Site icon المزمار العربي

(صيف سويسري) تشريح الوجع العراقي في مختبرات بازل

إنعام كجه جي

عايدة جاويش

لا تتوقف الروائية العراقية إنعام كجه جي عن استدعاء العراق في كل أعمالها السردية، مهما ابتعدت جغرافيا. فمنذ مغادرتها البلاد في أواخر السبعينيات، وهي تحمل وطنها معها، وتعيده إلى الواجهة عبر الكتابة، بوصفها أداة للمساءلة والوفاء في آن. روايتها الأخيرة “صيف سويسري” (منشورات تكوين/ الرافدين، 2024) مثال حيّ على ذلك: على الرغم من أن أحداثها تجري في مدينة بازل السويسرية، عاصمة صناعة الدواء في العالم، فإن جوهرها عراقي بامتياز، إذ تنقّب في ذاكرة مثقلة بالاستبداد الحزبي، والنزاعات المذهبية، والشتات و الاغتراب.

تفتتح إنعام كجه جي روايتها “صيف سويسري” بصوتين أحدهما من الشرق و الثاني من الغرب، الأول لليوناني نيكوس كازنتزاكيس: “يمكنك أن تطرق باب رجل أصم إلى الأبد”، والثاني للشاعر الهندي طاغور: “إذا سددت الباب في وجه كل الأخطاء فستبقى الحقيقة في الخارج”. ليست هذه العبارات مجرد زينة افتتاحية للرواية، بل مفاتيح لقراءة النص، فالكاتبة تصر على طرق الأبواب المغلقة في الذاكرة العراقية، وعلى مساءلة التاريخ مهما طال الصمت أو تراكمت الأخطاء. فكجه جي تدعو قارئها، منذ الصفحات الأولى، إلى مواجهة الحقيقة بلا مواربة، وإلى البحث في جذور الخراب الذي أوصل العراق إلى ما هو عليه اليوم، عبر سبر معاناة شخصيات مثقلة بماضيها، في محاولة لفتح كُوّة نحو الفهم وربما، ولو رمزياً، نحو الشفاء.

سويسرا..  مرآة لجحيم الرافدين

تقوم الرواية على فكرة مبتكرة، أربعة لاجئين عراقيين تتم دعوتهم من قبل دائرة رعاية المهاجرين لقضاء إجازة علاجية مجانية في سويسرا. الغاية من الدعوة مزدوجة: من جهة، الخوف من عدم اندماجهم في المجتمع المضيف نتيجة تعصّبهم الديني أو الأيديولوجي؛ ومن جهة أخرى، إخضاعهم لتجربة عقار جديد للذاكرة يُفترض أن يعالج الانتماء الأعمى ويحررهم من الإدمان العقائدي “سيقومون بحذف الذكريات المؤلمة من الرؤوس”. في هذا المختبر الرمزي، تصبح سويسرا فضاءً لمراجعة الماضي العراقي، حيث تمتزج الكبسولات الملوّنة بجلسات البوح، في محاولة لتقشير عقول متيبسة حملت معها أوهام العقائد إلى المنافي.

غلاف رواية “صيف سويسري”

بهذه الطريقة استطاعت الكاتبة أن تطرح قضايا الشتات والعراقيين في الخارج، وتنتقد تاريخ الأحزاب السياسية والاختلافات المذهبية والأيدولوجية، التي أدت إلى خصومات بين العراقيين

ترى الكاتبة أن هذه الصراعات نواة كل الخراب والدمار في العراق وفي أوطاننا جميعا.

أربع حيوات.. شظايا وطن واحد

تستعرض كجه جي حيوات أربع شخصيات تمثل كل واحدة منها شريحة من المأساة العراقية:

حاتم الحاتمي: ضابط في الأمن التابع للحكومة الحاكمة، ملقّب بـ”سور الصين”، عاش حياته في خدمة الحزب القائد، مطارداً العناصر الهدامة ومراقباً الجماعات الدينية.

سكن الخوف والقلق قلبه فهو يعرف بكل الوشايات والانقلابات في صفوف حزبه وسهولة القتل والتصفية تجاه المنتسبين له وخصوصا بعد أن شارك في تصفية صديق عمره. لكنه في النهاية يهرب بعد أن وجد نفسه مهدداً بالقتل على يد رفاقه.

في بازل يواجه “داء التقيؤ الحزبي” محاولاً التخلّص من ذاكرة مثقلة بالخيانة والعنف.

بشيرة حسون: يسارية عاشت أقسى أشكال الاضطهاد. اعتُقلت وتعرضت للتعذيب والاغتصاب، وكانت ابنتها “سندس” ثمرة هذه المحنة. عاشت حياتها ممزقة بين بيروت ودمشق وعدن، دبّر لها الحزب زواجاً لسترها. علاقتها بحاتم تظلّ محكومة بهويتهم العراقية: هو الجار الذي رآها معصوبة العينين في التحقيق وساعدها وأعادها إلى أهلها، وهي الضحية التي تعرف عليه بعد سنوات طويلة في سويسرا بسبب لكنته العراقية الجنوبية. في لقائهما، يتقاطع الحب الصامت مع الصراع الأيديولوجي.

غزوان البابلي: ابن بيئة مذهبية متعصبة، قضى سنوات في المعتقلات، وخرج ساخطاً على الجميع. في الرواية، روحه المرحة حاضرة من أول الرواية، كان أول المتأثرين بالكبسولات الدوائية، مع أنه يبدو أقل حضوراً من حاتم وبشيرة، ربما لأن أثر الحزبية والطائفية أكثر وضوحاً في تجارب هذين الأخيرين. لكنه، بدوره، ضحية أخرى للتاريخ العراقي الذي جعل المذهب سيفاً مسلطاً على أعناق الجميع.

دلالة: الوجه الأكثر إيلاماً، إذ جمعت في حياتها كل آثار الخراب: الحروب، الحصار، الغزو الأميركي، وانعدام الأمان. في النهاية اعتنقت ديانة “شهود يهوه” بطريقة هستيرية أفقدتها عائلتها. شخصيتها تمثل اليأس من الوطن، والرغبة في القطيعة الكاملة معه عبر تبنّي عقيدة جديدة غريبة.

ومع هذه الشخصيات، يظهر بلاسم، الشاب العراقي القادم من مانشستر، للإشراف على التجربة. ينظر إليهم من مسافة جيلية، ساخراً من عقائدهم الثقيلة التي يراها خزعبلات، لكنه يشارك في تقشير ذاكرتهم، طبقة بعد أخرى.

واحدة من أجمل التقنيات السردية في الرواية هي الفانتازيا التاريخية التي تجسدت في “مقهى الوفاق”. هناك تجمع الكاتبة بين شخصيات سياسية عراقية من أزمنة متباعدة: نوري السعيد، عبد الكريم قاسم، صدام حسين، والملك غازي. تخيّل القارئ حواراً بين هؤلاء، وكأنهم قادرون على تجاوز عداواتهم. المشهد نفسه يعود في النهاية تحت اسم “مقهى الشقاق”، حيث ينهار الاحتمال التوافقي ويعود العداء إلى موقعه الطبيعي. مؤكداً أن انسداد الأفق العراقي ليس قدراً فحسب، بل هو نتيجة لعداء متجذر يأبى التلاشي.

الوطن جحيم والغربة أم

لا تغيب المقارنة بين نظام ونظافة سويسرا وبين الفوضى التي خلفها اللاجئون وراءهم، لكن الكاتبة بذكائها المعهود لا تمنح سويسرا “صك براءة” مطلقاً.

  ففي بازل تمت الصفقة الأولى لبيع فلسطين لليهود، وفي مصارفها تتكدس أموال الطغاة والمهربين بعيداً عن القوانين الدولية. بهذا التذكير، تجنب الكاتبة الرواية من الوقوع في فخ المثالية، وتبقي المقارنة مفتوحة على تعقيداتها.

“صيف سويسري”  صرخة سردية ضد الأيديولوجيات التي أحرقت العراق.

فيها تؤكد إنعام كجه جي أنَّ الكبسولات الملونة لن تمحو الخراب، وأن “المختبر” الحقيقي الذي يحتاجه العراقيون ليس في بازل، بل في مواجهة شجاعة مع ذواتهم وتاريخهم.

“صيف سويسري” رواية عن العراق بامتياز، وإن جرت أحداثها في سويسرا. فيها تمزج إنعام كجه جي بين الواقعية والفانتازيا، وبين السيرة الفردية والجماعية، لتقدّم نصاً يتأرجح بين مرارة الماضي وثقل الحاضر وسوداوية المستقبل.

Exit mobile version