عبد الكريم البليخ
عن دار «توتول» للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق، صدرت حديثاً رواية «ذاكرة مقهورة» للروائي السوري ابن مدينة الرّقة عمر الحمود، في عملٍ جديد يقع في 152 صفحة من القطع الأوروبي المتوسط، ويحمل على غلافه لمسة تشكيلية معبّرة للفنان محمد الحريري، جاءت منسجمة مع المناخ النفسي والوجداني الذي تنسجه الرواية، وكأن الغلاف نفسه يشارك النص حزنه وتأملاته وأسئلته المؤجلة.
ويأتي هذا الإصدار ليؤكد حضور عمر الحمود كأحد الأصوات السردية التي اختارت أن تنحاز إلى الإنسان، لا بوصفه بطلاً خارقاً، بل كائناً هشّاً مثقلاً بالخوف والحنين والخذلان. فمن يقرأ أعماله يشعر أن الكاتب لا يروي الحكايات بقدر ما ينقّب في طبقات الوجع الإنساني، ويعيد ترتيب الفوضى الداخلية التي خلّفتها الحروب والتحولات والانكسارات في أرواح الناس.
في «ذاكرة مقهورة» لا تبدو الكتابة مجرد فعلٍ جمالي أو تمرينٍ لغوي، بل محاولة شاقة لإنقاذ ما تبقّى من الذاكرة السورية، وخصوصاً ذاكرة مدينة الرّقة التي عاشت سنوات ثقيلة من التمزق والغياب. هنا يتحول المكان إلى كائن حيّ يتنفس ويتألم ويشيخ، وتتحول الشوارع والبيوت والوجوه إلى شظايا ذاكرة تحاول أن تنجو من النسيان. فالرواية لا تستعيد الجغرافيا فقط، بل تستعيد الإنسان الذي ضاع وسط الخراب، والروح التي أنهكتها الخسارات المتتالية.
ويمتلك عمر الحمود حساسية عالية في التقاط التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها تختزن المعنى الحقيقي للحياة الإنسانية. فهو يكتب عن الصمت الذي يسكن البيوت بعد الغياب، وعن الخوف الذي يرافق الإنسان حتى في لحظات نجاته، وعن الحنين بوصفه وطناً داخلياً لا يستطيع أحد مصادرته. ومن خلال هذه التفاصيل، ينجح في بناء عالم سردي قريب من القارئ، يجعله يشعر أن الحكاية تخصه هو أيضاً، وأن الألم المكتوب في الرواية ليس بعيداً عن ذاكرته الشخصية.
الروائي عمر الحمود
ولا تتجلّى قيمة عمر الحمود في موهبته الروائية وحدها، بل في حضوره الإنساني كذلك. فهو من الكتّاب الذين يتركون أثراً طيباً في نفوس من يعرفهم، بما يمتلكه من تواضع ودماثة أخلاق وصدق في التعامل، وهي صفات تمنح تجربته الأدبية بعداً أكثر دفئاً وقرباً من الناس.
تبدو «ذاكرة مقهورة» في جوهرها احتجاجاً أدبياً هادئاً ضد محو الذاكرة الجمعية، ومحاولة لإعادة الاعتبار للحكايات الصغيرة التي صنعت حياة الناس وأحلامهم وآلامهم. إنها رواية لا تكتفي بسرد الألم، بل تسعى إلى حماية المعنى الإنساني من التآكل، وإلى التذكير بأن المدن، مهما تعبت، تبقى حيّة في ذاكرة أبنائها.
كل الأمنيات للروائي عمر الحمود بمزيد من التألق والنجاح، ولروايته «ذاكرة مقهورة» أن تجد مكانها الذي تستحقه في وجدان القرّاء ومحبي الأدب.
رواية “ذاكرة مقهورة”

