغيرة الفنية لكل فناني ذلك العصر بخاصة مَنْ كان منهم يلحن للسيدة «أم كلثوم». من هؤلاء المستثارين الموسيقار «محمد الموجي» الذي لم يُلاحظ من «أنت عمري» سوى أنها قضت على بداية صعود نجاح لحنه المهم «للصبر حدود»  لــ «أم كلثوم».

أمَّا الموسيقار «رياض السنباطي» فقد وجد في النجاح الجماهيري الكاسح لأغنية «أنت عمري» تحدياً لعصر كامل من تفرده بتلحين الروائع لكوكب الشرق، من قصائد فصحى، ومونولوجات مطولة، وقصائد دينية ووطنية شامخة، بعد أن صمت كل من: «محمد القصبجي» (1892- 1966م)، و«زكريا أحمد» (1896- 1961م) عن التلحين لـــــ «أم كلثوم».

ومن حسن حظ الموسيقا العربية المعاصرة أن هذا الحراك قد اثار في نفس الموسيقار «رياض السنباطي» حنينه إلى لونه المفضل مع «أم كلثوم» القصائد المطولة. الحفلة التي قدمت فيها «أم كلثوم» قصيدة «الأطلال» للمرة الأولى، كانت في يوم (7) إبريل (نيسان) عام 1966م.

الحقيقة أن ظهور هذا اللحن قد أحدث الدوى الجماهيري نفسه الذي أحدثته «أنت عمري»، قبل سنتين (1964م). ولعل «رياض السنباطي» كان يقدم في «الأطلال» رده الفني على النجاح المدوي لأغنية «أنت عمري». ويبقى سؤال منطقي بعد ذلك، إذًا، لماذا تأخر الرد سنتين كاملتين؟

الحقيقية أن «السنباطي» انتهى من تلحين «الأطلال» قبل ظهورها بما يقارب السنتين، لكن خلافاً فنياً وقع بينه وبين «أم كلثوم» بالنسبة للحن العبارة الأخيرة (فإن الحظ شاء) التي وضعها «السنباطي» على نغمة مرتفعة (كما سمعناها ونسمعها)، بينما أصرت «أم كلثوم» على أن يكون اللحن مستقراً على القرار المنخفض للمقام، وليس جوابه الأعلى. عندئذ، حمل «السنباطي» عوده ونوته الموسيقية، رافضًا الانصياع لرأي «أم كلثوم». وبديهي أن يؤدي ذلك إلى فترة من انقطاع التعامل بينهما، راح ينشط فيها المصلحون من أصدقاء الطرفين، حتى اقترح «السنباطي» على «أم كلثوم» أن تغني اللحن كما وضعه هو حرفياً، فإذا نجحت قفلة (فإن الحظ شاء) العالية، اعترفت له بذلك، وإذا فشلت فإنه مستعد لاعتزال التلحين !!

وبالفعل، وعندما قابل الجمهور قفلة «السنباطي» بحماسة لا توصف، ذهبت «أم كلثوم» بعد انتهاء الحفلة فجراً إلى منزله لتعتذر، وتعترف له بصواب موقفه الفني. لقد جاءت «الأطلال» من أروع القصائد الخالدة التي زود بها «السنباطي» حنجرة «أم كلثوم»، وفي هذا وصف الموسيقار «محمد عبد الوهاب» قصيدة «الأطلال» بأنها من أعظم ما غنت «أم كلثوم» على المسرح في كل حياتها.

رحل عنا فيلسوف الموسيقا العربيَّة «رياض السنباطي» في العاشر من سبتمبر عام 1981م، بعد أن ترك لنا (539) عملاً في الأوبرا العربية، والأوبريت، والاسكتش، والديالوج، والمونولوج، والأغنية السينمائية والدينية، والقصيدة، والطقطوقة، و(38) مقطوعة موسيقية. ومن أبرز مَنْ غنوا من تلحينه: «منيرة المهدية»، و«محمد عبد المطلب»، و«أسمهان»، و«هدى سلطان»، و«فايزة أحمد»، و«سعاد محمد»، و«وردة الجزائرية»، و«ميادة الحناوي»، و«نجاة الصغيرة»، و«سميرة سعيد»، و«طلال مداح»، و«عزيزة جلال».

وقد نال الموسيقار الكبير «رياض السنباطي» عدة تكريمات من بينها: حصوله على وسام الفنون من الرئيس «جمال عبد الناصر» عام (1964م)، ووسام الاستحقاق من الطبقة الأولى من الرئيس «محمد أنور السادات»، وجائزة المجلس الدولي للموسيقا في باريس عام (1964م)، جائزة الريادة الفنية من جمعية كتاب ونقاد السينما عام (1977م)، جائزة الدولة التقديرية في الفنون والموسيقا، الدكتوراه الفخرية لدوره الكبير في الحفاظ على الموسيقا العربية من أكاديمية الفنون عام (1977م)، كما أنه الوحيد في الوطن العربي الحاصل على جائزة اليونسكو «أحسن موسيقي في العالم» في (30) إبريل عام (1977م)، وهذه الجائزة لم يحصل عليها في العالم سوى خمسة أشخاص فقط.

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى