موسيقى

رتيبة الحفني: الصوت الذي علّم الموسيقا كيف تُصغي

وفيق صفوت مختار

على شاشة التلفزيون المصري كان للدكتورة الفنانة «رتيبة الحفني» برنامجٌ للموسيقا العربية، ينقلنا إلى سلطنة الطرب العربي الأصيل، تشرح بلغتها الهادئة الساحرة المقامات العربية الخالدة ما بين: «البياتي» و«الراست» و«النهاوند»… وبين أصوات الناي، والكمان، والعود، والقانون.

كانت فنانة مصرية أصيلة، ومغنية أوبرا عالمية (سوبرانو)، أدّت أكثر من خمسمئة عرض أوبرالي، وعميدة معهد الموسيقا العربية بالقاهرة، كما أنها أول امرأة تتولى منصب مدير دار الأوبرا المصرية؛ فاستحقت أن يُطلق عليها لقب «سيدة الموسيقا العربية»، و«عايدة الأوبرا المصرية».

وُلدت «رتيبة محمود أحمد الحفني» في الثاني من شهر ديسمبر عام 1931م بالقاهرة. نشأت وترعرعت في أسرة موسيقية؛ فوالدها «محمود أحمد الحفني» هو الذي قام بتأليف نحو (45) كتاباً عن الموسيقا، كما كان أول مَن أدخل دراسة الموسيقا في المدارس المصرية. وقد ورثت عشق الموسيقا من جدتها لأمها، التي كانت تعمل مغنية أوبرا ألمانية.

في سن الخامسة من عمرها أجادت العزف على آلة البيانو، وتعلّمت العزف أيضاً على آلة العود برعاية الموسيقار الكبير «محمد القصبجي» (1892–1966م)، وقد دفعها حبها للموسيقا إلى صقل تلك الموهبة بالدراسة الأكاديمية.

من خلال مسيرة الدكتورة «رتيبة الحفني» الدراسية حصلت على دبلوم المعهد العالي لمعلمات الموسيقا (كلية التربية الموسيقية الآن) عام 1950م، كما حصلت على أعلى مؤهل متخصص في الغناء الأوبرالي من المدرسة العليا للموسيقا بمدينة «ميونخ» الألمانية، وهو ما يعادل شهادة الدكتوراه في مصر عام 1955م. كما قامت بتسجيل دراسات عليا في الفن الشعبي بجامعة «هومبولت» بمدينة «برلين» الألمانية، في الفترة من 1954م حتى 1968م.

كان للدكتورة «رتيبة الحفني» مشوار مهني ووظيفي طويل ومتميّز؛ فقد عُيّنت معيدة بالمعهد العالي لمعلمات الموسيقا عام 1950م، وانتُدبت للعمادة في معهد الموسيقا العربية (قسم البنات) في طور إنشائه الأول عام 1951م، ثم تولّت إدارة عمادة معهد الموسيقا العربية عام 1962م، ثم عُيّنت عميدة للمعهد بعد أن أصبح تابعاً لوزارة الثقافة، ثم لأكاديمية الفنون لمدة (29) عاماً، وهو الذي تحوّل إلى المعهد العالي للموسيقا العربية.

كما عُيّنت رئيساً للبيت الفني للموسيقا والأوبرا بدرجة وكيل وزارة عام 1980م، ورئيساً للمركز الثقافي القومي (دار الأوبرا) من يونيو 1988م حتى مارس 1990م، وأستاذاً متفرغاً بأكاديمية الفنون (المعهد العالي للموسيقا العربية)، ورئيساً للمجمع العربي للموسيقا التابع لجامعة الدول العربية، وعضواً بالمجالس القومية المتخصصة، ومشرفاً على مركز تنمية المواهب التابع لدار الأوبرا.

ويمكننا القول إن نجاحها المنقطع النظير في الوظائف والمناصب التي تبوّأتها يرجع إلى حزمها وقوة شخصيتها، التي فرضتها على الجميع، لا سيما في مجتمع لم يتفاعل بسهولة مع فكرة وجود المرأة في المناصب القيادية. لقد كانت تُلقّب بـ«الجنرال رتيبة»، وهو اللقب الذي كان منتشراً في كواليس الأوبرا المصرية وفي كل مكان أسهمت في إدارته.

وبسبب هبوط حاد في الدورة الدموية توفيت الدكتورة «رتيبة الحفني» ظهر يوم الثلاثاء الموافق 16 سبتمبر عام 2013م، عن عمر ناهز (82) عاماً قضت معظمه في إثراء الفن المصري والموسيقا الراقية. وقد أعلن المسؤولون بالمركز الإعلامي بدار الأوبرا المصرية آنذاك أن جثمانها سيُشيّع من مسجد دار الأوبرا المصرية تنفيذاً لوصيتها قبل رحيلها. لقد شكّل رحيلها ـ بلا شك ـ صدمة لكل محبي الفن الراقي، وأنذر بخسارة كبيرة لا يسهل تعويضها.

مع بداية مشوارها الفني الثري، وبعد أن ذاع صيتها في الغناء والموسيقا، قام الرئيس الراحل «جمال عبد الناصر» (1918ـ 1970م) بترشيحها لأحد الأدوار الفنية في ذلك الوقت، فغنّت في أوبريت «الأرملة الطروب»، وهو أوبريت من تأليف المؤلف الموسيقي النمساوي المجري «فرانتس ليهار» Franz Lehár (1870–1948م)، أمام الفنان العراقي «كنعان وصفي» (1932–2000م) عام 1961م، وهو أول عمل أوبرالي تُرجم إلى اللغة العربية. كما مثّلت دور البطولة في «أوبرا عايدة» للمؤلف الموسيقي الإيطالي «جوزيبي فيردي» Giuseppe Verdi (1813–1901م) في «باريس».

وقد كان للدكتورة «رتيبة الحفني» إنجازاتها وبصماتها التي لا تُنسى على الموسيقا العربية ودار الأوبرا المصرية؛ فهي التي أنشأت أول كورال للأطفال في مصر عام 1960م، كما أسست «فرقة أم كلثوم» للموسيقا العربية التابعة لأكاديمية الفنون، وكذلك فرقة الإنشاد الديني. وفي دار الأوبرا المصرية أسست الفرقة القومية للموسيقا العربية وكورال الأطفال، وأسهمت أيضًا كخبيرة في إنشاء المعهد العالي للفنون الموسيقية بدولة «الكويت».

ولقد ترأست الدكتورة «رتيبة الحفني» مهرجان الموسيقا العربية منذ عام 1992م، وبمجهوداتها المضنية وصل إلى مصاف المهرجانات العالمية، واستطاعت أن تضيف بعض المسابقات الموسيقية المتخصصة في المقامات وفن الطقطوقة الموسيقية على مدار سنوات رئاستها للمهرجان، كما رصّعت لياليه بنجوم كبار في عالم الطرب، أمثال: «هاني شاكر»، و«علي الحجار»، و«أنغام»، و«غادة رجب» من مصر، و«لطفي بوشناق»، و«ذكرى» من تونس، و«صفوان بهلوان» من سورية، و«فؤاد زبادي» من المغرب، وعازف العود العالمي «نصير شمة» من العراق.

ومن أنشطة الدكتورة «رتيبة الحفني» الفنية إشرافها على إعداد وتقديم برنامج الموسيقا العالمية بالتلفزيون المصري منذ عام 1960م، ثم برنامج عن الموسيقا العربية بالتلفزيون المصري أيضاً لمدة (22) عامًا. كما قامت بإعداد موسيقا تعليمية للأطفال على مدار ثلاثين حلقة تحت اسم «اللحن المفقود»، وإعداد صور غنائية خاصة بأعلام الموسيقا والغناء، أمثال: «محمد القصبجي»، و«سيد درويش» (1892–1923م)، و«سيد مكاوي» (1928ـ1997م)، قُدّمت ضمن فعاليات مهرجان الموسيقا العربية.

أما أهم مؤلفاتها في مجال الموسيقا، فنذكر منها: «محمد عبد الوهاب… حياته وفنه» (1991م)، و«الموسوعة الموسيقية للأطفال» (50 جزءاً) صدرت في مصر ولبنان (1992م)، و«أم كلثوم… معجزة الغناء العربي» (1996م)، و«السلطانة منيرة المهدية والغناء في مصر قبلها وفي زمانها» (2002م)، و«فريد الأطرش وأسمهان» (2004م)، و«محمد القصبجي… الموسيقي العاشق» (2006م).

وقد حصلت الدكتورة «رتيبة الحفني» على «جائزة الدولة التقديرية في الفنون» من المجلس الأعلى للثقافة المصري عام 2004م. كما كرّم مهرجان الموسيقا العربية اسمها في دورته الخامسة والعشرين، التي أُقيمت في الفترة من 31 أكتوبر حتى 13 نوفمبر 2016م، وتسلمت أسرتها جائزة أوسكار المهرجان.

هذا، ويصفها الملحن الشهير الراحل «حلمي بكر» (1937ـ 2024م) بأنها امرأة عظيمة فعلت الكثير من أجل الموسيقا العربية الأصيلة. ويؤكد الفنان «هاني مهنا» أنها لعبت دوراً فاعلاً وعظيماً في الحفاظ على التراث الموسيقي؛ فقد أسست، على سبيل المثال، مهرجان الموسيقا العربية، الذي كان ملتقى الفنانين والموسيقيين المصريين والعرب، وتعرّفنا من خلاله إلى مطربين وموسيقيين وعازفين عرب، منهم: «لطفي بوشناق»، و«كاظم الساهر»، وعازفون مثل «نصير شمّة»، والمايسترو «سليم سحاب».

ويعتبرها الملحن والموسيقار «هاني شنودة» أحد أهم أعمدة الموسيقا في مصر والعالم العربي؛ فقد كان دورها المهم والعظيم رعاية الموهوبين، من خلال تأسيس مراكز لرعايتهم في دار الأوبرا وأكاديمية الفنون، وكانت لديها قدرة فذّة على التمييز بين الحقيقي والمزيّف، وقدّمت الكثير من القامات الفنية الحقيقية.

كاتب وباحث مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى