Site icon المزمار الجديد

عن العطاء الذي يبتلع صاحبه

د. آمال بو حرب

في منظومة القيم الإنسانية يُعَدُّ العطاء إحدى أرفع الفضائل، إذ يُرمز إليه بوصفه ذروة المحبّة وغاية الكرم، فيتحول إلى مقياس للنبل والسمو الأخلاقي، ودليلاً على صفاء الضمير وعلو النفس. غير أن لهذه الفضيلة وجهاً آخر خفياً يتشكل حين تنفلت طاقتها من حدود التوازن، فيغدو العطاء مفرطاً، أحاديَّ الاتجاه، غيرَ مقابل باعتراف أو تقدير أو مبادلة. عند هذه النقطة يتبدل المعنى من فعل حب إلى حقل صامت للاستنزاف الداخلي؛ استنزاف للروح، وللوقت، وللعاطفة، ولإحساس الإنسان بوجوده الخاص وحدوده.

يبدأ الأمر غالباً بلحظة رضا داخلي، شعور نقي بأن المرء قد قام بفعل الصواب، وأن قلبه ما زال قادراً على المنح والتضحية، فيتغذى الأنا الأخلاقي على صورة ذاته المعطاءة. لكن هذا الشعور يَخفت حين يتكرر العطاء في غياب التقدير، فينقلب الحافز من خيار حر إلى واجب ثقيل، ثم يتحول الواجب إلى عبء نفسي يلتهم المعطي ببطء. شيئاً فشيئاً يغدو العطاء أشبه بضريبة عاطفية يدفع ثمنها بلا نقاش، فيتآكل الداخل، ويولد شعور صامت بالمرارة لا يجد صاحبه كلمات واضحة لوصفه. هنا تتجلى المعضلة التي ألمَح إليها “فريدريك نيتشه” حين حذر من أولئك الذين يسعون لإنقاذ الآخرين، وهم في الحقيقة يهربون من مواجهة ذواتهم؛ إذ قد يتحول السعي إلى العطاء إلى احتياج ملحٍّ إلى الاعتراف، أو خوف عميق من الهجر والرفض.

من منظور علم النفس يتجذّر هذا النمط السلوكي في ديناميكية غير متكافئة بين مُعطٍ ومتلقٍّ؛ طرف يفيض بلا توقف، وطرف يتلقى بلا حد، حتى يصبح العطاء مساراً أحاديَّ الاتجاه. المعطي هنا يفرغ مخزونه العاطفي دون أن يجد ما يعيد إليه التوازن، فيفقد تدريجياً إحساسه بذاته المستقلة، ويتحول إلى دور أكثر منه إنساناً؛ دور المنقذ والمساند والمتفهم دائماً. في أدبيات الاعتماد المتبادل غير الصحي يوصف هذا النمط بوصفه حالة يضحي فيها الشخص باحتياجاته الأساسية ـ الراحة، والوقت الخاص، والكرامة الحدودية ـ لصالح الآخر، مما يفتح الباب أمام الإرهاق العاطفي، واكتئاب صامت، وقلق مزمن، وعجز متكرر عن قول: كفى.

الأدب يلتقط هذه اللحظة بحدة خاصة؛ ففي رواية “بيت الفرح” للكاتبة “إديث وارتون” تتبدى البطلة وهي تفني ذاتها في تلبية توقعات مجتمع لا يمنحها بالمقابل سوى الفتات، فيتحول عطاؤها الاجتماعي والعاطفي إلى طريق نحو الهاوية النفسية. وفي عالم “غسان كنفاني” في رواية “رجال في الشمس” تبدو التضحية غير المحسوبة، والعطاء الذي يفتقر إلى حماية الذات، سبباً مباشراً في ضياع الوجود نفسه؛ الفعل الذي ظن أنه خلاص يتحول، تحت وطأة اللاوعي والظلم البنيوي، إلى صمت قاتل.

في الفلسفة الأخلاقية الحديثة يطرح “إيمانويل كانط” سؤال الكرامة بوصفها أساساً لكل علاقة أخلاقية، حيث يؤكد أن الإنسان غاية في ذاته، وليس وسيلة. حين يصير العطاء وسيلة دائمة لإرضاء الآخر على حساب كرامة الذات، تُنتهك هذه القاعدة العميقة؛ إذ يتحول المعطي إلى أداة لتسكين مخاوف الآخرين أو تلبية رغباتهم، بينما يختفي الاعتراف به كغاية لها حق الحماية. من هذا المنظور يصبح الدفاع عن الذات استعادة لمكانتها باعتبارها قيمة لا يجوز التعدي عليها.

تتضح المسألة أكثر حين نقرأها في ضوء أفكار “جان بول سارتر” حول الحرية والاختيار؛ فالحرية تعني وعياً بالفعل واتجاهاً مقصوداً للطاقة. وحين يختفي الاختيار الحر، ويتحول العطاء إلى رد فعل قهري على خوف قديم، يصبح الفعل استمراراً لهيمنة ماضٍ لم يلتئم. يتوه الفرد عن ذاته لأن اهتمامه ينصرف إلى الآخر بوصفه مركز الكون، فيفقد صلته بجوهره الداخلي.

الخبرة اليومية في العلاقات الحميمة، والصداقات، والعمل، كشفت لي صوراً متعددة لهذا الاختلال: شريك عاطفي يقدم الأعذار والوقت والتسامح باستمرار، بينما يظل الطرف الآخر أسير مطالبه؛ وصديق يتحمل أوجاع الجميع دون أن يجد كتفاً يسند إليه ضعفه؛ وموظف يستهلك طاقته لإسناد فريقه، فيُنظَر إلى جهده كأمر بديهي. هذه الصور، حين تتراكم، تخلق إرهاقاً عاطفياً ينعكس في نظرة منطفئة، وصمت طويل، وانسحاب داخلي من الآخرين. في تلك اللحظات يشعر المعطي بأنه محاصر داخل صورة القوة والثبات والكرم.

هنا تبرز لحظة الوعي، حين يهمس الداخل: “أنا أستحق الأجمل”، فتأتي هذه العبارة نتيجة تراكم طويل من الألم المُسكت، وتشكل نقطة انعطاف من التضحية العمياء إلى محاولة أولى لوضع حدود صحية. عند هذه العتبة يتغير السؤال من: كم أُعطي؟ إلى أسئلة حول الاستحقاق. حينها يدرك الإنسان قيمته الداخلية، ويتغير معيار اختياره للعلاقات، فيبحث عن فضاء إنساني يُقابَل فيه ما يقدم بصدق وتقدير، حتى مع اختلاف الإيقاع في الأخذ والمنح. ويصبح أكثر قدرة على التمييز بين من يرى عطاياه امتداداً لإنسانيته، ومن يراها حقاً مكتسباً، وتبدأ علاقة أكثر نضجاً في التشكل؛ علاقة تحترم الحدود، وتعترف بالتفاوت، وترفض الاستنزاف.

في هذه الرحلة يمر الفرد بمراحل مؤلمة: شعور بالذنب حين يضع حداً، وإحساس بأنه يخون صورته “المثالية” في أعين الآخرين، وخوف من خسارة العلاقات حين يكفّ عن تلبية كل طلب. غير أن هذه الآلام تشبه آلام التعافي؛ إذ تستعيد الذات حقها في الوجود، وفي أن تُسمَع، وأن تُراعى، كأن الإنسان يخرج من قبو طويل كان يوزع فيه الضوء على الجميع، بينما يعيش هو في العتمة.

العلاقات الصحية تُبنى على توازن يسمح للعطاء أن يكون ذهاباً وإياباً، أخذاً ومنحاً، إنصاتاً وكلاماً، ضعفاً وقوة، فتتحول المشاركة إلى فعل يُنضج الطرفين معاً. وحين يتأمل الإنسان نمط عطائه يعيد بناء الفعل: من عطاء يستنزف إلى عطاء يُزهر، ومن تضحية تُفني إلى مشاركة تُنضج، ومن خوف يدفع إلى تعلق إلى حب يمنح الحرية. وكما أشار “جورج برنارد شو” فإن التضحية غير الواعية قد تسبق غضباً مكتوماً يتشكل في الأعماق؛ لأن النفس، حين تُهمَل طويلاً، تعبّر عن احتجاجها بالانسحاب أو الجفاء أو البرود. وعند تلك اللحظة يتضح أن أجمل ما في الوعي أنه يعيد الإنسان إلى نفسه، حيث يبدأ الحب في صورته الأصدق؛ حب يجعل العطاء امتداداً للكرامة.

باحثة وناقدة

Exit mobile version