عبد الكريم البليخ
تستعد العاصمة النمساوية فيينا لاحتضان فعاليات مهرجان الربيع الثالث للثقافة والفنون، تحت عنوان: «مهرجان الإبداع ولقاء الثقافات»، وذلك خلال الفترة الممتدة من 29 حتى 31 أيار/ مايو 2026، بتنظيم نادي «الفن لأجل الحرية»، في تظاهرة فنية وثقافية تسعى إلى تحويل المدينة، بما تحمله من إرث موسيقي وجمالي عريق، إلى مساحة مفتوحة للحوار بين التجارب والرؤى والذاكرات الإنسانية.
ولا يأتي هذا المهرجان بوصفه حدثاً فنياً عابراً، أو مناسبة موسمية تضاف إلى رزنامة النشاطات الثقافية في فيينا، بل بوصفه فعلاً إبداعياً يحمل في جوهره رسالة أعمق: أن الفن قادر على أن يفتح نوافذ اللقاء حين تضيق المسافات، وأن يمنح الإنسان فرصة للإنصات إلى الآخر بعيداً عن ضجيج السياسة وحدّة الانقسامات. ففي زمنٍ تتكاثر فيه الحواجز، وتتعالى فيه أصوات العزلة والخوف، تبدو المبادرات الثقافية من هذا النوع أشبه بجسور مضيئة تُمدّ بين الشعوب، وتعيد إلى الجمال دوره بوصفه لغةً مشتركة لا تحتاج إلى ترجمة.
في فيينا، المدينة التي طالما ارتبط اسمها بالموسيقى والفنون والذائقة الرفيعة، يلتقي فنانون تشكيليون وموسيقيون ومبدعون من 16 دولة عربية وغربية، ليقدّموا للجمهور تجربة متعددة الوجوه، مفتوحة على التنوع والحرية والتفاعل الإنساني الخلّاق. هنا لا يعود الاختلاف سبباً للتباعد، بل يتحوّل إلى مصدر ثراء، وإلى مساحة خصبة يلتقي فيها اللون بالصوت، واللوحة بالنغمة، والتجربة الفردية بالهمّ الإنساني العام.
ويشارك في المهرجان، كما يؤكد الفنان التشكيلي إبراهيم برغود، رئيس نادي «الفن لأجل الحرية»، 24 فناناً ومبدعاً، يجتمعون على أرض فيينا للاحتفاء بالفن بوصفه لغة إنسانية جامعة، تتجاوز الحدود الجغرافية والاختلافات اللغوية، وتمنح الجمهور فرصة الاقتراب من عوالم فنية متباينة في أساليبها ومدارسها وحساسياتها الجمالية. وتشمل فعاليات المهرجان عروضاً فنية وموسيقية، إلى جانب مشاركات تشكيلية تعبّر عن تجارب متنوعة، بما يمنح الحدث طابعاً ثقافياً متعدد الأبعاد.
الفنان التشكيلي إبراهيم برغود رئيس نادي الفن لأجل الحرية
ويحظى مهرجان الربيع الثالث بمشاركة نخبة من الفنانين التشكيليين العرب والأجانب، من بينهم الفنان التشكيلي والصحافي العراقي كريم سعدون، والفنانة الفرنسية Muriel Maaşın، والفنان البولندي Stanisław Śledziński، والفنانة الإسبانية Véronique Besançon، والفنانة السورية النمساوية Kreayem Maria Awad، إضافة إلى الفنانة البلجيكية Rose Bracke، والنمساوية Monika Morris، والفنان البوسني Dead Eric، والفنان المصري الفرنسي Abdelrazek Okasha، إلى جانب أسماء فنية أخرى تسهم في إغناء المشهد البصري للمهرجان، عبر أعمال تحمل رؤى جمالية وإنسانية متعددة.
الفنان التشكيلي كريم سعدون
وتمنح هذه المشاركات المهرجان بعداً خاصاً، إذ لا يجتمع الفنانون هنا لمجرد عرض أعمالهم، بل ليقدّم كل واحد منهم جزءاً من ذاكرته، ومن رؤيته للعالم، ومن علاقته الخاصة باللون والموسيقى والإنسان. فكل لوحة تحمل حكاية، وكل عمل فني يفتح باباً على تجربة داخلية، وكل مشاركة تضيف إلى المشهد العام طبقة جديدة من المعنى. ومن خلال هذا التلاقي، يصبح المهرجان مساحة حقيقية للحوار بين الإبداع الشخصي والذاكرة الجمعية، وبين الهوية الفردية والانتماء الإنساني الواسع.
الفنانون التشكيليون المشاركون في مهرجان فيينا الدولي للفنون
إن مهرجان الربيع الثالث في فيينا يمثل منصة ثقافية تسعى إلى ترسيخ قيم الانفتاح والتعايش والسلام، عبر الفن والموسيقى والتشكيل. وهو يذكّرنا بأن الإبداع ليس ترفاً، بل حاجة إنسانية عميقة، وأن المجتمعات التي تمنح الفن مكانته إنما تمنح الإنسان فرصة أوسع للتعبير عن ذاته، ولمداواة ما تتركه الحياة من قلق ووحدة وانكسار.
وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشادة بالجهود الكبيرة التي يبذلها القائمون على نادي «الفن لأجل الحرية»، لما يقومون به من عمل ثقافي وفني يستحق التقدير، خصوصاً في جمع هذه النخبة من الفنانين التشكيليين والموسيقيين العرب والأجانب في حدث واحد، يعكس صورة مشرقة عن الفن بوصفه رسالة إنسانية وحضارية.
ومن المنتظر أن يشكّل المهرجان فرصة مميزة للجمهور في فيينا للتعرّف إلى تجارب فنية متعددة، والاقتراب من ثقافات مختلفة، ضمن أجواء مليئة بالإبداع والتبادل الجمالي. كما سيكون مناسبة للقاء الفنانين والمهتمين بالشأن الثقافي، وفتح حوارات جديدة حول دور الفن في تعزيز قيم الحرية والسلام والتواصل بين الشعوب.
وتوجّه إدارة المهرجان الدعوة إلى الجمهور ومحبي الفنون والثقافة للمشاركة في هذه الفعالية، وحضور لحظات فنية استثنائية لا تُنسى، حيث تلتقي الألوان بالأصوات، واللوحات بالموسيقى، والتجارب الفردية بروح الجماعة، في احتفال ربيعي يليق بمدينة فيينا، وبجمهورها المتذوّق للفن والجمال.
جانب مهرجان فيينا للفنون في العام الماضي 2025

