د. حيدر عبد الرحمن الربيعي
في الثمانينيات، كنت طفلًا لا يعرف من الدنيا إلا دهشتها الأولى. رافقت والدي، الأديب الراحل عبد الرحمن مجيد الربيعي، في زيارة إلى صديقه الأديب سليمان البكري في قضاء المقدادية بمحافظة ديالى. ولم أكن أدرك يومها أن تلك الزيارة العابرة ستترك في حياتي أثرًا لا يزال يرافقني حتى اليوم.
كان بيت البكري يضم مكتبة عامرة. وقفت أمام رفوفها مأخوذًا بذلك العالم الصامت، ثم امتدت يدي بعفوية إلى كتاب ذي غلاف بسيط يغلب عليه اللونان الأصفر والأسود. وبعد أكثر من أربعة عقود، لم تعد الذاكرة تجزم بعنوانه، لكنني أرجح أنه كان رواية «الفقراء» لفيودور دوستويفسكي.
لم أكن يومها قادرًا على استيعاب كل ما في الرواية، لكنني أتذكر أنها كانت تتحدث عن إنسان بسيط أثقلته الحياة، يطحنه الفقر، ويطارده العوز، حتى تتحول تفاصيل أيامه إلى معركة مع الواقع، ثم تتجاوز الرواية وصف الفقر إلى طرح أسئلة أعمق عن كرامة الإنسان، ووحدته، وقدرته على الاحتمال، ومعنى الحياة وسط الألم.
كنت أقرأ الكلمات بعين طفل، لكن شيئًا في داخلي كان يقرأ ما وراء الكلمات. لم أفهم الفلسفة التي تحملها الرواية، ولم أدرك يومها مكانة دوستويفسكي في الأدب العالمي، غير أنني شعرت، للمرة الأولى، أن الكتاب ليس أوراقًا تُقرأ، بل حياة تُعاش، وأن الأدب يستطيع أن يكشف أعماق الإنسان كما لا يفعل شيء آخر.
ولعل أجمل ما في الذاكرة أنها لا تحتفظ دائمًا بالتفاصيل، بل تحتفظ بالأثر. لذلك قد يخونني اسم الرواية، لكن لا يخونني الشعور الذي ولد في تلك اللحظة. هناك، بين رفوف مكتبة الأستاذ سليمان البكري، بدأ يتشكل في داخلي وعي خافت، لم أكن أعرف اسمه آنذاك، لكنه كان يقول لي بصمت: هذا هو الطريق الذي ستسير فيه.
مرت السنوات، وكبرت، فإذا بذلك الطفل الذي التقط كتابًا بالمصادفة، يجد نفسه يلتقط المعنى في كل كتاب، ويكتب الشعر، والمقالة، والنقد، ويؤمن أن الأدب ليس ترفًا ثقافيًا، بل رسالة لفهم الإنسان والارتقاء بروحه.
لهذا، حين أسأل اليوم عن أول كتاب قرأته، لا أستحضر عنوانًا فحسب، بل استحضر بداية الرحلة. فذلك الكتاب لم يكن أول كتاب وقع في يدي فقط، بل كان أول باب انفتح أمامي إلى عالم الفكر والأدب، وأول خطوة في الطريق الذي ما زلت أسير فيه حتى هذه اللحظة.
اديب وشاعر وناقد وصحفي عراقي
……………….
الفقـراء دوستويفسكي
أول صرخة أدبية في حياة دوستويفسكي
هل يمكن لرسائل متبادلة بين رجل وامرأة فقيرين أن تحوّل الأدب الروسي ؟
نعم، هذا ما حدث مع رواية “الفقراء”، أول عمل أدبي نشره فيودور دوستويفسكي، والذي فجّر به اسمه في سماء الأدب عام 1846.
* عن الرواية:
“الفقراء” ليست مجرد قصة عن العوز والجوع، بل هي صرخة مغموسة بالدمع في وجه مجتمع لا يرحم، وعرض دقيق لتشقق الروح تحت وطأة الفقر.
تدور الرواية في شكل رسائل بين ماكار ديفوشكين، موظف حكومي بسيط، وفارنكا دوبروسيلوفا، فتاة يتيمة تحاول النجاة من عالم لا يرحم الضعفاء.
هذه الرسائل تكشف لنا مدى هشاشة الإنسان، ولكنها في الوقت ذاته تُظهر جمال الروح في أحلك الظروف.
*مشهد لا يُنسى: “الحذاء الممزق والكرامة المهدورة”
في أحد أكثر المشاهد إيلاماً، يروي ماكار كيف سخر منه زملاؤه عندما رأوا حذاءه البالي يتبلل تحت المطر.
ينكسر قلبه ليس بسبب السخرية، بل لأنه شعر أنه خان فارفارا بفشله في أن يكون “رجلًا محترماً” في عينيها.
يكتب لها:
“لماذا يضحك الناس؟
لأنني لا أملك معطفاً لائقاً ؟… لكن روحي، أليست روحي كروحهم؟”
هنا يضرب دوستويفسكي بقوة: الفقر ليس مجرد نقص مال، بل جرحٌ في الكرامة، وصوت يصرخ: “أنا إنسان أيضاً!”.
*مشهد آخر:
ذات مساء، بعد يوم طويل من العمل المهين، يعود ماكار إلى غرفته الصغيرة ذات الجدران المتآكلة، ليجد رسالة من فارنكا. يفتحها بيدين مرتجفتين، يقرأها بنهم كما لو أنه يتناول طعاماً يسدّ به جوعه العاطفي. ثم… ينهار باكيا، ليس لأنه تلقّى كلمات مؤلمة، بل لأن فارنكا أخبرته بأنها ستضطر للزواج من رجل غني لتنجو من التشرد.
في تلك اللحظة، نرى ماكار لا كرجل غيور، بل كأب، وكصديق، وكإنسان انكسر قلبه لكنه لا يزال يتمنى لها الخير.
يقول لها:
“فارنكا العزيزة، إن سعادتي تكمن في رؤيتك بخير، حتى لو كان ذلك بعيداً عني… حتى لو بقيتُ وحدي بين هذه الجدران الباردة”.
أي روعة إنسانية هذه؟ أي تضحية تلك التي تُولد فقط في قلوب الفقراء؟
*البعد النفسي:
تميزت الرواية بالتصوير النفسي العميق، وهو الأسلوب الذي سيصبح لاحقاً علامة فارقة في أعمال دوستويفسكي. ماكار، رغم بؤسه، يعبر عن إنسانية جارفة، بينما تسعى فارنكا إلى الحفاظ على كبريائها وسط الانهيار.
*لمحة تاريخية:
كتب دوستويفسكي هذه الرواية وهو في الرابعة والعشرين من عمره. وعندما قرأها الناقد الروسي الشهير بيلينسكي صرخ قائلاً:
“ظهر نجم جديد في سماء الأدب الروسي!”.
وبهذا التقدير، وُلد دوستويفسكي ككاتب واعد، ليمهد لرواياته العظيمة مثل “الجريمة والعقاب”، و”الأخوة كارامازوف”.
*آراء النقاد عن الرواية:
قال عنها أحد النقاد الروس: “لو توقف دوستويفسكي عن الكتابة بعد هذه الرواية فقط، لظل اسمه خالداً.”
واعتبرها النقاد بداية لمدرسة جديدة في الأدب الروسي، تسبر أغوار النفس وتعرّي قسوة المجتمع.

