مسيرة فنانة سورية تبحث عن المعنى في كل لوحة
من دمشق إلى تايوان.. رحلة إبداع صاغتها الألوان والرموز
عمر شريقي
تتميّز الفنانة السورية صبا رزوق بأسلوب تعبيري معاصر يمزج بين الحنين والتمرد، حيث تستلهم أعمالها من التراث السوري وهوية بلادها العريقة، ولكنها تُعيد صياغته بلغة بصرية حديثة تنفتح على تجربتها في العيش خارج وطنها، متناولة مواضيع الهوية، الاغتراب، والمرأة، لتُجسّدها عبر استخدام الألوان الجريئة ورموز مستمدة من الذاكرة الجمعية.
في عوالم الفن التشكيلي، يبرز اسم الفنانة التشكيلية السورية صبا رزوق كصوتٍ مختلفٍ يجمع بين العمق الأكاديمي والرؤية الجمالية المبتكرة، فهي تحمل ماجستيراً في هندسة النسيج والتصميم من جامعة تايوان للتكنولوجيا بالصين، وبكالوريوس في الرسم الزيتي من جامعة دمشق للفنون الجميلة، إلى جانب دبلومات ودورات متخصصة أغنت تجربتها الإبداعية.
هوية فنية تتجلى فناً
رحلتها الفنية امتدت عبر معارض فردية وجماعية، قدّمت فيها لوحات تحمل بصمتها الخاصة، الممزوجة بالحس الشرقي والبعد الإنساني، لتفتح أمام المتلقي نوافذ جديدة على الجمال والفكر. في هذا الحوار، نقترب من عالمها الفني، ونكتشف معاً أسرار الألوان والرموز التي توشّح لوحاتها، ونستمع إلى آرائها حول الفن، ومسيرتها، وأحلامها القادمة.
قالت صبا رزوق في حديثها لـ “المزمار العربي”: “تعاملت مبكراً مع الورقة كمساحة بحث، ومع اللون كأداة معرفة وتعبير، فالموهبة قادتني لأكتشف ذاتي وقدراتي، اللحظة الفاصلة جاءت خلال سنوات الدراسة الأولى في كلية الفنون الجميلة بدمشق حين لمست أن ما أبحث عنه ليس عملاً جميلاً بل ‘سؤالاً بصرياً’ عندها أدركت أن الفن لن يكون هواية ولا مهنة فقط، بل مساراً وجودياً”.
الفن ليس مجرد وسيلة إبداعية، بل علاج للروح يعيد للإنسان توازنه، ويمنحه لغة آمنة للتفريغ والتصالح مع ذاته صبا رزوق: الفن ليس مجرد وسيلة إبداعية، بل علاج للروح يعيد للإنسان توازنه، ويمنحه لغة آمنة للتفريغ والتصالح مع ذاته.
وحول سؤال ما الذي دفعها لاختيار دراسة الرسم الزيتي أولاً ثم التعمق في هندسة النسيج والتصميم، وكيف أثر التكوين الأكاديمي بين دمشق وتايوان على أسلوبها الفني قالت: “اخترتُ الرسم الزيتي لأنه يجعلني المتحكم الوحيد في مسار اللوحة: بداية في التكوين، واختيار الموضوع والعناصر، إلى التعبير باللون وفهم الذات. ثم ذهبتُ إلى هندسة النسيج والتصميم بدافع التعرف على ثقافة الصين الغنية والعريقة وتوسيع أدواتي المعرفية؛ بحيث كان بحثي يدور حول الأزياء التقليدية والأقمشة المستخدمة في سوريا والصين وابتكار تصاميم للأزياء تعكس دمج هذه الثقافات وتأثرها ببعض”.
وتابعت: “دمشق منحتني تأسيساً صارماً في الرسم، التشريح، المنظور، وثقافة اللون، مع حسّ تعبيري يعطي قيمة للأثر الإنساني قبل الصياغة الشكلية، تايوان قدّمت لي منظاراً بحثياً وتجريبياً، إضافة إلى فهم الفن والثقافة المتنوعة في الصين جعلتني أكثر صلة بالرموز الثقافية وفهما لقيمتها، ليتشكل لديّ لغة تمزج الانضباط الأكاديمي بالانفتاح التجريبي فكلاهما يحمل حضارات”.
وعن بصمتها الخاصة في اللوحة، وأبرز المدارس أو التيارات الفنية التي أثرت في تجربتها الفنية قالت: “أعمل على توازنٍ بين الواقعية التعبيرية والتطوير في أسلوبي الفني، كمحاولة دائمة في البحث الفني. مؤخراً قمت باستخدام الخط العربي، حيث يصبح الخط بنيةً ومعنىً معاً، ويتحول حضور الخط العربي كهيكل مركزي لا كزخرفة. تأثرت في المدارس الواقعية والتعبيرية لصدقها العاطفي، واستفدت من المفاهيمية التي ترفع قيمة الفكرة إلى جوار الصياغة. كما تأثرت بالحروفيّة العربية كمدرسة أعادت للاسم/الكلمة طاقتها البصرية، كما أثّر فيّ الإرث الشرقي في التعامل مع الفراغ والسكينة. لا أنتمي حرفياً لتيارٍ بعينه؛ أفضّل تحويل التأثير إلى منظومة عمل شخصية فأنا فنانة أمتص كل هذه الأساليب لأقوم بصياغتها بطريقتي وهدفي تطوير ذاتي وعملي الفني”.
ولدى سؤالنا إلى أي مدى تحضر البيئة السورية والعربية في لوحاتها حتى وهي تعرضها في اليابان أو الصين أجابت: “الهوية ليست قيمة أضيفها؛ هي بنية التفكير نفسها. تظهر في لغتي الخطية، وفي موضوعات العدالة والتأقلم التي مست كل شخص إلى استخدام الرموز وتأثري في الخيول العربية الأصيلة مؤخراً مما دفعني لرسم لوحة تجمع بين الخيل والحروفيات. حتى حين أعرض في اليابان أو الصين، أمثل هويتي وثقافتي العربية، فأول شيء تعلمته في الصين واليابان هو تمسكهم ومحافظتهم على ثقافتهم وتقاليدهم الحاضرة بقوة حتى الآن في كل المجالات”.
إبداع يعالج الروح
وحول جائزة التميّز والميدالية الذهبية في متحف طوكيو للفنون قالت: “هذا الاعتراف لا أقرأه كأوسمة، بل كمسؤولية معيارية، عملُك خضع لعين تحكيمية صارمة ومتعددة الثقافات وخرج مُقنعا، الأهم أنه وضعني في حوارٍ متكافئ مع جمهورٍ عالمي يرى العمل قبل جواز السفر، ويطالبك أن تذهب أبعد في بحثك”.
وعن لوحة “القُسطاط”، ولوحة “حق”، وسؤالنا ما الذي ألهمها فيهما حتى حققتا هذا الصدى، وكيف ترى دور المشاركة في المعارض الدولية في تكوين مكانة الفنان العربي عالمياً؟ أجابت: “لوحتا القُسطاط وحق تنطلقان من موضوع واحد هو البحث عن العدالة الاجتماعية، في زمن مثقل بالحروب والكوارث. أؤمن كفنانة أن دوري لا يقتصر على إنتاج الجمال، بل أن أُضيء على القضايا التي تؤثر في مجتمعي سلباً أو إيجاباً”.
وأضافت: “هاتان اللوحتان تُوّجتا بجوائز تميّز وميداليات ذهبية وتم عرضهما بأهم متحف فني في اليابان، هو متحف طوكيو ميتروبولتيان للفنون، وجاءتا ضمن سلسلة فنية بدأت مع لوحتي ‘التأقلم’ التي نالت الجائزة الأولى في معرض دوليفي الصين، ثم لوحة ‘التطفل’ التي حصلت من خلالها على جائزة السلام الدولية في اليابان، والتي عرضت أيضا في متحف ميتروبولتيان للفنون، وهذه السلسلة تمثل مساري الفني القائم على مواجهة الأسئلة الإنسانية الكبرى عبر اللون والخط والتكوين.”
وتابعت: “أرى أن المشاركة في المعارض الدولية ليست مجرد حضور شكلي، بل هي منصة اختبار حقيقية؛ فالعمل الفني حين يوضع إلى جانب أعمال من ثقافات وأفكار وتقنيات مختلفة، يُخضعك لمعيار صارم ويجبرك على تقديم الأفضل في كل مرة، هذه المشاركات تمنح الفنان فرصة لإعادة تقييم أدواته وتطوير لغته البصرية باستمرار، أما من حيث المكانة، فأؤمن أن الفن رسالة، وكلما انتشرت هذه الرسالة على نطاق أوسع، كلما ترسّخت هوية الفنان ووصل صوته إلى مساحات جديدة من العالم.”
أما عن تجربتها كمحاضرة في كلية الهندسة المعمارية والفنون الجميلة بسوريا، وكيف أثرت هذه التجربة في مسارها الفني؟ وما الذي دفعها للحصول على دبلوم العلاج بالفن؟ أجابت: “كانت محطة غنية بالخبرة الأكاديمية والعملية، لقد أجبرتني على إعادة تفكيك بديهياتي الفنية: لماذا هذا الخط هنا؟ ما وظيفة الظل؟ وكيف تُبنى الحجة البصرية داخل اللوحة؟ هذا جعلني أتعامل مع المنهجية التعليمية بدقة أكبر، وأقدّر المسار والعملية الإبداعية لا النتيجة النهائية فقط. أما الاحتكاك اليومي مع طلبة العمارة فقد وسّع رؤيتي للوحة، فلم أعد أتعامل معها كواجهة جمالية وحسب، بل كبنية متكاملة لها منطقها الداخلي مثل المبنى تماما”.
وأوضحت: “اخترتُ التخصص في العلاج بالفن لإيماني العميق بأن الفن قادر على التعبير عمّا تعجز الكلمات عن قوله. فالخطوط والألوان تحمل في علم النفس دلالات تكشف الكثير من خبايا الروح، وتفتح أبواباً لفهم الإنسان بطريقة صادقة وغير مباشرة. بالنسبة إليّ، الفن ليس مجرد وسيلة إبداعية، بل علاج للروح يعيد للإنسان توازنه، ويمنحه لغة آمنة للتفريغ والتصالح مع ذاته”.
رحلة فن متجددة
سألناها هل الجمهور العربي يقدّر الفن التشكيلي بالقدر الكافي مقارنة بالجمهور الآسيوي والأوروبي؟ وما هي اللوحة الأقرب إلى قلبها؟ ولماذا؟ فقالت: “ثمة تحوّل إيجابي ملحوظ، ولكن نضع في عين الاعتبار الحروب التي عاشتها منطقة الشرق الأوسط وهذا برأيي يحول الاهتمام عن الفن نوعاً ما، لكننا ما نزال بحاجة إلى مزيد من التعليم البصري والنقد الفني. حين تُبنى ذائقة عامة ترافقها مؤسسات اقتناء جادّة، يصبح التقدير ثقافة لا موسماً”.
وأضافت: “كل لوحة هي الأقرب إلى قلبي، لأنها ليست مجرد عمل فني بل رسالة وتجربة زمنية احتلت مساحة من تفكيري ووجداني، وأجبرتني على التعبير عنها بكل جوارحي. لا أستطيع أن أضع لوحة فوق أخرى، لكن يمكنني أن أميز بينها من حيث التقنية؛ فكل عمل جديد بالنسبة لي هو بحث مفتوح وتجربة مختلفة، أضع فيها جزءاً من ذاتي وأعتبرها خطوة إضافية في مساري الفني”.
إذا تتجلى لنا شخصية الفنانة صبا رزوق كمرآة للفن الذي تؤمن به؛ فنٌّ ينطلق من الجذور ليحاور العالم بلغة الجمال والإنسانية، مسيرتها الحافلة بالبحث والإبداع تؤكد أن اللوحة بالنسبة لها ليست مجرد ألوان على قماش، بل رسالة وامتداد لروح تبحث عن المعنى.
ومع كل تجربة جديدة، تواصل صبا رسم ملامح مشروعها الفني الخاص، لتبقى لوحاتها شاهدة على رحلة لا تعرف التوقف، رحلة تصنع من الفن حياة، ومن الحياة فنّاً.

