ذاكرة تحترق ولا تموت.. شهادة الأدب على الحرب
عمر شهريار
في روايته «عمى الذاكرة»، الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية، يقدّم الكاتب اليمني حميد الرقيمي مرثية إنسانية موجعة لإنسانٍ سُلب ماضيه وذاكرته، بعد أن التهمت الحرب كل ما يمتّ إلى الحياة بصلة. إنها رواية عن ذاكرةٍ مصابة بالعمى، وعن وطنٍ يتيه بين الأنقاض، وعن بشرٍ يبحثون عن معنى وجودهم وسط ضجيج الفقد والرصاص.
الرواية، الصادرة عن دار جدل، تسرد حكاية «بدر»، الطفل الذي فقد أسرته في حربٍ لم يعرف أسبابها ولا أطرافها. وحده ينجو من بين الركام، ليحمله شيخ عجوز إلى قرية بعيدة، مانحاً إيّاه اسماً جديداً وهويّة مصطنعة. يكبر بدر وهو «يحيى» آخر، لا يعرف من هو ولا من أين أتى، إلى أن يكشف له الجد قبيل موته الحقيقة، فتعود الذاكرة لتنكأ الجرح الأول، وتبدأ رحلة البحث عن الذات في وطنٍ لم يعد يعرف ملامحه.
في صنعاء، يحاول أن يصنع حياة جديدة، يدرس القانون، يقع في حب «يافا»، ويستعيد شيئاً من معنى الأمان، لكن الحرب تعود لتنهش ما تبقّى من قلبه، وتحوّله مرة أخرى إلى شاهدٍ على موت الأحبّة. لا يختار الحرب، لكنها تختاره في كل مرة، وكأن قدره أن يعيش ليرى الآخرين يموتون.
الكاتب اليمني حميد الرقيمي الفائز بجائزة كتارا 2025
من اليمن إلى عدن، فالقاهرة، فالسودان، فالصحراء الليبية وصولاً إلى شواطئ إيطاليا، تمضي رحلة البطل هرباً من جحيم الحرب نحو سراب النجاة. إنها رحلة لاجئ يبحث عن وطنٍ مفقود لا في الجغرافيا بل في الذاكرة. يلتقي في طريقه بشبابٍ مثله، تجمعهم الرغبة في الخلاص، لكن الموت يلاحقهم على اليابسة وفي البحر. وحده ينجو مجدداً، ليبكي بين يدي طبيبةٍ نفسية كل ما تبقّى منه، وليولد من رماده باسمٍ جديد، كأن الحياة لا تمنحه سوى فرصة واحدة: أن يكون شاهداً.
رواية عمى الذاكرة
الرقيمي يكتب بلغةٍ مشبعة بالشعر، تجعل من المأساة نشيداً إنسانياً. فبرغم الدماء والدمار، لا تخلو الرواية من لحظات جمالٍ تصنعها الطبيعة التي يحتمي بها البطل، ومن مرافئ حنوّ تظهر في شخصياتٍ تمدّ له يد النجاة كلما أوشك أن يغرق. الطبيعة هنا ليست خلفيةً للأحداث، بل رفيقة دربٍ ومرآةٌ لروحه الممزقة.
عنوان الرواية، «عمى الذاكرة»، ليس مجرد استعارة بل مفتاحٌ لفهم العمل كله. فالعمى هنا هو فقدان القدرة على التذكّر، على تعريف الذات، على التمييز بين الحياة والموت. وكأن الحرب لا تكتفي بقتل الأجساد، بل تقتل المعنى نفسه.
من اللافت أن الرقيمي يبدأ روايته بإهداءٍ طويل إلى ضحايا الحرب والمنفيين والمفقودين في الصحارى والبحار، ويصفها بأنها «سيرة أبطال، ومرافعة في وجه الظلم». إنها ليست سيرة فرد، بل سيرة أمةٍ تبحث عن خلاصها وسط الركام.
ورغم أنّ السرد يأتي بضمير المتكلم، فإن الكاتب يكسر الحاجز بينه وبين القارئ في مقاطع مؤثرة يخاطبه فيها مباشرة:
«لعلك قرأت كثيراً من المآسي… لكنني غير قادر على أن أرسم مشهداً واحداً لا أجد فيه جثة مرمية في العراء».
بهذا الصوت الصادق، لا يتحدث البطل فقط، بل يتحدث جيلٌ كامل شهد بلاده تمزّق، وشهد ذاكرته تُسلب منه.
إن «عمى الذاكرة» ليست مجرد رواية عن الحرب اليمنية، بل عن الإنسان أينما كان حين تفقد الحياة معناها، وحين يصبح الخلاص نفسه معركةً خاسرة. ومن رماد هذه الخسارات، يكتب حميد الرقيمي سيرةً تليق بالوجع الإنساني، وتستحق أن تتوّج بجائزةٍ أدبية كبرى.

