علي الحسن
لستُ مُعجباً بهذه الحياة
أنا الزائرُ فيها بـ مَحضِ جُنونِ المُصادفات
وُلدتُّ في قريةٍ بعيدة
يحرُسُها جبلٌ إلى جهةِ الجنوب
وتنتصبُ فزَّاعاتُ الطيور في حقولِها
تغزو العقاربُ والأفاعي بيوتَها الطينيَّة
ويبدِّدُ عزلتَها باعةٌ جوَّالون بعرباتٍ تجرُّها الأحصنة
يلتقي أهلُها عند البئرِ حاجةً للماء
وفي المقبرة احتفاءً بالأعياد
وحزناً حينَ الوَدَاعاتِ الأخيرة
.
لستُ مُعجباً بهذه الحياة
فمنذ أمدِ الطفولة
وكلما اجتاحني عطشُ الدروب
انكشفَ زيفُ السَّراب
صادقتُ الفزَّاعاتِ حيناً
وعجبتُ لماذا تنفرُ الطيور
صعدتُ الجبلَ مرةً لـ أُلامسَ السَّماء..
ففقدتُ الثقةَ بالجبالِ والمَسافات
.
أنا معجبٌ بهذه الحياة أهدتني في يفاعتي
مِذياعاً أصفرَ بحجمِ الكفّ
فركبتُ موجاتِ الأثير
وأهدتني حِماراً صَامتاً
وعصاً لرعي الأغنام
ودرَّبتني على سماعِ الأجراس
وتمييزِ الثُّغاء
.
أنا معجبٌ بهذه الحياة أعطتني رأسَاً يابساً
لم أحتملِ ارتداءَ الأحذيةِ فلسعتني العقارب
وأطفأتُ السُّمَّ بحليب النِّعاج
رأيتُ كيف تسيرُ الأفاعي في سبيلها
وعجبتُ كيف تتفتّت أثوابُها بيدي
وتصيرُ مِلحاً برَّاقاً من زجاج
أكلتُ القندريسَ المُرَّ بأصابعٍ مُدماة
وشاركتُ أعمدةَ الزوابعِ كرنفالاتِها الغباريَّة
.
أنا معجبٌ بهذه الحياة..
ففي عتمةِ الليالي وكلما ذهبتْ بي المخيلةُ بعيداً
تسللتِ الجنيَّاتُ إلى فراشي
ومع انبلاجِ الصَّباحاتِ وجدتُني وحيداً
فعلمتني الحياة ألا أنامَ على وسَادة أحلامِها
وألا أصغيَ إلى وصاياها
وألا أضعَ النُّقاطَ على الحُروف
جعلتني أرتدُّ عنها إليَّ
وأمرِّرُ جِمالاً عالية من أبوابِها الضِّيقة
مُكتفياً بي وبابيَ العالي
شاعر سوري مقيم في النمسا

