تمضي الأعوام، وتبقى الذكرى حيّة لا يمحوها الغياب، ولا يخفت نورها رغم ما يمرّ من زمن. هكذا هو حضور الفنان التشكيلي والأديب الراحل أيمن ناصر؛ حضورٌ يتجاوز حدود العمر والرحيل، ويظلّ ممتداً في الوجدان كلما ذُكر اسم الرَّقة أو لوّح الفرات بنسماته. فقد خطف القدر أحد أنبل أبنائها المبدعين، ذاك الذي كان صوته الحكيم يفرض عليك الإصغاء، وحديثه الدافئ يشعرك أنك أمام روحٍ تصوغ الفن كما تصوغ الحياة، وتروي الحكايات كأنها جزءٌ من طين النهر وحضاراته.
رحل أيمن ناصر في السابع عشر من سبتمبر 2024، بعد صراع مع المرض في مدينة أورفا التي احتضنت غربته الأخيرة، لكنه ترك خلفه سيرته التي لا تزال ترفرف في ذاكرة كل من عرفه. كان في تواصله الأخير مفعماً بالشجن والسكينة، يشكو تعبه دون أن يبوح، ويعتذر بلطف رغم الألم، كما لو أنه يواصل حياته بصلابة فنانٍ يضع النقاط فوق الحروف حتى اللحظة الأخيرة.
الأديب والفنان التشكيلي الراحل أيمن ناصر
كان أيمن ناصر إنساناً حقيقياً بمعنى الكلمة: صادقاً، وفياً، هادئاً، طيّب المعشر، يحمل في قلبه ما يكفي من النبل ليعكسه على كل مَن يجاوره من فنّانين وأدباء وتلامذة ومحبين. ومنذ أكثر من نصف قرن، عاش على ضفاف الفرات شاهداً على حضارات سادت ذات يوم، مستلهماً منها روحه ورؤاه وأحلامه التي كان يأمل أن يحقق المزيد منها في عالم النحت والفنون التشكيلية.
ولد في الرّقة عام 1958، وكرّس حياته للفن والتعليم والعمل الثقافي، من تدريسه للنحت في مركز الفنون، إلى عضويته في النقابات والاتحادات الفنية العربية، وصولاً إلى أعماله الأدبية المتنوعة من روايات وقصص ومقالات نالت إعجاب النقاد والقراء على حدٍ سواء، ومنها.
رواية “الّلحاف” الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق 2019، ورواية “روجين” الصادرة عن دار شامل في نابلس فلسطين 2019، ناهيك بمجموعته القصصية “رهان الغيم”. بالإضافة إلى الكثير من القصص والمقالات المنشورة في بعض الصحف والدوريات السورية والعربية،
ولم يكن إبداعه الفني أقل حضوراً من أدبه، فقد ترك بصمته في النحت والتشكيل، وحصد جوائز مهمة مثل جائزة ثابت بن قرة الحرّاني، وتصدّرت أعماله الصفحات الثقافية في سورية والعالم العربي. والناصر عضو في جمعية شآم للفنون التشكيلية بالرّقة 2018، وعضو جمعية صنّاع السعادة في أورفا 2019، ورئيس مكتب اتحاد الفنانين التشكيليين بالرّقة 2010 ـ 2013، ومؤسس ورئيس فرع ملتقى الأدباء والكتاب السوريين في أورفا في الفترة من 2016 ـ 2020.
كان يقول دائماً: «لأن الرّقة تعيش في وجداني منذ الطفولة، لا أتخيل نفسي أعيش في أي مكان آخر بنفس الحميمية». وهكذا ظلّت الرّقة تعيش فيه حتى آخر نَفَس، وظلّ هو يعيش فيها وبين أبنائها فناً وذكراً وأثراً لا يزول.
ووفاءٍ لهذه القامة الإبداعية، تحتفي “المزمار العربي” بملف خاص يستحضر شهادات العارفين به، من أدباء وشعراء وأكاديميين، ممن رافقوا مسيرته أو تتلمذوا على يديه أو أحبّوا ما قدّم من جمال.
“المزمار العربي”
شهادات
حمدي موصللي
شخصيةٌ تجذّرت في عمق المجتمع الرقّي، فامتدت جذورها في الأرض قوةً وثباتاً، وأنبتت ساقاً شامخة، وتفرعت أغصانها، وحملت أوراقاً وارفة، وأزهرت في ربيعها زهراً نادراً. ثم ما لبثت أن أينعت ثمارها اليانعة، فكان موسم قطافٍ يفيض بالجمال؛ لوحاتٌ تنطق بالألوان، ومنحوتاتٌ من ماء وتراب وجصّ تُفرح القلب حيناً وتؤلمه حيناً آخر، وقصصٌ تحكي سِيَر حيواتٍ وعوالم متشابكة، بعضها مصنوع من الجلد، وبعضها من الورق.
وعالمٌ روائي صاخب بالكشف والبوح، يطارد الملموس والمحسوس، ويقترب من الغيب، ويفضح المستور. ولأن الحكاية تحتاج إلى ساتر يحفظ دفأها، كان “اللحاف” غطاءً، وحبّاً، وعشقاً، فانبثقت الرواية الثانية “روجين” لتكمل تجربته المتوهجة.
أيمن الناصر.. إنسانٌ لم يحمل في قلبه إلا الخير، طيبٌ وكريم ومتسامح، لا يبخل على أصدقائه وأحبابه ببسمة أو مساندة. شخصيةٌ محترمة، والحديث عنه ليس مديحاً بقدر ما هو شهادة حق، فالحق لا يُوارى حين يكون الحديث عن إنسان عرفناه بالتواضع والصدق وحلاوة الأسلوب ونبل المعشر. رجلٌ ذو نخوة، وعزيمة، وإصرار، صاحب قلب واسع وروح منفتحة وأخلاق حميدة. في زمن قلّت فيه المواقف، بقي من الرجال الذين تُصنع بهم المواقف، وتُحفظ بهم القيم.
خرج إلى تركيا مُجبراً، لاجئاً مع أسرته، ليستقر في مدينة “أورفا”. وقف مع الثورة بصلابة، وكتب ضد الأنظمة الشمولية الديكتاتورية، وفي مقدمتها النظام الأسدي. ومع زملائه وأصدقائه أسس ورشاً ثقافية وفنية، جعلها منصّة للنضال والدفاع عن الوطن السوري الجريح. لكنه كان يخوض معركة أخرى، أشرس وأقسى؛ مع المرض العضال الذي واجهه بثبات وإصرار. غير أنَّ مشيئة الله كانت الأقوى.
رحل أيمن بالجسد، لكنه لم يرحل من قلوب من عرفوه، ولم يغادر ذاكرة من عاشوا معه ورافقوه. بقيت أعماله وآثاره ومنجزاته شاهدة على موهبته وإبداعه وفرادته.
رحم الله أديبنا، والفنان التشكيلي الكبير، الصديق الغالي.. أيمن أحمد فرحان الناصر، وأسكنه الله فسيح جنّاته.
مؤلف وناقد ومخرج مسرحي
عصام حقي
استقبل أيمن الناصر الحياة أواخر خمسينيّات القرن المنصرم، ممتطياً صهوة الريح، يسابق الزمن بأجنحة الفن وأشرعة الإبداع، وتقلب في مدارج العمر محاولاً اختصار الساعات والدقائق في بحثه عن الحقيقة، لكشف الستار عن وجهها الجميل والاستمتاع بشيء من متاحها وسط متعرجاتها وتشعّباتها وأشكالها المختلفة.
فامتشق أيمن النحات إزميله وراح يداور الصخر والحجر بمهارة لافتة وأناقة راقية واضحة، فانصاع له الحجر وخضع لرغباته بالإبداع في التشكّل والتكوّن، ليتحوّل بانسيابيّة هادئة من جماد خامد إلى لوحة فنّيّة تكاد تنطق لو أتيح لها المجال.
لقد استطاع أيمن، فنان النحت الكبير، أن يشكّل من الغضار والصخر إبداعاً أسطوريّاً يُسطّر في خانة الأعمال الفنّيّة الخالدة، وشاهداً على صفحة من صفحات الفن الجميل في الوطن والمغترب.
ولعلّ عمله النحتيّ (جلجامش يندب أنكيدو)، الذي استوحاه من أسطورة جلجامش الشهيرة، يؤكّد اهتمامه بالبحث عن الحقيقة والمعرفة وكشف الستور عن المجهول.
ولا يقلّ عنه روعة عمله النحتيّ الآخر (فوق السطح تحت القمر) الذي نفّذه عام 2012، ليكون بداية جديدة لافتة لبراعته في الشكل وغوصه وراء عمق المعاني في الفن.
ولستُ هنا في مجال الحصر لمنحوتات أيمن الناصر التي انتشرت في كل مكان؛ فمنها ما بقي، ومنها ما تحطّم بيدٍ رعناء هنا، أو معول جهل وحقد هناك.
وربّما لا تنسى الرقّة وأهلُها منحوتاته: هارون الرشيد، والمعرّي، وحميدة… وغيرها الكثير، ومنها جداريّته الضخمة الباهرة (بنت البلد).
كان أيمن الفنان يمسك باليد الأخرى يراع الأدب الذي خطّ به أعماله القصصيّة والروائيّة الذائعة الصيت، ومنها رواية (روجين) التي كان لها صدى واسع في الأوساط الأدبيّة والثقافيّة المهتمّة.
لقد نسج أيمن الروائي في روجين، بحذق وبراعة فائقة، قصة هيام خالدة بين بطلي الرواية المحوريَّين: متعب المبروك وروجين؛ إذ جمع بين متعب المثقّف الأربعيني والأستاذ الجامعي من جهة، وبين روجين الفتاة الأيزيدية المراهقة التي تجذبها شخصية المبروك الثقافيّة والكاريزما اللافتة التي تشدّ إليها الفتيات في مثل هذا السن عادة من جهة أخرى.
وقد استخدم الأديب أيمن الناصر في روجين وقصصه الأخرى مثل اللحاف ورهان الغيم لغة أدبية راقية (ولا نعني بالرقي هنا الفصاحة فحسب، بل اقتراب الكلمة من القارئ وملامسة حسّه ووجدانه)، ما يدفعه للتعلّق بما يقرأ والاستمتاع به، بل تكراره المرة تلو الأخرى باحثاً عن النهاية التي يصبو إليها دون أن يجدها، ليستمر في البحث والتعلّق بالحروف. وهنا يكمن سرّ من أسرار جمال هذه الرواية، إضافة إلى الحرفيّة العالية في السرد والوصف وامتلاك زمام أدوات القص بقوّة ومهارة.
ولا تقلّ رواية (اللحاف) عن روجين روعةً وعمقاً فلسفيّاً وفكريّاً، مستمدّاً من ينبوع الأصالة الأدبيّة الثرّ الذي كان أيمن يغترف منه بسهولة.
ففي اللحاف تجسيد واضح لفلسفة الكاتب ونظرته إلى فكرة الموت والحياة من خلال شخصية سيّد، بطل الرواية، الذي يريد تأكيد الحقيقة التي يراها في الموت، ألا وهي:
(الموت يتربّص بنا منذ الولادة، ويجلس قربنا ينتظر انتهاء مهامنا بالحياة).
هكذا، وعلى صهوة الريح، أقبل أيمن، وبأجنحة الفن وأشرعة الإبداع، أمضى عمره وهو يملأ الآفاق بفنٍّ رفيع وتشكيل خلاق وحروف أدبيّة مدهشة سيكون لها وقعها ودورها الاجتماعيّ والثقافيّ في قادمات الأيام.
ولكنّه استعجل وآثر الرحيل على يد الموت، ذاك الذي كان يتربّص ببطل روايته اللحاف.
رحل أيمن الفنان الإنسان، لكنّه ظلّ بين من أحبّوه عصيّاً على الرحيل.
رحمه الله عليه.
شاعر سوري
عيسى الشيخ حسن
صيف ۲۰۰۷م “على ما أظن” كنت في زيارة لدمشق، وتواصلت مع الراحل عبد الإله الرحيل، ولأول مرة نلتقي خارج مقر جريدة تشرين. كان الروائي الراحل من أوائل من تبنوا تجربتي ونشر لي وكنت أحرص على زيارته كلما زرت البلاد وقصدت دمشق، الروائي الشجاع الذي كتب المنخورة، وهو يقف على عوامل الفساد والثورة قبل سنوات بعيدة.
في مقهى الحجاز، استقبلني عبد الإله، خارجاً من عباءة الصحافة، ملتفتاً إلى إبداعه، كنّا نزجي الأحاديث، وأخبرني عن صوت روائي واعد في عالم الرواية: «من عندكم»، كان عبد الإله عضو لجنة القراءة في «اتحاد الكتّاب العرب»، سمّى لي الرواية، وقال كلاما طيّباً في حقّها، حفظت الاسم جيداً، وتوقعت أن أقرأ عملاً مختلفاً، في وقت كانت فيه الرواية العربية تستريح عند ظاهرة أحلام مستغانمي، وتجارب متناثرة في الخليج ومصر، وكانت أسماء مبدعينا تراوح في سوقها المحلية.
بعد عام صدرت “اللحاف” وسرعان ما اقتنيتها، وفوجئت مرتين الأولى، بمكان من أمكنة الرواية، منطقة الغمر، أو غربي الرقّة، الحوائج، وهو يأتي على أسماء القرى: مريبط والحويش، وأسماء شخصيات أكاد أقبض عليها، فرأيتني أتشارك معه تلك الذكريات، ومرة أخرى وهو يسلك طريقاً في الرواية يراهن فيه على التحليق في اللغة.
فنان تشكيلي سوري يسافر إلى اليمن في بعثة تدريسية، يلتقي هناك بزملاء عرب من دول مختلفة للتعليم في قرية بعيدة هي «حوث»، ولم تكن حوث وقتئذ تشغل نشرات الأخبار، فهي كما بدت في اللحاف قرية وادعة، تستعيد مناخ “جنّة عدن” في مخيالنا العربي عن “اليمن السعيد” مدرس اللغة الإنكليزية سعيد عثمان يشترك مع مدرس الفنون السوري حمزة، لتكون الليالي التسع في حوث مثار ذكريات وأفكار وأحلام وهواجس، قبل أن يلقى حتفه نتيجة مرض قديم مزمن يترك أثره النفسي الرهيب. يغادر حمزة القرية، ويعود إلى وطنه، ولكنه يعود إلى اليمن في ملتقى فني، ليفاجأ بزوج سعيد وابنه، واستعادتهما.
وفي اللحاف استعدت سرديات متناثرة من ألف ليلة وليلة بوصف الليل بيئة خصبة للسرد، إلى منجز الطيب صالح عائداً في مدرس الإنكليزي سيد عثمان وقد تقاطعت عليه شخوص الطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال ودومة ود حامد إلى رواية ميلان كونديرا الأثيرة “فالس للوداع” كون بطلها رسّاماً أيضاً، ملأتني «اللحاف» بأسباب السعادة، ولم ألتق أيمن ناصر إلا من خلال وسائل التواصل بعد نزوحه إلى تركيا، وقد تحاورنا أكثر من مرة، وتابعت منجزه السردي توالياً، وفي أورفة كانت التجمع الثقافي الرقّي متمثلاً في صحيفة الحرمل، رافعة مهمة في استمرار دورة الحياة وقد كان الراحل من المساهمين فيها، كانت أورفا مضافة الرقيين الأولى، وقد استقروا فيها زمناً، فأكمل الرحلة نحو أوربا معظمهم وبقي أيمن مساهما في الحراك الثقافي السوري في المدينة.
حين يفاجئنا الموت في الغربة، فثمة أشياء كثيرة تستحضر، ولعلّ أيمن كان قريباً من مرقد الجاهليّ الأول امرئ القيس الذي هاله ما فعله «بنو أسد» في مملكة كانت نجمة العرب في شمالي الجزيرة.
رحمك الله أبا أحمد
روائي وشاعر
فهد الحسن
تمرُّ الأيامُ مُسرِعاتٍ كما الذكرياتُ الباهتة، ومعها تعبر أطيافُ مَن غادرونا إلى الغياب على أجنحة الأثير دونما وداعٍ أو تلويحةٍ سريعة.
وها هي الذكرى السنوية الأولى لرحيل الأخ الغالي والصديق الودود أيمن ناصر (أبي أحمد)، الفنانِ التشكيليِّ المتميّز، والروائيِّ المتألّق، الذي أغنى المشهد الثقافي من حولنا بعطائه الجزل ومساهماته الكبيرة على مدار سنين طويلة.
ولكنها الحياة … الحياةُ المنذورةُ للفقد والغياب، والتي لا تنصاع لمشاعرنا ورغائبنا وحاجاتنا الروحية، فتسلبُنا من نَعزُّ، وتتخطّفُ منّا أحباءَنا دون سابقِ إنذارٍ أو إشارةٍ ما.
هكذا أرادت الأقدارُ والأسقامُ لأبي أحمد، فكان جَلِداً صبوراً وقريباً من كلّ محبّيه رغم الوَهَن والإعياء والألم.
لقد فقدنا بغيابه الموهبةَ والسلوك، وألمعيّةَ الإنسان في تواضعه ورقّته ونبل سجاياه، وقدرته على العطاء رغم هجير المنافي ولَوْعة فقدان الأوطان والبعد عنها وعن الأحبة والأصدقاء والخلّان.
ولا يسعُنا في هذه الذكرى الأليمة إلّا أن نُفَوِّض أمرَنا لخالق الأكوان، ومُنشِئ الحياة، ومُدبِّر المصائر بإرادته ومشيئته، فنقول ونبتهل ضارعين متضرعين:
إلى رحمةِ الله ورضوانه وغفرانه، أيها العزيز الذي ستظلُّ بشاشتُه وقسماتُه الودودةُ حاضرةً فينا كما النبراسُ المضيءُ الذي يُنير الظلمةَ والعتمةَ في دروب الحياة، مُعلِناً أنَّ للمحبين مكانتَهم الدائمة في شغاف القلوب مهما طَمَّت الخطوبُ وكثرت الملاحمُ، ومهما علت الجراحُ وغارت.
طِبْ مقاماً، أبا أحمد الطيّبَ النبيلَ، الذي ترجّل عن الحياة باكراً، ولكنه سيظلُّ شاخصاً في وجدان كلّ من عرفه عن قُربٍ، ولمس فيك سِمات الإنسان وروحَ الفنان الذي لا يُنسى ولا يَخفُت حضورُه.
رحمك الله برحمتِه الواسعة، وربَطَ على قلوبِ مَن استودعتهم الله من أسرتك الكريمة، ومن محبيك الكُثُر الذين ستظلُّ ماثلاً في أفئدتهم طويلاً طويلا.
ناقد و فنان تشكيلي
مازن العليوي
في ذاكرة الرّقة التي تختزن أصوات فنّانيها وملامحهم، يظل اسم الفنان التشكيلي والنحّات والروائي الراحل أيمن ناصر محفوراً في روحي كأحد أكثر الحضور دفئاً وصدقاً. لم يكن مجرد فنان يطوّع اللون والطين، بل كان روحاً تبحث عن المعنى في أدق التفاصيل، وتعيد تشكيل العالم من حولها بلمسة حنونة وجرأة رؤيوية في آنٍ واحد. ومازلتُ أشعر إلى اليوم أن لقاءاتي معه كانت جزءاً من الرؤية الجمالية وتكويني الفني والإنساني.
من أجمل الذكريات التي أحملها، أحاديثنا الطويلة عن ملحمة جلجامش، ذلك النص الذي كان يشعل فينا الرغبة في إعادة سرد الأسطورة بلغة الفن. كنا نخطّط لمعرض مشترك يقدّم الملحمة بصرياً: أنا عبر لوحات نحاسية تستحضر مشاهد الصراع والبحث عن الخلود، وهو عبر الرسم أو النحت، بطاقةٍ جمالية كان يؤمن بأنها قادرة على إعادة إحياء الماضي. كانت تلك الجلسات أشبه بولادة جديدة للشغف.
ولا أنسى زياراته المتكررة إلى مرسمي، حين كان يجلس أمام إحدى اللوحات النحاسية أو الحروفية يتأملها بصمت، ثم يطلق ملاحظاته التي تمتزج فيها الخبرة بالخيال. كما تبقى في ذاكرتي زياراتي لمرسمه، ذلك المكان الذي يشبهه: فوضى جميلة، جنون فني على الجدران، كتب مفتوحة، ورائحة طين تستعد لأن تتحوّل إلى شكل جديد.
وتظلّ محفورة في وجداني جلساتنا الراقية في بيته، تلك الأمسيات الهادئة التي كانت تمتد بالساعات، عامرة بالفكر والحوار والتأمل في الفن والحياة..
ومن اللحظات المنقوشة في الذاكرة.. أمسية شعرية ألقيت فيها قصيدتي “الرشيد يستيقظ ليلاً”.. في المركز الثقافي العربي بالرقة. في تلك القصيدة ذكرتُ أيمن ناصر كنحّات أبدع تمثال هارون الرشيد، وكان حاضراً بين الجمهور يتابع بإحساسه العميق. وحين وصلتُ إلى المقطع الذي يتحدث عنه، أشرتُ إليه بيدي أمام الجميع، وكأنني أقدّم شهادة شعرية في رجل ترك أثراً بصرياً وروحياً في مدينته.. كانت لحظة امتزج فيها الشعر بالنحت، والصوت بالذاكرة، وامتلأت القاعة بشيء يشبه الاعتراف الجماعي بقيمة ذلك الفنان الراحل.
لم يكن أيمن ناصر صديقاً عابراً، بل جزءاً من رحلتي. ترك أثراً هادئاً وعميقاً؛ أثر فنان عاش للفكرة والجمال، ورحل تاركاً في قلوبنا محبته وإبداعاته الفنية والأدبية.
شاعر وإعلامي
محمد الرفيّع
لا نبالغ إذا قلنا إن الفنان التشكيلي (أيمن ناصر) أحد أعمدة الفن التشكيلي في الرّقة، ومن الجيل الذي أرسى دعائم فن النحت بأعماله التي كانت مثار إعجاب، وشواهد حضارية ظلّت شاهدة في الرّقة منذ سبعينيات القرن الماضي حتى الحاضر. نذر حياته للفن والإبداع في شتى مجالاته، وله تجاربه الخاصة والعميقة؛ فعندما كان يرتاح من فن النحت ينصرف إلى أمشاج لوحته الزيتية الموشّاة بإحساسه الرقيق الذي ينسرب كما الفرات، وحين ينتصف الليل يطلق العنان لمداده بكتابة الرواية الواقعية الاجتماعية والصراعات الطبقية ومعاناة الناس ورصد أحاسيسهم وتجسيد الواقع بدقة الفنان المتمكن من إزميله وفرشاة ألوانه ويراعه الذي لم يتوقف إلا برحيله.
نشر رواياته التي صارت ذلك الخبز اليومي الذي يتلقفه متابعوه ومحبّوه، يرسم الغبطة في قلوب الجميع وينثر الجمال في العيون التي تقف مشدودة أمام منحوتاته الضخمة والمتوسطة والصغيرة. لم يبخل يوماً على طلابه ومريديه بخبرته الكبيرة، سواء في المجال التربوي أو في محترفه الذي كان قبلةً للفنانين. شخصية فريدة تماهت بالطيبة، شخصية العاشق الثائر على القبح والجهالة، صديق الإنسانية المفرطة التي تجلّت في سلوكه، وأبدع في إيصال رسالته السامية.
برحيل الفنان التشكيلي والروائي (أيمن الناصر)، أُغمِضت الكثير من عيون فراشات الليل، وانطفأت مصابيح الجمال التي كان يطمح أن يوقدها في ساحات الرّقة وعلى ضفاف فراتها. بغياب أيمن انتحبت اللغة عند أعتاب مؤلفاته، وصار اللون يتيماً في زوايا مكتبه الذي جمعني وإياه طويلاً ولسنين جمّة. ما زال صوته يترنح فوق مياه الذاكرة، وها هو الشتاء يعود وتؤوب معه كل ذكرياتنا وأحاديث المساء تحت إيقاع المطر وتنهدات موسيقا “بحيرة البجع” التي يعشقها، ونمنمات “نينوى” التي كانت ترافقه مثل نفحات الإبداع.
لقد رحل “أبو أحمد”، ولما يرحل من القلوب والعقول. حزينةٌ حقيبةُ الذكريات التي جمعتنا كلينا، المكتظّة بالحكايا والأسفار والأشعار والنوادر.
فنان تشكيلي
إبراهيم النمر
صمتٌ يُخيّمُ سيلَ أنينْ..
وفي حضرة الموتِ
تبكي الحياةُ
بصوتٍ خجولٍ حزينْ..
و في حضرة الموتِ
يُوقِفُ نهرَ الحياةِ
تدفّقه الثّرّ
توقفُ ناعورة الحلم
أحلامها الزاهياتِ
وتيكي العيونْ..
وفي حضرة الموتِ
لا شيء يبقى
ولا شيء يفنى
وكل المسافات تنأى
وكل الدروب تضيقْ..
ووحدَكَ في حضرة الموتِ
لا مؤنسٌ
أو صديقْ..
وفي حضرة الموتِ
يجتمع الأهلُ حولكَ
لا بسمةٌ في شفاه الصحابِ
ولا أملٌ في الرجوعْ..
و في حضرة الموتِ
تبكي الشموعُ
وتبكي الدموعْ..
وفي حضرة الموتِ
وفي حضرة
وفي……..
شاعر سوري
د. عبد الله المصارع
غادرنا الفنان والأديب أيمن ناصر بصمتٍ مفاجئ، لكنّ ظلّه ما يزال معلّقاً في كل مساحة عرفته، وفي كل زاوية شهدت على يديه وهما تُخرجان من الخشب والرخام ما يشبه ضوء الروح. كان يرسم من قلبه قبل ريشته، وينحت من حلمه قبل مِطرَقته، كأنّه يريد أن يترك في العالم أثراً يليق بما في داخله من صدقٍ ونقاء. عرفته خلال زياراتي التي كنت أنظّمها إلى سورية، وخصوصاً إلى مدينة الرقّة، ضمن وفود طبية لتقديم الاستشارات وإلقاء المحاضرات بالتعاون مع الزملاء والأصدقاء الأطباء في مدينة الرقة، بصفتي نائب رئيس جمعية أطباء القلب في باريس. وكانت تلك النشاطات تُقام في إطار جمعية “من السين إلى الفرات”، الساعية إلى تعزيز التعاون الصحي والعلمي والثقافي بين فرنسا وسورية. في تلك الزيارات، التقيت الأديب أيمن ناصر وتعرفت عليه من خلال شقيقي الأديب احمد مصارع الذي كانت تربطه بأيمن علاقة صداقة حميمة وكان يرى فيه رفيقاً للفكر، في تلك الزيارة أحاطنا الأديبان برعاية ثقافية ومعرفية لطيفة. لا أنسى زيارتي لمشغله في حيّ الفردوس بمدينة الرقّة. كان المكان يشبه صاحبه: بسيطاً، غارقاً في الضوء الهادئ، ومفعماً برائحة الخشب والرّخام. رأيت فيه أعمالاً لا تزال محفورة في الذاكرة: تمثالاً رخامياً لـ فينوس، وآخر يجسّد جلجامش في رثاء أنكيدو، إضافة إلى البجعة التي بدت وكأنها تستعدّ للطيران. غصّ المشغل بلوحات جميلة تنتمي إلى مدارس فنية مختلفة، ما عكس شغفه الواسع وذائقته المرهفة. كان أيمن عاشقاً للموسيقى والغناء، يحفظ كنوز التراث الفراتي الأصيل، وينسج منه جمالاً يليق بنقاء الأرض التي جاء منها. وبين حديثه عن الفنّ وتأمّله للألوان، كان يحلم أن تتزيّن ساحات الرقّة بتماثيل من صنع يديه، وأن يجد الناس في الجمال نافذة تتنفّس وسط ركام القسوة. لكن الظروف كانت قاسية، والنظام المتسلّط الذي يراقب أنفاس الناس قبل كلماتهم، صادر الكثير من الأحلام، وأطفأ الكثير من المواهب، وترك شقوقاً واسعة بين الفنانين وحلمهم البريء بالحرية والجمال. ومع ذلك، ظلّ أيمن يحفر في الصخر كأنّه يحفر في القدر، مؤمناً بأن الفنّ ليس ترفاً، بل ضرورة تمكّن الروح من النجاة. أهداني يومها روايته الأولى “اللّحاف”، تلك الرواية التي كانت كحجر أُلقي في ماء ساكن، فأثار دوائر من الجدل والدهشة. رواية تكشف عمق رؤيته وحساسيته، وتدلّ على أن الفن لديه لم يكن مجرد ممارسة… بل حياة كاملة. رحل الفنان… لكن أعماله بقيت شاهدة على قلب كان أندى من الريح، وعلى روحٍ اختارت الجمال طريقاً في زمنٍ انطفأت فيه الطرق. رحمك الله يا أيمن ناصر فقد تركت في الذاكرة ما لن يزول.
طبيب سوري مقيم في فرنسا
موسى الحمد
الفنان الراحل أيمن ناصر… عرفته فناناً تشكيلياً، وخاصة في مجال النحت. كما عرفته أديباً مميزاً، وخاصة في مجال الرواية. له الكثير من الأعمال النحتية والرسوم والروايات وغيرها، وله مشاركات كثيرة. ويُعتبر النحّات من أهم النحاتين في الرّقة، ومن مؤسسي الحركة التشكيلية في الجيل الثاني. كما درّس مادة الرسم في مركز الفنون التشكيلية بالرقة، وتخرّج الكثير من الشباب النحاتين على يديه. وله أعمال كانت موزعة في ساحات الرّقة وحدائقها قبل الأحداث، أي قبل عام 2010.
كما عرفته أديباً مميزاً بإبداعه وأخلاقه وإخلاصه لزملائه. ويحق للرقة أن تفتخر به كقامة فنية تشكيلية، وكأديب له حضوره المميز أيضاً. كما يمتاز الراحل أيمن ناصر بالثقافة العالية والمتابعة للفن والأدب. وقد شغل منصب رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين قبل عام 2010.
لازمته كثيراً، وكان من المقرّبين لي على صعيد الفن التشكيلي، وكنا نتحاور دائماً في مسائل تتعلق بتفعيل دور الفن التشكيلي والمحاضرات والمعارض وغيرها. وكان أهلاً لهذا المنصب مع بقية زملائه.
والحقيقة أن الحديث عن أيمن ناصر يتطلب صفحات كثيرة، ولا يتسع المجال لذكرها الآن.
الفنان التشكيلي والروائي الراحل أيمن ناصر ترك بصمة مميزة وتاريخاً حافلاً بالإنجازات الفنية والثقافية تفيض بها الرّقة.
فنان تشكيلي

