أمير تاج السر
منذ سنوات كتبت عن شاب التقيته في منطقة نائية ومقفرة، أيام عملي في التفتيش الطبّي في شرق السودان، كان اسمه أسامة. وكان قد تطوّع للقدوم لتلك المنطقة لتعليم أبناء البدو الرحل، بلا أي إمكانيات ولا دعم، وفقط بإصراره الكبير، وصبره على مواجهة الصحراء بكل ما تحمله من صمت وضياع، وما تبثه من خوف ورعب.
كانت مدرسته عبارة عن بناء من الصفيح والقش، والخيش، وبروش من السَعف يجلس عليها التلاميذ، الذين يحضرون صباحاً من أماكن متفرقة في الصحراء، ويذهبون ظهراً، ويبقى وحيداً، بصحبة نار مشتعلة، وطعام قليل، يحصل عليه من زيارات متقطعة للمدينة القريبة.
كان أسامة نموذجاً لشاب متفائل ونشيط وشجاع، ولم يكن يوجد كثيرون مستعدون لهذا العمل في ذلك الوقت، حيث كان الكل يبحث عن الرفاهية في وطن لن يمنحها أبداً، ويضطر الناس للهجرة والسفر، ومحاولة العثور على مستقبل بعيد، أو يبقون بلا معنى، وبلا عمل ولا طموحات ولا رغبة في المشاركة بشيء.
الآن مرت سنوات طويلة منذ لقائي بأسامة، ولا أعرف إن كانت نواة مدرسته نمت إلى مدرسة حقيقية، أم انطفأت؟ حدثت ثورة كبرى في البلاد، حدثت تغيّرات جذرية في العالم، وتلك المناطق التي كنا نتحرك فيها بأمان، ونبحث عن أطفالها من أجل التحصين ضد الأمراض المعدية، ومكافحة السل الرئوي، أحد أسوأ الأمراض المستوطنة هناك، غزتها الحرب، وتوعكت تماماً، وأظن كثير من أهلها نزحوا أو تركوها، لا أدري بالتحديد. وأحياناً ألتقي في أسفاري إلى بلاد مختلفة، بأشخاص عرفتهم هناك واغتربوا، ويتحدثون بمرارة عما أصاب البلاد كلها من مغص وانهيار، ووعكات أخرى لا يبدو إصلاحها أمراً سهلاً.
وقد قرأت مؤخراً عن تجارب جديدة، تشبه تجربة أسامة، كانت نتاجاً للحرب، وأوضحت تماماً أن هناك شباباً في كل زمان، مستعدين لتحمّل أعباء لم تكن أعباءهم الشخصية، وإنما أعباء وطن كبير آمنوا به، وقطعاً سيسعون لإصلاح شيء فيه، من دون الاعتماد على حكومات أو دعم.
مثلاً تجربة مؤمن، الذي كان وما زال ينقل العلاجات المنقذة للحياة على دراجته، كلما حصل عليها إلى أشخاص يحتاجونها في منازلهم، وقد بدأ نشاطه والحرب في العاصة في أوجها، وتحاربه جهات عدة لا تريد نقاء أو شهامة. وكنت ذكرت مرة، أن مثل هذا الشاب، يجب أن يكرم فعلاً، لا أن تطارده المطاردات، وتحاول إقصاءه من مهمة هو يؤديها طوعاً وبلا أي عائد شخصي.
أيضاً قرأت عن الشاب الذي كان مهتماً بالزراعة في بلد زراعي في المقام الأول، لكن لا أحد من المسؤولين المتعاقبين، أعطى الزراعة حقها، وكان الاهتمام بها كفيلاً بالارتقاء بهذا البلد منذ عقود. أكثر من ذلك، تلك المشاريع العملاقة التي أنشأها الإنكليز أيّام استعمارهم، تداعت كلها ولم يبق إلا مساحات من الأراضي البور أو المزروعة جزئياً بمجهودات غاية في الضعف. ويبدو عيباً كبيراً بلا شك، أن يبحث الناس عن الغذاء، في بلد محاط بالغذاء، وفقط يحتاج للاهتمام حتى يسطع.
هذا الشاب كان يزرع التين في مزرعة يملكها، وقام حين اندلعت الحرب بنقل شتلات التين إلى أحياء آمنة، وزراعتها هناك، وكلما طاردت الحرب زراعته، نقلها إلى أماكن أخرى، وقام بغرسها. كان يستخدم ما يستطيع الحصول عليه من وسيلة نقل، استخدم الباصات وعربات الكارو، والمشي على قدميه، وذكر على صفحته في الإنترنت أسماء قرى عديدة كانت آمنة، نقل إليها شتلات التين. وحين حامت حولها الحرب، خشي على شتلاته، ونقلها لقرى أخرى، ثم أعادها، وهكذا ظلت زراعته، فعلاً رمزياً للمشاركة في احتفائه بالوطن، وعدم السماح لحرب بلا معنى أن تقضي على كل شيء فيه.
وهذا أيضاً نموذج للشباب الذين ننتظرهم، لترميم ما يمكن ترميمه من ضياع، وتعويض شيء من الخسارات.
أيضاً لا بد من الحديث عمّا يسمى التكايا، التي انتشرت في الخرطوم قبل تحريرها، وهي أماكن يمكن للمواطنين الحصول بداخلها عما يسد الرمق. وهذه أيضاً تدار بمجهودات الشباب المتطوعين، حيث يحاولون الحصول على خامات الطعام من هنا وهناك، والطهي، وتقديم الوجبات للمتضررين. وتوزعت هذه التكايا في الأحياء كلها تقريبا، وأعتقد بالرغم من الأمان النسبي الآن، وبدايات العودة الطوعية للناس لبيوتهم وأحيائهم، ما زال كثيرون يعتمدون على التكايا، خاصة أن لا وظائف متاحة، وقطعاً هناك عدد من الخيرين يقدمون الدعم لها.
إذن وبالرغم من قسوة الحرب، وما أحدثته من تشرد وتمزق للأسر، وكشف لعورة وطن كان مستوراً ومتحملا نكباته العديدة بصبر، ظهرت تلك السواعد الشبابية، ظهرت نخوات جديدة، مضيفة وصفاً جديداً لما قد يحدث في المستقبل. لا أظن أن الشباب الذين أشعلوا ثورة، وسعوا للحفاظ عليها بالرغم من كل شيء، سيتركون وطنهم يهوي، كل ما في الأمر، أننا بحاجة إلى وقت، وما لم تنته الحرب، لن يكون ثمة عمل مكتمل أو حتى شبه مكتمل.
في الماضي كنا نفخر بجيلنا والأجيال التي سبقتنا والتي أتت بعدنا مباشرة، لكن جيلنا لم يواجه بعاصفة كبرى مثل التي يواجهها شباب اليوم، كل ما كان سائداً آنذاك، من صعوبات، كان صعوبات عادية، يعرفها الوطن تماماً واعتاد عليها.
وأذكر أيام عملي في الحدود السودانية الإرترية، أن المستشفى الصغير الذي كنت أديره، كان في معظم الأوقات بلا أدوات للتعقيم ولا إمكانيات ولا أدوية مساندة، لكننا كنا ندبّر أمورنا ونخترع الأدوات ونطوع الأدوية، ويمضي العمل، كانت عقبات صغيرة فعلاً.
كاتب من السودان

