Site icon المزمار الجديد

صلاح قابيل الشرير الأنيق في الدراما والسينما

مسيرة فنية ثرية جعلت اسمه حاضراً في ذاكرة الفن المصري والعربي

ممثل ما زالت ذكراه مستمرة

المزمار العربي

في كل مرة يعود فيها الحديث عن الفنان الراحل صلاح قابيل، يعود معه جزء من الذاكرة الجمعية للمصريين؛ ذاكرة تختلط فيها ملامح الشر النبيل، والهيبة الهادئة، وعمق الشخصية التي لا تُنسى مهما مرّت السنوات. ومع حلول ذكرى رحيله مع بداية ديسمبر الماضي، بدا وكأن الزمن يتوقف قليلاً ليمنح هذا الفنان المحترف حقه من التأمّل؛ ففي زمن تتبدل فيه الوجوه سريعاً، يبقى صلاح قابيل أحد أولئك الذين تركوا بصمتهم واضحة لا يطالها النسيان.

ولد محمد صلاح الدين أحمد إبراهيم قابيل في 27 يونيو عام 1931 في قرية العزيزية بمحافظة الشرقية، في بيئة ريفية بسيطة تحمل الكثير من الدفء والصلابة. كان الثاني بين أشقائه، لكنه لم يكمل طفولته بين أحضان الأسرة كاملة؛ إذ رحلت والدته وهو في الثامنة، لتترك في قلبه فراغاً مبكراً هو ذاته الذي ستتسلل منه حساسية فنية حادّة فيما بعد. ربما كان ذلك الفقد المبكر هو ما صقل داخله قدرة استثنائية على تجسيد الانفعالات الإنسانية المركّبة: الحيرة، القسوة، الحزن المختبئ خلف صلابة الملامح.

الراحل صلاح قابيل

انتقلت الأسرة إلى القاهرة، وهناك بدأت معالم شخصيته الفنية الأولى تتشكل. في المدرسة الخديوية، وقف الفتى على خشبة المسرح المدرسي، فاكتشف في تلك اللحظة مساحة خاصة به، ونافذة يرى من خلالها العالم بزاوية مختلفة. ورغم التحاقه بكلية الحقوق، بقيت الروح معلقة بالمسرح، وكأن الفن كان قدره المحتوم لا مفرَّ منه. وبعد ثلاث سنوات من دراسة القانون، واصل نشاطه المسرحي بكل الشغف، قبل أن يدرك أن طريقه لا يمكن أن يتجه إلا نحو التمثيل، خاصة بعد وفاة والده التي كانت محطة أخرى من محطات إعادة التشكّل الداخلي. التحق بمعهد التمثيل، ثم بمعهد الفنون المسرحية، ليبدأ رحلة كانت ستترك أثراً لا يُمحى.

منذ انضمامه إلى فرقة مسرح التلفزيون المصري، بدا واضحاً أن لدينا ممثلاً مختلفاً؛ ممثلاً يقف على الخشبة كمن يقف على أرض يعرف تفاصيلها منذ زمن بعيد. قدم “الأرض” للمرة الأولى، ثم سار في سلسلة من الأعمال المسرحية المهمة التي صقلت موهبته ورسّخت حضوره: “اللص والكلاب”، “شيء في صدري”، “ثورة قرية”، “ليلة عاصفة جداً”. لم تكن هذه الأعمال مجرد أدوار عابرة، بل كانت نوافذ جديدة تطل منها روحه على ملامح المجتمع وتحولاته.

وفي السينما، بدأ قابيل رحلته مع فيلم “زقاق المدق” عام 1963، ثم فتح الباب الذي سيمتد خلاله إلى 72 فيلماً كاملاً، تتنوع فيها الشخصيات بين الشرير المتسلط، الرجل الغامض، والمسؤول الفاسد، لكنها لا تخلو من حضور إنساني خفي يُشعر المشاهد بأن خلف الملامح الصارمة قلباً يختبر الحياة بعمق. أفلامه الخالدة مثل “بين القصرين”، “أغنية على الممر”، “ليلة القبض على فاطمة”، “البرئ”، و”الراقصة والسياسي” لم تكن مجرد نجاحات سينمائية، بل كانت مرآة لطبقات المجتمع وقضاياه، وقدرتها على استيعاب تناقضاته.

خمسة من أفلامه دخلت قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية: “بين القصرين”، “الجبل”، “أغنية على الممر”، “العصفور”، و”البرئ”. ليس لأن صلاح قابيل كان مجرد عنصر فني ضمنها، بل لأنه كان جزءاً من روح تلك الأفلام، من بنيتها النفسية والاجتماعية. كان يحول كل مشهد إلى مساحة للتأمل في الإنسان حين يواجه ضعفه أو سلطته أو أقداره.

أما في الدراما التلفزيونية، فقد كان حضوره أكثر رسوخاً لدى الجمهور. فقدّم شخصيات ما زالت محفورة في الذاكرة، أبرزها “عثمان هدهد” في “ليالي الحلمية”؛ تلك الشخصية التي امتزج فيها الذكاء بالمكر، والهدوء بالحدة، في توليفة جعلت الجمهور يحبّه ويخاف منه في آن واحد. كما شارك في “دموع في عيون وقحة”، “الحرافيش”، و”الفرسان”. وكانت وفاته أثناء تصوير الجزء الخامس من “ليالي الحلمية” كأنها خروج حقيقي من أحد شخوص المسلسل، وكأن الحياة قررت أن تسدل الستار في منتصف الحدث.

وفي الإذاعة، كان لقابيل حضور راسخ أيضاً. فصوته القادر على حمل الانفعال بعمق جعل “تفيدة والصياد”، “جريمة في الإكسبريس”، “جراح عميقة”، “الصفقة”، “أوعى المصيدة”، و”أمل الأحرار” أعمالاً تُسمع لا لأنها مسلسلات إذاعية، بل لأنها طاقة تمثيلية خالصة.

النقاد وصفوه بأنه أحد عمالقة الأدوار المساعدة، لكنه في الحقيقة تجاوز هذا التصنيف الضيق. فقد كان “الجوكر” الذي يستطيع أن يتلبّس أي شخصية، من ابن البلد الشهم إلى الفتوة القوي، ومن رجل الشر المتسلط إلى الموظف البسيط. كان ممثلاً ينبثق من بين السطور، لا يحتاج إلى صراخ أو استعراض. كان يؤمن أن التعبير الصادق يبدأ من الداخل: من العيون، من نبض الجسد، من الأفكار التي تعيش مع الشخصية قبل أن تنطق بكلمة واحدة

كان حضوره الهادئ جزءاً من قوته. لم يكن يستعرض عضلاته التمثيلية، بل كان يترك الدور ينمو بهدوء داخله، ثم يقدمه إلى الجمهور ككائن حيّ. نظرته وحدها كانت قادرة على نقل المشاهد من الطيبة إلى الشر، من التسامح إلى الانتقام، من الصمت إلى الانفجار.

في حياته الخاصة، كان رجلاً هادئاً، أقرب إلى النمط الذي لا يحب الأضواء خارج العمل. تزوج عام 1961، وأنجب أربعة أبناء، وعاش حياة مستقرة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها محملة بما يكفي من التجارب والخبرات التي تُصقل فنانًا من نوع خاص.

رحل صلاح قابيل في 3 ديسمبر 1992 إثر نزيف مفاجئ في المخ، عن عمر ناهز 61 عاماً. وقد ترك وراءه إرثاً فنياً لا يزال حياً، ليس فقط في الأفلام والمسلسلات والمسرحيات التي قدمها، بل في الطريقة التي كان يرى بها العالم ويجسد بها الإنسان. إرثاً يقول إن الفن ليس تمثيلاً وحسب، بل محاولة لفهم البشر: نقاط قوتهم، هشاشتهم، لحظاتهم التي تضيء ثم تنطفئ.

لقد كان صلاح قابيل ممثلاً لا يمكنك أن تسمّيه شريراً تماماً، ولا طيباً تماماً؛ لأنه كان يقدّم الإنسان كما هو: معقداً، متناقضاً، صادقاً، مخطئاً، ومليئاً بما يجعل الحياة أكثر قابلية للفهم. ومن هنا، تبقى ذكراه مستمرة… لأنها ليست مجرد ذكرى فنان، بل ذكرى إنسان عاش الحياة بكل أدوارها.

Exit mobile version