أمكنة

فيينا .. مدينة الأحلام الأوروبية التي تناقلتها الأغاني

عاصمة نمساوية موطن الأوبرا والمتاحف والمهرجانات وأحلام المفكرين

*عاصمة الموسيقى والفن والذاكرة

*مدينة هادئة لا تنقطع فيها مظاهر البهجة

*رغم كل ما طال فيينا من حداثة وتحولات، فهي لا تزال وفية لذاكرتها متمسكة بعادات تشبهها وتشبه ناسها

*فيينا كانت ولا تزال مدينة الأحلام الأوروبية، لم يكن ينافسها في هذا التصور الرومانسي غير باريس في الغرب

عبد الكريم البليخ

هناك مدن يصلنا سحرها قبل أن نعرفها حتى أو نزورها، إنها تتموقع في الوجدان الجمعي والحكايات والأغاني مثل الأساطير التي تتناقلها الأجيال، وفيينا من تلك المدن حتماً، ومن منا لا يتردد في روحه الأنس كلما سمع اسم فيينا وتخيلها كأنها نوتة موسيقية يذوب عنها الثلج.

يعكس إنسان مدينة فيينا، عاصمة النمسا، في تفاصيل سلوكه اليومي ملامح الاختيار النمساوي الذي تشكّل وعيه الحديث منذ عام 1955، وهو اختيار يقترب اليوم من عقده السابع، وقد رسخ حضوره في الوجدان الجمعي كما ترسّخ في أنماط العيش والتفكير. وليس هذا الاختيار مجرّد قرار سياسي عابر، بل هو مسار حضاري طويل انعكست آثاره بوضوح على علاقة الإنسان بالمكان، وعلى أسلوب تعامله مع الآخر.

ويستبين زائر فيينا، منذ خطواته الأولى في شوارعها، صدى هذا الاختيار في رهافة السلوك الإنساني، وفي بساطة التعامل التي تخفي خلفها وعياً عميقاً بعالمية التفكير واتساع الأفق. فهو وعيٌ يتجلّى في حركة الحياة السياسية والاقتصادية، كما يتجسّد في حيوية المشهد الثقافي والفني، حيث تتوالى الندوات والمعارض والمهرجانات والاحتفالات والأعياد على مدار العام، بوصفها تعبيراً حيّاً عن مجتمع يرى في الثقافة والفن ركيزتين أساسيتين لصياغة هويته الحديثة.

هكذا تبدو فيينا مدينةً اختارت طريقها بوعي، فصاغت إنسانها على صورة هذا الاختيار؛ إنساناً يوازن بين العقلانية والانفتاح، وبين احترام الجذور والقدرة على مخاطبة العالم بلغة مشتركة، جعلت من المدينة فضاءً إنسانياً نابضاً بالحياة، لا يكتفي بأن يكون عاصمةً لدولة، بل نموذجاً حضارياً يتجدّد مع الزمن.

ليالي فيينا الهادئة

إنَّ وعي الشاعر الغنائي العربي الذي وضع منذ ما يقرب من نصف قرن أغنية لأسمهان تحمل اسم (ليال الأنْس في فيينا)، هو وعي مبكر بالحياة الخاصة لهذه العاصمة الهادئة التي لا تنقطع فيها مظاهر البهجة، لكن دون صخب أو ضجيج. وليالي فيينا لا تنقطع على مدى السنة لكنها تزداد بريقاَ مع تقدم الربيع والصيف.

وتشهد فيينا في كل عام أعداد من الزوّار يُمثلون أغلب قارات العالم، ويزيد عددهم في شهور الذروة عن نصف عدد سكان فيينا إلى نحو مليوني نسمة، ومع سيادة اللغة الألمانية ـ لغة الشارع النمساوي، ولغة الحديث للسكان ـ إلّا أنَّ فيينا، وبحكم إمكاناتها السياحية تَحظى بنسبة ضخمة ممن يتحدثون اللغات الأخرى مثل الإنكليزية، الفرنسية، الايطالية، التركية، الاسبانية، الروسية، اليابانية، وأيضاً اللغة العربية التي وضح الاهتمام بها منذ افتتاح المركز الإسلامي في فيينا وقيام مدرسة خاصة بتعليم اللغة العربية للمسلمين في النمسا، وأيضاً لمن يرغب من سكان مدينة فيينا، فضلاً عن احتضان النمسا لعشرات الآلاف من اللاجئين العرب وغيرهم.

ولا يعادل رقّة التعامل التي تبدو على النمساوي في علاقاته بالزائر الأجنبي غير رقّة جيرانه في حوض الدانوب من سكان بودابست وبلغراد والجار السويسري. ورقّة وأدب النمساوي تبدو في أسلوب التعامل المكتبي، وفي تعاملات المرافق العامّة من إجراءات الجوازات والجمارك واستخدامات الهاتف والبريد والسكك الحديدية والطيران، والانتقال بالسيارات، وأيضاً في المطاعم والأسواق والمحال التجارية.

 لكن ضغط الزوار على مدينة فيينا وعدم قدرة الطاقة الفندقية بها على استيعاب أعداد الزوار، في أيام الذروة، بجانب غلظة بعض هؤلاء الزوّار وتصرفات بعضهم ممن لا يحترمون العُرف الإنساني السائد تجعل سلوك بعض موظفي الاستقبال في الفنادق، وبعض المرافق ليس على نفس درجة الرقّة والتهذيب البادية على شخصية الإنسان العام في أغلب مجالات التعامل، خاصة الأدب الجمّ الذي يلحظه الزائر على سلوك موظفي المصارف (البنوك)، والذي يبدو انتشارها في العاصمة النمساوية مؤشراً هاماً يوضح طبيعة المظهر الغالب على النشاط الاقتصادي في العاصمة التي تلعب دور الوسيط الناجح في حركة تشغيل رءوس الأموال في أوربا والشرق الأوسط، بجانب دورها في دورة الاستيراد والتصدير كهمزة وصل بين الشرق والغرب.

ويتمّيز الشارع النمساوي أيضاً بالوقار والاحترام النسبي مقارنة بالعواصم الغربية الأخرى.. فرغم السماح ببيع الكتب والمجلات التي تتناول كل الموضوعات في حرية كاملة إلّا أنّ هناك سلوكاً محترماً تلحظه ويبدو في عرض هذه السلع على الجمهور وبحيث لا تخدش الحياء العام.

سلوكيات إنسان فيينا لا تظهر فقط في هذا الجانب من جوانب التعامل الإنساني لكنها تبدو أيضاً في مشاعر التكامل والتعاطف التي نسميها بلغتنا العربية (مشاعر الشَفقة)، وهذه المشاعر تبدو في ميل النمساوي لكي يكون دليلاً للأجنبي في أثناء حاجته إلى معرفة عنوان أو مكان يقصده فيقدم له هذه الخدمة بمنتهى اللطف والود.

 ولا يكتفي بأن يكون المرشد له في البحث عن المكان المستهدف، لكنه يعرض عليه أن يكون مرشداً له بقدر المعلومات التي تفيده كأن يشرح له أن قسيمة ركوب الترام والمترو والباص وقدرها مئتان وأربعون سنتاً، والمائة سنت تعادل واحد يورو، تصلك للاستعمال عدّة مرات خلال ساعتين من الاستعمال، وينصحك النمساوي في حرص بأن تكون اقتصادياً كي تستفيد بهذه الصلاحيات ولا تلقي بالتذكرة بعد أوّل استعمال لها.

هذا نموذج من عشرات النماذج التي توضّح أنَّ الإنسان النمساوي في فيينا يتمتع بصفات الانتظام والدقّة والنظافة، وإيقاع الحياة الغربي السريع وكيفية إغرائك لتخرج كل ما في جيبك عن رضا لتشتري السلع والخدمات التي يعرضها.

والاختيار النمساوي للفلسفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي ارتضاها المجتمع خلال ربع القرن الأخير ينعكس أيضاً على طرق تفكير الناس وأسلوب فهمهم للمتغيرات والأوضاع الفكرية التي يمرّ بها العالم بصفة عامة والنمسا بصفة خاصة.

حرية الصحافة النمساوية

 إذا ما تأملت أي منبر صحافي من بين 22 صحيفة يومية تصدر في النمسا منها 6 صحف تصدر في النمسا بجانب 45 مجلة أسبوعية وشهرية فإنها توزع في مجموعها ثلاثة ملايين نسخة في بلد تعداد سكانه يقترب من الملايين التسعة، وأهم الصحف والمجلات في النمسا (كرونين سايتونغ) ـ (كورير)، (بريسة)، (شتاندرد)، (اوسترايخ) فضلاً عن الراديو والتلفزيون، أبرز وسائل التعبير عن الرأي العام.

 وضع هذه الأجهزة القانوني أنها وسائل تعبير مستقلة عن الدوائر الحكومية لا تتحيز لأي من الأحزاب القائمة، وهي الحزب الاشتراكي المحافظ ـ حزب الاشتراكيين الديمقراطي، حزب الخضر، حزب الحرية اليميني الشعبوي، وحزب نيوس، ولكنها تخضع في تمويلها لسلطة الدولة. أما وضع الصحف والمجلات فله أيضاً حصانات دستورية توضح حدود الحرية التي تتمتع بها والصحف والمجلات تقوم دون ترخيص من الدولة أو تبعية لها، ولكنها مع ذلك تخصص لها من ميزانيتها السنوية مبلغ تدعيما للنشاط الصحافي في مجالات الإعلام الثقافي والاقتصادي.

ومدينة فيينا يحدّها سهل الدانوب، ومنخفضات متدرجة من مرتفعات الألب تجعلها في موقع يربط أهم الطرق التي تصل الغرب الأوربي بالشرق الأوربي. وفيينا عاصمة النمسا وعاصمة أقاليمها الاتحادية التسعة، وهي همزة الوصل بين الاتجاهات الأربعة في قلب أوربا. ويعود تاريخ المدينة إلى عهد الإمبراطورية الرومانية في زمن الإمبراطور أوغسطس الذي أقام معسكراً قرب فيينا الحالية ظل مركزاً للحكم في المنطقة نحو 400 عام.

في منتصف القرن التاسع عشر هدمت أسوار المدينة التاريخية من أجل توسيع رقعتها وأقيم شارع الرينغ، وهو يعطي نفس المعنى باللغة العربية (الدِبْلة)، أو (الخَاتم)، أي معنى الشارع الدائري حول المدينة وقد أقيم هذا الشارع لتقوم حوله أعداد ضخمة من الحدائق والمساحات الخضراء والقصور والمباني التي تعد أبرزها ما في الفن الذي ينتمي للطراز الباروكي، وطراز (الجوجندستيل)، أي طراز الفن الحديث.

ولقد شهدت فيينا أصعب السنوات في القرن العشرين عندما مات الأرشيدوق فرانسوا جوزيف الأول أثناء الحرب العالمية الأولى وانتهى  بموته حكم سلالة هابسبورغ وقامت الجمهورية النمساوية الأولى في عام 1918، ولكن ألمانيا النازية ضمّت إليها النمسا في عام 1938 بحجّة أنّها أراض ألمانية يتحدث سكانها اللغة الألمانية.

ومن المعروف أنّ أدولف هتلر فشل في الالتحاق بأكاديمية الفنون في فيينا لدراسة الفنون الجميلة وحيث رسب في امتحان القدرات.

وفي عام 1945 لم يتم تقرير مصير النمسا حتى تم ذلك في عام 1955 متأخراً عشر سنوات على نهاية الحرب العالمية الثانية وتم هذا بمقتضى اتفاق الدول الكبرى (الحلفاء) على ضمان حياد النمسا.

والنمسا من خلال المنظور البانورامي تقدم في شكلها المعماري الحالي صورة لآثار تلك السنوات السابقة تبدو في معالم فيينا المعمارية مثل كاتدرائية سانت استيفنس (سان اتيان)، وكنيسة سان شارل، وكنيسة الكابوسين، كما أنها تمثل خلاصة عطاء الإنسان النمساوي على مدى سنوات قرون طويلة تلمّس فيها آثار العصر الروماني الحجرية وترى ملامح العمارة القوطية والباروكية في القصور والتماثيل والحدائق والمقاهي مثل: قصر شنبورون، وقصر هوفبورغ الملكي، وحديقة فلكس جاردن بجانب المتاحف، والأوبرا، وقاعات الموسيقى التي صدحت فيها ألحان موتسارت، وليست وهايدن وبتهوفن وشوبيرت وبرامز وشتراوس وزولتان كوادي وغيرهم، والتي وضعت في فيينا وامتزجت بعطائها الحضاري عبر السنين.

الفروسية وأحلام المفكرين

للفروسية في فيينا قصة تجعل النمساويين يطلقون على مدرستهم للفروسية تسمية المدرسة الاسبانية فهي تعود إلى تزويد قصور أسرة هايسبورغ الإمبراطورية بالخيول الأصيلة القادمة من البلاط الملكي الأسباني، وهي خيول عربية أصيلة تعود سلالاتها إلى أيام الأندلس وتسمى خيول (ليبيزان)، ويعود بناء مدرسة الفروسية الى عام 1728، وهي مدرسة  لتعليم فنون الفروسية التقليدية ويمثل استعراضها التقليدي أحد المظاهر السياحية المميزة لمدينة فيينا حتى هذه السنوات.

وتعتبر زيارة مدرسة الفروسية الاسبانية نشاطاً هاماً يقوم به السائح فى فيينا، و هى من المعالم السياحية التى يشيد بها أغلب زوار فيينا الذين يستمتعون بمشاهدة الاحصنة و العروض الجميلة على موسيقى عصر النهضة  الكلاسيكية  و تقع مدرسة الفروسية الاسبانية ما بين شارع ميشيلير بلاتز، وجوزيفز بلاتز بالقرب من قصر هوفبورج بوسط مدينة فيينا.

تفتح المدرسة أبوابها للزوار لمشاهدة التمارين الصباحية للأحصنة، كما تقيم عروض الفروسية بشكل مستمر، ويمكن للزوّار أيضاً التجول في جولات سياحية داخل المدرسة لمشاهدة الغرف التاريخية والتعرف على المدرسة و مشاهدة الإسطبلات وأحصنة (ليبيزان)، عن قرب فهي أحصنة رائعة الجمال.

ويؤدى الفرسان عروض الفروسية في مدرسة الفروسية الشتوية و التي بنيت ما بين عامي 1729 و1735 وهى قاعة مغمورة باشعة الشمس لونها أبيض يتخلله بعض اللون الرصاصي، و بها بورتريه للإمبراطور تشارلز الخامس تقع مقابل المدخل.

وعلى مقربة من مدرسة الفروسية المسمّاة (المدرسة الأسبانية) يبدو مبنى المكتبة الوطنية الذي يضمّ مخطوطات وكتباً نادرة يعود معظمها إلى عام إنشاء المكتبة في عام 1723  على يد فيشر فون ايرلاخ بعد أن أكمل المشروعات والخطط التي وضعها والده لإنشاء هذه المكتبة الهامة.

وفيينا كانت ولا تزال مدينة الأحلام الأوربية. لم يكن ينافسها في هذا التصور الرومانسي غير باريس في الغرب، وبودابست توأمها على نهر الدانوب، ومظاهر الحلم في فيينا تبدو في أكثر من لون تشكل ألوان الطيف الحالمة بداية من دار الأوبرا المركز الموسيقي العتيد وحيث كانت فيينا مصدر الهام عدد كبير من قادة الفكر الموسيقي العالمي، بل أن السياسيين والنبلاء في فيينا انشغلوا أيضاً بالموسيقى، فقد ألف الإمبراطور ليوبولد الأول عدة أوبريتات بجانب مقطوعات موسيقية.

متاحف فيينا المفتوحة

وعندما يتقاطع شارع الرينغشتراسه، أشهر شوارع فيينا مع ميدان الأوبرا يظهر للزائر شارع (كارنتنر) أبرز شوارع فيينا اجتذاباً للناس والزوّار وهو الشارع الذي نجد فيه أهم المطاعم، المقاهي، دور السينما، المكتبات العامة، محلات بيع الحلوى، الملابس، الصحف والمجلات، وهو شارع لا يسمح فيه بعبور السيارات، وهو مخصص للمارة فقط من المشاة ممن يتجولون سيراً على الأقدام، فضلا عن شارعي (فافوريتن، الذي يقع في الحي العشر،  وماريّا هيلفر، في الحي السادس)، وغيرها.

وبالقرب من شارع كارنتنر نجد أسفل الرينغ المتقاطع معه وفي مواجهة بيت الأوبرا مدينة كاملة تقود إلى محطات (المترو) تحت الأرض، وفي هذا الطريق عدد كبير من المقاهي والمحلات والمطاعم كما أنّه موقع هام لأنصار الحرية وحقوق الإنسان والمطالب الفكرية ممن يجدون بغيتهم في المجتمع النمساوي المنفتح على العالم.

وينتهي هذا الطريق تحت الأرض صاعداً فوق الأرض إلى ميدان كبير به فندق (ساشير) الذي يعد تراثاً تاريخياً هاماً وحيث كان قبيل الحرب العالمية الأولى ملتقى المهتمين بالفكر والثقافة وأصحاب المواهب من الشعراء والأدباء والكتاب والصحافيين والفنانين وأبناء الطبقة الارستقراطية في ظل الإمبراطورية النمساوية ـ المجرية ولا تزال القاعة الضخمة في هذا المكان تعتبر موقعاً طبيعياً لتصوير الأفلام السينمائية والأعمال التلفزيونية التي تتعرض لتاريخ العالم قبل الحرب.

 ومن هذه الأعمال التي صورت في قاعة فندق (ساشير) وفندق (امبريال) فيلم (مايرلينج) الذي لعب بطولته الممثل العالمي عمر الشريف أمام النجمة الأميركية أفا جاردنر.

ويعتبر مبنى البرلمان أهم ما في شارع الرينغ من المعالم وقد بناه في عام 1883 المهندس الدانمركي ت، هانين الذي درس العمارة في الجامعات اليونانية ولذلك بناه على الطراز الإغريقي. 

والمتاحف في فيينا عديدة أهمها: متحف الفنون الجميلة الذي يضم مجموعات التصوير والنحت والحفر في الطابق الأول، ثم متحف النقود والعملات في الطابق الثاني، ويضم 91 صالة تمتد بطول 4 كيلو مترات، وتضمّ أكبر حشد من عملات العالم منذ بداية معرفة البشرية لنظام التعامل النقدي وحتى العصر الحديث. ويصل مجموع هذه القطع النادرة إلى حوالي 480 ألف قطعة ثمينة.

وفي مجال الفن التشكيلي تضمّ مقتنيات المتحف أبرز أعمال الفنان الهولندي برويجل ولوحة (شمشون ودليلة) للفنان فان إيك، ولوحة (ديانا) للفنان تيستان، ولوحة (الطفلة مرجريت) للفنان فالاسكيز ولوحة (هيلين)، ولوحة (البكاء على المسيح) للفنان ـ روبينز بجانب أعمال عديدة للفنانين رافائيل ورمبرانت وكرانش وغيرهم.

وإلى جانب متحف الفنون الجميلة نجد في فيينا متاحف عديدة لا بد أن تقودك قدماك إليها إذا كنت من عشّاق التعرّف على تطور التاريخ الإنساني، فهناك متحف الساعات، ومتحف الجيش، ومتحف التكنولوجيا، ومتحف السلالات، ومتحف المركبات والعربات، والمتحف الزراعي، ومتحف زراعة العنب (الكروم)، ومتحف البرتينا الذي يضمّ مقتنيات الأميرة (أوجين دي سافو)، وهو من أشهر عشّاق جمع تراث الإبداع الإنساني في مجالات الفنون التشكيلية.

وبجانب المتاحف المغلقة والمتخصصة هناك متاحف مفتوحة، هي ميادين وشوارع فيينا حيث تنتشر التماثيل والنصب التذكارية والتي تعد من أبرز أعمال النحت مثل: تمثال المارشال (راديتسكي) القائد العسكري الذي أهداه الموسيقار شتراوس الأب موتسارت في حدائق هوفبورغ، والمسلة التي تزيّن مدخل مسرح فيينا، وتمثال الموسيقار شتراوس الابن، والنصب التذكاري للقضاء على الطاعون الذي هدد سكان فيينا في القرن الثامن عشر، وهو موجود في بداية شارع غرابن الذي يعتبر أحد وأشهر شوارع قلب فيينا.

والجامعة القديمة ومبنى البلدية الـ (رات هاوس) من أهم معالم فيينا المعمارية، وقد صمّم مبنى الجامعة المهندس فيرستل، والتي تم بنائها ما بين عامي 1874 ـ 1883، وهي غير مباني الجامعة الأخرى التي أسسها وولف الرابع.

أوبرا فيينا الخالدة

في مدينة فيينا عدد كبير من المسارح أبرزها دار الأوبرا، ومسرح البرجا، ومسرح الأكاديمية، ومسرح أندرفيين، والمسرح الصغير، ومسرح ستديو فاشماركت.

ويعد مسرح (البورجا)، أو الأوبرا الشعبية أهم مسرح يعرض الأعمال الدرامية التي تقدم باللغة الألمانية، وهي اللغة القومية للنمسا، وقد أسس هذا المسرح بإذن من الإمبراطورة ماريا تريزا ويخلّد المسرح أهم الكتّاب والشعراء الذين كتبوا النصوص المسرحية التي عرضت عليه من خلال تماثيل مقامة أمام واجهة المسرح الذي تعرّض للحريق في نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أعيد ترميمه وبنائه من جديد ما بين 1951 ـ 1955.

وما حدث لمسرح البورجا حدث أيضاً لدار الأوبرا التي تعرضت للقصف في مارس 1945 فاحترقت ولم يبقَ منها سوى الصالة والشرفة، ولذلك أعيد بنائها ما بين عام 1945ـ 1948 وعادت للعمل مع استقرار النمسا وإعلان استقلالها وحيادها في عام 1955 بعرض رائعة بتهوفن (فيديلليو).

تستوعب دار أوبرا فيينا 2200 متفرج بجانب المكان المخصص لمائة وعشرين موسيقي من أفراد الاوركسترا، وعدد من القاعات لإجراء بروفات البالية والموسيقى والتعبير الدرامي. وبدار أوبرا فيينا 9 مراكز للالتقاط والتصوير التلفيزيوني وعدد 50 ميكرفون للتسجيل الصوتي الإذاعي، ويعادل استهلاك دار أوبرا فيينا قدر ما تستهلكه مدينة صغيرة يقيم بها 30 ألف شخص من استهلاك للكهرباء في الإضاءة والتشغيل.

وعشاق الموسيقى لهم قاعة شهيرة في فيينا تسمى قاعة الكونسيرت تشرف عليها جمعية أصدقاء الموسيقى التي تتولى تنظيم حفلات الكونسير والأمسيات الموسيقية. 

والموسيقى في فيينا ليست هي فقط الموسيقى الكلاسيكية وموسيقى الأوبرا والباليه والأعمال الدرامية الكبيرة، لكنها أيضاً الموسيقى الشعبية التي تصدح في الحدائق العامة في أيام العطلات وحيث تستمع إلى موسيقى المؤلف النمساوي (شراميل) التي تشعر عند سماعها بمشاعر البهجة التي تنطلق من عزف رباعي الكمان والجيتار والأكورديون وآلات النفخ النحاسية.

وفيينا تعيش في مهرجانات على مدى أيّام العام، وهناك المهرجان المسمى باسمها والذي يقام منذ عام 1950 خلال شهري مايو ويونيو، وهو مهرجان عالمي يضمّ فنون المسرح المختلفة، ويصل متوسط من يحضرون عروضه إلى حوالي 50 ألف شخص، وهو غير موسم الكونسير الصيفي الذي تبدأ عروضه في أخريات يونيو / حزيران، وحتى منتصف سبتمبر/ أيلول وتقام عروضه في قاعة المدينة، وفي حدائق قصر (شونبرون)، ويصل عدد رواده إلى حوالي 70 ألف شخص، 80% منهم من الأجانب.

 ويقام في المدينة أيضاً المهرجان العالمي لدراما الشباب، وقد بدأ نشاطاته منذ عام 1978 وهو يقدم عروضه للهواة من المؤلفين والممثلين والفنانين، وهناك مهرجانات أخرى متنوّعة منها مهرجان الموسيقى النمساوية الحديثة والمعاصرة والذي بدأ منذ عام 1966، ومهرجان موسيقى الشباب الذي بدأ منذ عام 1971، ثم مهرجان (فينالي)، وهو مهرجان سينمائي بدأ في عام 1958 ويستمر انعقاده على مدى أسبوع في منتصف نوفمبر من كل عام وهو غير مهرجان وارس للسينما والتلفزيون الذي يقام منذ عام 1980 ويقدم إبداعات شباب الشاشتين الصغيرة والكبيرة في مجالات الإبداع الفني المختلفة.

فيينا مدينة متفردة

على الرغم من كل ما طال فيينا من حداثةٍ وتحوّلات، لا تزال هذه المدينة وفيّةً لذاكرتها القديمة، متمسّكة بعاداتٍ تشبهها وتُشبه ناسها. فأهلها ما زالوا يقصدون مقاهي “الهيوريجين” الواقعة على تخوم المدينة، حيث للنبيذ مذاق الحكايات، وللجلسات نكهة الريف القريب. كما يرتادون مطاعم “جريشبيزل” العتيقة، التي تحيط بها متاجر صغيرة لتجّارٍ تنحدر أصولهم من ضفاف المتوسط، يونانيين وإيطاليين وأتراك، في مشهدٍ يعكس تمازج الثقافات وتعايشها الهادئ.

وفي قلب فيينا، تتوسّط مكتبة “تاليا” شارع “ماريا هيلفر”، أحد الشوارع الكبرى المخصّصة للمشاة، حيث تمضي الخطى بطمأنينة بين واجهات الكتب وضجيج الحياة الهادئ. غير بعيدٍ عنها، ينبض سوق “ناشماركت” بروحٍ مختلفة؛ سوقٌ تتجاور فيه الملابس المستعملة مع التحف القديمة، وتتمازج فيه روائح الطعام مع عبق الأزمنة الماضية.

ومن ملامح فيينا الشعبية البارزة، تبرز مدينة “براتر” الترفيهية، التي وُلدت مع أول معرض دولي احتضنته فيينا عام 1897. هناك، تمتد المغريات في أكثر من مئتين وخمسين عامل جذب، تتوّجها عجلة فيريس العملاقة، التي ترتفع بالزائر إلى علوٍّ يكشف المدينة في مشهدٍ بانوراميّ يأسر العين ويحرّك الخيال. وفي ميدان “ريزينراد” بلاتس، تحتضن الحديقة كابينة تماثيل الشمع الخاصة بـ مدام توسو، حيث تصطف وجوه خمسةٍ وستين شخصية شهيرة في صمتٍ يشبه الخلود.

هكذا تبدو فيينا توليفةً متقنة التأثير في وجدان من يزورها؛ مدينة تُحسن الموازنة بين صون تراث الماضي، والتطلّع الواثق إلى المستقبل، مطمئنةً إلى مسيرة تحديث لا تقطع وشائجها مع الجذور. وحين تغيب عن النظر، يبقى في الأذن صدى ألحانٍ خالدة خرجت من رحمها أو عبّرت عن روحها، كفالس الدانوب الأزرق لشتراوس، الذي لا يزال ينساب في الذاكرة كما ينساب النهر.

وتظل فيينا، بين مدنٍ كثيرةٍ جميلة، حالةً خاصة، لأنها نموذجٌ مكتمل الملامح لاختيارٍ واعٍ صنعه أهلها، ولحضورٍ عميقٍ للثقافة والمثقفين في صياغة حياتها، حتى غدت مدينةً لا تُزار فحسب، بل تُعاش وتُحسّ وتُحبّ.

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى