باليت المزمار

فيتامينات فنية

 ستار كاووش

ما أن ينتهي الفنان من إنجاز عمله الفني، يصبح لهذا العمل حياته الخاصة وينفصل عن الفنان، حيث يتنقل بين صالات العرض، المتاحف، البيوت والمكاتب. وتراه الناس جميلاً هنا، وأقل جمالاً هناك، وبين هذا وذاك يظهر من ينظر اليه بحيرة وتساؤلات وربما عدم فهم. العمل الفني الجيد قطعة فريدة مثل أشياء كثيرة، لا يمكن لأي أحد أن يقف في طريقه ويحدد مساراته النهائية، حتى الفنان الذي أنجزه يصعب عليه ذلك في أحيان كثيرة. وبين كل هذه التفاصيل يظهر الناقد والمتلقي والمراقب والمحب والمتابع وغيرها من التسميات التي تُطلق على الأشخاص المهتمين بالأعمال الفنية. وكل واحد من هؤلاء ينظر إلى اللوحة أو التمثال بطريقة مختلفة تلعب فيها الخبرة والتجربة والاطلاع والفهم والدراسة دوراً كبيراً. وهكذا حتى بين النقاد ذاتهم هناك فروقات كبيرة ومسافات واسعة من حيث الفهم والنظر والرؤية.

الكثير من الأعمال الفنية لا تحتاج الى تعقيد، وتعتمد على حدس المشاهد وانسجامه مع التكوين العام والمعالجات لحظة رؤيته للعمل، وهذه برأيي أجمل الطرق في النظر إلى العمل الفني، فلا الشجرة التي نراها في اللوحة هي شجرة ولا البيوت بيوتاً ولا القبلة قبلة ولا ابتسامة الموناليزا ابتسامة فعلاً، إن الأمر في حقيقته لا يتعدى كونه قطعة من الخشب أو الكانفاس التي يفرش عليها الفنان خطوطه وألوانه بطريقة فيها مجموعة من الانسجامات والخبرة والتناغمات التي يشعر بها لحظة الرسم. فالمسألة لا تحتمل الكثير من التعقيد، وهي تشبه الحبيبات الجميلات اللواتي يملأن الأغاني العاطفية، لكن ما أن تنتهي الأغنية حتى نرى أنفسنا وحيدين مع جهاز التسجيل.

ورغم أن النقد التشكيلي في كل بلدان العالم محدوداً نوعاً ما، ويُشكل حيزاً صغيراً جداً من الثقافة والكتابة بشكلها العام، مع ذلك تظهر بين النقاد فروقات كبيرة ومسافات واسعة بالفهم والنظر وطريقة الرؤية. وقد لفتَ انتباهي الكثير مما يُكتب عن الفن التشكيلي في العراق والوطن العربي عموماً، كونه يحمل بين طياته الكثير الغموض والتهويمات المعقدة. يُضافُ الى أن العديد من الكتابات تمتليء بإستعارات ومقولات من كتاب أجانب يعتبرونهم مراجع ثابتة بطريقة أو أخرى، وربما يرون ذلك نوعاً من الفيتامينات التي تغذي نصوصهم وتمنحها المصداقية. ربما تحتاج بعض الكتابات الى ذلك، لكن بحدود معينة، لا أن تمتلئ الكتابات باستشهادات وآراء الآخرين بمناسبة أو دونها. فعلى الناقد أن يقول رأيه الواضح والمفهوم والنابع من إحساسه الشخصي بالعمل الفني، لا أن يكتب آراء الآخرين.

لا أدعي بأن هناك قاعدة ثابتة لذلك، لكن كي لا أبدو بياع كلام بالنسبة للكثيرين، فقد قضيتُ حياتي بين الرسم والكتابة عنه. وبحكم العمود الذي أكتبه منذ سنوات طويلة في مجلة أتيليه الهولندية التي تُعتبر في طليعة المجلات الفنية في الأراضي المنخفضة، إضافة الى كتابتي مقالة دائمة أخرى في ذات المجلة، فأنا أقرأ بطبيعة الحال ما يكتبه الآخرون، فالنقاد في هولندا مثلاً، لا يُعيرونَ إهتماماً لهربرت ريد أو سوزان لانجر وغيرهم ممن تمتلئ كتاباتنا العراقية باستشهادات منهم. لماذا على النقاد أن يحشدوا آراء الآخرين في كتاباتهم؟ أليس الأجدى أن يقولوا رأيهم الشخصي؟ أقرأ النقد الذي يكتبه النقاد في هولندا وغيرها وأرى كيف يكتفون بعرض ملامح العمل الفني والحديث عن تأثيره وتكوينه والرمزية التي تختفي وراء الألوان والمفردات وما الذي يجعله جميلاً، بلغة بسيطة وواضحة ومقروءة، دون تعقيدات أو غموض وبلا إسقاطات فلسفية أو أدبية، إلا في حالات خاصة تحتم ذلك كما في بعض الكتابات عن ما قبل الروفائيلية مثلاً.

أتمنى أن تتحلى الكتابة العراقية بالبساطة (ولا أقصد هنا السطحية) والدخول الى العمل الفني دون تراكمات مسبقة ولا مرجعيات ثابتة. فالفن التشكيلي (بالنسبة للكثيرين) يحمل بعض الصعوبات التقنية والمعالجات، فلماذا يأتي الناقد ويصعب الأمر أكثر؟ امْنَحْ بعض المفاتيح للمتلقي وركز على نقاط الجمال التي تجعل الناس تلتفت الى الأعمال الفنية، ثم دعهم يتمتعون بالعمل الفني بسلام.

ناقد وفنان تشكيلي عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى