Site icon المزمار العربي

سحر المجوهرات

ستار كاووش

ستار كاووش

من أين تأتي منابع الجمال، وكيف تشرق ابتكارات الإنسان وما تصنعه يداه ويستحضره قلبه؟ أيّة روح عظيمة هذه التي اهتدت إلى ابتكار الأشياء الجميلة التي تعددت أشكالها واختلفت ألوانها وتباينت حجومها، ابتداءً بالمنحوتات الضخمة التي يتهيّب المشاهد أمام سطوتها، وانتهاءً بالمجوهرات الصغيرة التي هي موضوعنا اليوم، والتي عرفها الإنسان منذ القدم. لكن من يقف وراء حفظ هذا الجمال الممتد عبر الأزمان ويضعه في إطاره الصحيح والمناسب كي نتمكن من الاطلاع عليه بعد كل هذه السنوات؟

فكرت بهذه التفاصيل وأنا أضع قدمي في متحف (ماك) بمدينة كولن الألمانية، حيث يُقام معرض (سحر المجوهرات) الذي توزعت فيه الخواتم والقلائد والبروشات والكثير من التحف الصغيرة التي انفتحت أمامي مثل ذيل طاووس ملون. فلم يكن بوسعي سوى أن أطلق لروحي العنان لتتهادى بيسر ونعومة، كما هي التماعات الخواتم وشفافية القلائد التي بزغت مثل شموس صغيرة على جدران الصالة المعتمة التي أحيتها بقع الإضاءة الخاصة المنتشرة على الجواهر بطريقة ترفة وأنيقة.

الأعمال الأساسية لهذا المعرض هي المجموعة الكبيرة التي تبرعت بها الفنانة إليزابيت تريسكو للمتحف، والتي تُعد أهم مصمّمة مجوهرات في القرن العشرين، وهي ابنة مدينة كولن وفخر إبداعها. يضاف إلى ذلك مجموعة المتحف الدائمة، ليكتمل هذا المعرض الفريد الذي احتوى على (٣٧٠) قطعة متنوعة تعود لفترات مختلفة، ضمّت الخواتم النادرة والبروشات والقلائد والأقراط والأساور وغيرها الكثير من قطع الزينة التي استُخدمت في صناعتها مواد مختلفة كالذهب والفضة والأحجار الثمينة والزجاج والمينا والخشب والعظام وحتى المحار. في هذا المعرض نتجول بين ثقافات وحقب مختلفة فيها الكثير من الدلالات الرمزية التي امتزجت فيها الفخامة والتقاليد والهوية وحتى الجنس، هنا نستطيع رؤية التأثيرات الاجتماعية والعاطفية للمجوهرات، وكيف تتماشى مع أذواق الناس وأزياء المراحل المختلفة.

أتوقف أمام خاتم مذهل مرسوم عليه بورتريه القديس كارلو، وهو مصنوع بتقنية المينا المقسمة التي تُجزّأ إلى أجزاء صغيرة في مربع، وكأنه عمل متناهٍ في الصغر للرسم على الزجاج المعشق بالرصاص، وهو من صنع هانز رايندوف الذي عاش وعمل في مدينة كولن ذاتها.

أمضي قليلاً ليظهر أمامي زران من أزرار الأكمام المصنوعان في روسيا، والتي رُسم عليها بورتريه جانبي لنابوليون، الذي يبدو ملتفتاً مرة إلى اليمين وأخرى إلى اليسار. ويظهر نابوليون بقبعة روسية وكنزة خضراء ذات ياقة حمراء، وهذا الزي كان مخصصاً لصيادي الخيول في الحرس الإمبراطوري.

بعد أن ابتعدت أزرار نابوليون خلفي، ظهرت أمامي تحت بقعة من الضوء قلادة كمثرية الشكل، مرصّعة بأحجار كريمة، من تلك التي كانت رائجة في أوروبا. والزخارف المنتشرة عليها تؤكد تأثر صانعها بنقوش القرن السادس عشر. ومن خلال تنوع التقنيات هنا، تبدو القلادة نموذجاً رائعاً لفن المينا في جنوب ألمانيا.

تنقلت بين التماعات الحلي المختلفة، فبزغ أمامي بروش بهيئة يعسوب، للفنان أوجين فويتلر الذي يُعد من أهم صانعي المجوهرات بأسلوب (آرت نوفو)، حيث استخدم تقنية تزجيج خاصة، والذي كان غالباً ما يرمز للمرأة في أعماله من خلال اليعسوب أو حتى الفراشة.

مضيت بين المجوهرات التي تلألأت هنا وهناك، حتى ظهر أمامي بروش ساحر تم تنفيذه بالذهب، وفي وسطه يظهر شكلاً دائرياً منفّذاً بالفسيفساء الدقيقة، وتتوسط الدائرة يد تمسك هلالاً، ويبدو تأثر هذا العمل واضحاً بالفن البيزنطي. وقد انتشرت هذه الفسيفساء الناعمة في روما في القرن الثامن عشر.

على مقربة من ذلك، لمع خاتم ذهبي يسمى خاتم الإخلاص، والذي يظهر في نهايته رأسان لملاكين صغيرين، فيما كُتبت على الحافة كلمة لاتينية تعني ترجمتها (نجاحنا في إخلاصنا)، ويعود هذا الطراز إلى العصر الروماني، وقد كان هذا النوع رائجاً سنوات طويلة، وحافظ على شعبيته حتى القرن السابع عشر. وتُعرف هذه الخواتم في إيطاليا باسم (خواتم الإخلاص)، وكانت تستخدم غالباً كخواتم زواج.

وما دمنا بصدد الخواتم، فها هو خاتم آخر يتوهج أمامي، وهو حديث نسبياً لكنه يحمل الكثير من السحر والغواية، إنه خاتم الحب الذي صمّمه هيربرت زيتنر سنة ١٩٥٣، والذي اشترك فيه بمسابقة خواتم الحب وقتها، وقد استوحى تصميمه من زوجين يتبادلان القبلات. وفي هذا الخاتم تظهر تأثيرات فن القرن التاسع عشر.

أشكال وتفاصيل وألوان لا حصر لها في هذه الصالة التي تشبه صندوق عجائب، حيث لا يمكنني الملل وأنا أتابع التفاصيل والتقنيات والرموز التي أخذتني إلى عوالم بعيدة وغامضة، ثم عادت بي لأتجول من جديد بين هذه التحف الصغيرة التي سأحاول أن أُدخل الكثير منها في لوحاتي.

أكملت مشاهدة المعرض، فخرجت وأنا أفكر بتسمية المجوهرات التي تعود لكلمة جوهرة، وهي الشيء الثمين. كذلك حين نقول جوهر الشيء فنقصد قيمته الحقيقية، وها أنا قد رأيت اليوم جوهر الفن من خلال جواهر حقيقية تكمن قيمتها في نواحٍ عديدة سواء كانت تاريخية أو فنية أو تزيينية، لكن فوق كل هذا هو الجمال الذي يشع من روح هذه التحف الصغيرة، والابتكار الذي تعدى الزمن وتجاوز اختلاف الثقافات والمعتقدات وتعاقب الأزمان… إنها روح الإنسان الذي لم يتردد في قول كلمته عن طريق الجمال.

ناقد وفنان تشكيلي عراقي

Exit mobile version