Site icon المزمار العربي

في روايته 1984 انتبه! الأخ الأكبر يراقبك في كل مكان!

د. موسى رحوم عباس

جورج أورويل، في روايته ،1984 واسمه الحقيقي إيرك آرثر بلير (1903- 1950) قرأتُها بترجمة حازم حامد سلامة، الطبعة الثالثة، الصَّادرة عن دار الأهليَّة للنشر، عمَّان، 2018 ، يقول فيها واصفاً كيف يحول الحزبُ الشُّموليُّ الأجيالَ إلى عبيدٍ، وقَتَلة، لا يعترضون على أيِّ أمر.

ظاهرة الطفل البطل

“والأطفال جميعاً قد يصبحون مُرعبين في هذه الأيام، والأسوأ من هذا كله هو أن تلك المنظمات، كمنظمة الجواسيس مثلاً، تحوِّلهم تحويلاً منهجياً إلى متوحِّشين صغار لا سبيل إلى ضبطهم، وهذا قد يخلق لديهم حالة ممنهجة لقتل أي ميلٍ عندهم إلى التَّمرد ضدَّ نظام الحزب على الإطلاق! بل على العكس من ذلك، ربّما يتحولون إلى عبيد للحزب، ولكل ما له علاقة به؛ الأغاني والمواكب والرَّايات والرحلات والتدريب على النماذج الزَّائفة من البنادق، والهتاف بالشعارات، وعبادة الأخ الأكبر – الأخ الأكبر عبارة راجت في خمسينيات القرن الفارط دلالة على الزعيم وأجهزته المخابراتية – كان هذا كله نوعاً من لعبة عظيمة ممتعة بالنسبة إليهم، وكانت ضراوتهم كلها موجهة صوب الخارج، صوب أعداء الدولة، صوب الأجانب والخونة والمخربين… ولهذا سبب وجيه حقاً لأنه لا يمر أسبوع واحد من غير أن تنشر صحيفة التايمز مقطعاً يصف كيف سمع طفلٌ متلصِّصٌ متنصتٌ كانوا يسمونه عادة “الطفل البطل” وقد وشى بوالديه إلى شرطة الفكر – أي المخابرات – …”.

لو عرفتَ أنَّ هذا التوصيف جرى في العام 1948 في رواية عكس كاتبها الأرقام فصارت 1984 ومات بعد سنتين من بداية كتابتها، وبضعة أشهر من صدورها، كما أخبرني الدكتور موسى الحالول أستاذ الأدب المقارن والمترجم المعروف. ماذا يمكن أن تقول عنه، عبقري، مشعوذ، …! كأنَّه يتحدث عن بلادنا، عن البعث، والطلائع، والشبيبة، والمظلِّيين، وبالتالي عن الأخ الأكبر وابنه! هل أدركنا أنَّ الكلمة أبقى من القنبلة، وأقوى من الجلاد!

هل البشر يتبخَّرون؟

الناس في حكم “الأخ الأكبر” صاروا مخبرين على بعضهم، وجواسيس حتى الأطفال، وهم يفخرون بذلك! واخترعوا للدلالة على التغييب القسري والإعدام لشخص ما كلمة” تبخَّر” هذا في لندن.

 لو اقترضنا منهم هذا المصطلح، نجد أن السُّوريين الذين “تبخَّروا” في ظلِّ الديكتاتور الفار وأبيه، ربما نافوا على المليون روح.

إعادة كتابة التاريخ، تزوير أم تصحيح!

شكَّل “الأخ الأكبر” مجموعاتٍ متخصصةً لتزوير التَّاريخ، وسمَّى ذلك تصحيحاً للذاكرة، ولا أدري من أين جاء السيد أورويل بهذه “الحركة التصحيحية” وقد ظننتُها مُنْتجاً بعثياً، أسدياً خالصاً، لكنَّني كنتُ مخطئاً؛ فقد سبق لهذا العبقري الإنكليزي صك هذا المصطلح قبل الديكتاتور الأب بأكثر من عشرين سنة، وظيفة هذه المجموعات هي العودة إلى كلِّ الوثائق والصحف والكتب الصادرة في بلاد “الأخ الأكبر” وشطب كل عبارة، أو رقم، أو نسبة لا تتطابق مع تنبؤات الزعيم، وأن تستبدل بها عبارات منقحة، ومصححة، ومتوافقة مع فيوضات إلهامه، وتقوم بإعدام النُّسخ الأصليَّة؛ لتحلَّ محلها المزورة، وهكذا تكون هي المرجع التاريخي لأيِّ دارس، إنَّها ذاكرة مزوَّرة تماماً، تلمِّع شخصية ” الأخ الأكبر” الفذَّة، وتسبغ عليه نبوءة لا تخيب.

تدمير اللغة مقدمة لتدمير الفكر

من ضمن مهام لجان التَّصحيح إعادة إنتاج لغة خاصة بعهد “الأخ الأكبر” يقول عضو إحدى اللجان: “نحن ندمِّر الكلمات، كل يوم يجري تدمير عشرات الكلمات، بل مئات الكلمات، إننا نسلخ اللغة حتى عظامها…” ص 87، ويكمل بعد صفحتين، سوف تتناقص الكلمات عاماً بعد عام، مثلما يتناقص الوعي والإدراك شيئاً بعد شيء! بل إنَّ جريمة الفكر {جريمة الرأي} ما عادت سبباً أو عذراً يُبرر اقترافها، حتى وقتنا هذا، صار الأمر متعلقاً بالانضباط الذَّاتي، وصار نوعاً من الضَّبط يفرضه المرء على واقعه” ص 89 إنَّه يتحدث عن تدمير منهجي للغة، عبر تحويل المفردات إلى اختصارات يحفظها الناس دون تفكير، مثل “إشتنج” أي اشتراكية إنجلترا “وزفرة” أي وزارة الوفرة…الخ وهكذا تفقد اللغة حمولتها الفكرية.

هذا يذكرنا باللغة السائدة في سنوات القهر السُّوري، من مثل: ” ع/ط التسلسل، نفِّذوا أصولاً، م/ م ، 215، 279، …الخ” أصبحت الأرقام مثيرة للرُّعب والرَّهبة، وتكفي لعدم النطق بأوكار المخابرات وعناوينها الجغرافية الواقعية، وانتقل الرَّقيب من الواقع إلى دواخلنا، فصار لكلٍّ منَّا رقيبه القابع في تلافيف مُخِّه، وعصبونات دماغه، يمنعه من الكلام، كما يمنعه من الاحتجاج، ويقوم ب” فلترة” عباراته كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً.

حصتك من الطَّعام وحصتك من الوطن

يقوم “الأخ الأكبر” بإحصاء المواد الضَّرورية للناس، ويضع جدولا زمنياً دقيقاً لإخفائها عن الأسواق بالترتيب، تبدأ بالخبز، وتمرُّ بالشاي والقهوة وصولاً إلى شفرات الحلاقة، وحتى مخصصات الفرد من الشوكولا ترفع مرة بضعة غرامات، وتُخَفّض للنصف مرة أخرى، ويتم التلاعب بها طيلة العام؛ ليصبح مدارتفكير النَّاس وبحثهم الدَّائم عن المادة المفقودة، وعندما تتوفر تبدأ الصحف والإذاعات بالإشادة بخطط ” الأخ الأكبر” ونجاحه في تأمين حاجات المواطنين.

 لم أستطع منع نفسي من تذكر سنوات الثمانينيات، وما تلاها، حيث كنَّا نلهث طوال الشَّهر لأخذ حصتنا من الرز والقهوة والدخان، بل من علب المناديل، وفوط الأطفال… وأتذكر تلك الطوابير الطويلة أمام مؤسسات الحكومة، وبيدنا تلك البطاقات التي بهت لونها من كثرة تداولها وتعرق أيدينا عليها، حتى السَّجائر مقنَّنة ومحسوبة، كم عدد ما يجب عليك تدخينه يومياً!

هؤلاء ليسوا من البشر

“إن أبناء العوام ليسوا من البشر! وأما عندما يأتي عام 2050 أو قبل ذلك فسوف تكون معرفة الناس الحقيقية باللغة القديمة قد انتهت، وسيكون التراث الأدبي القديم قد باد كله، وأما أعمال تشومر، وملتون، وشكسبير، وبايرون … فلن تكون موجودة إلا عبر ترجماتها باللغة الجديدة” ص 89 أي ستكون عبارة عن مختصرات خالية من الروح، ولن يلقي أحدٌ لها بالا.

دقيقتا الكراهية

اخترع “الأخ الأكبر” شاشة كبيرة تراقب كلَّ موظف حكومي، وربما تزرع في غير المؤسسات الرسمية، تدقق في قسمات وجهه أثناء سماع أخبار الإنجازات” العظيمة” للقيادة، وخصص وقتاً يومياً أطلق عليه مسمى” دقيقتا الكراهية” تعرض الشاشة صورة لأحد المعارضين أو المنتقدين، وعلى المشاهد أن يظهر كرهه وامتعاضه الشَّديد والويل له إن رصدته الكاميرا غير مبال، أو ندَّت عنه نأمة سخرية، فإنه “سيتبخَّر” حتماً.

 في طابور الصَّباح في المدارس السُّورية ساد طقس الكراهية هذا سنوات طويلة، يقوم الطلاب والمدرسون بلعن جماعة الإخوان المسلمين وعصابات المعارضين الإرهابيين … ويتسابق النَّاس في رفع الصَّوت و”الكزِّ” على مخارج الحروف تأكيداً على الولاء، وفي المسيرات المؤيدة لكلِّ خطوة للأخ الأكبر يتسابق المشاركون في تدبيج الأشعار والشعارات في لعن كلِّ مَنْ يناهض الزَّعيم، ويطالبون بسحقه ومحقه.

أنت في جنَّة التعليم

تقول الكتب المدرسية للأطفال إنهم يعيشون في جنَّة حقيقية، ويحدِّثونهم عن فترات ما قبل “الثورة المجيدة” عن الرأسمالي البشع الذي يجلد العامل المقصِّر، ويحرمه من الطعام، حتى الأحذية لم توفر لهم، كانوا حفاة مساكين…. ترى هل ثمَّة من يستطيع القول إننا مازلنا حُفاة جائعين منهوبين، وصفوفنا باردة بلا تدفئة، هل يستطيعون القول إنهم ملُّوا من الزيف والخداع وتشويه الذاكرة، هذا ما كنَّا نتجرع آلامه يوميا، يصبح الصَّمت وصفة للموت البطيء، وتفقد الحياة بهجتها، حتى الأيام تغدو حلقات في مسلسل “في انتظار الموت”.

متى تكون العائلة خطرا؟

لقد أوجد “الأخ الأكبر” فلسفة للجنس على أنه شيء تافه، وربَّما من بقايا الثقافة البرجوازية العفنة، وكوَّن اتحاداً للشبيبة الرَّافضين للجنس، صحيح إنه يريد من الرِّفاق والرَّفيقات في الحزب إنجاب رفاق جدد، لكن ذلك يجب ألا يرتبط بالمتعة، بل بالواجب؛ فالاهتمام يجب أن يبقى مرتبطاً بإنجازات الأخ الأكبر، وهذا تدمير لمفهوم العائلة، فأفرادها يقدمون ولاءهم للأخ الأكبر على أي شخص آخر بمن فيهم الأب والأم والزوج…

هذا شهدناه في بلادنا خلال خمسين سنة من حكم الطاغية وابنه؛ يذكر الناس كم من زوجة أوصلت زوجها للمشنقة، أو ابن اعتدى على أهله؛ ليثبت ولاءه للقائد والَّزعيم الأبدي، وأخ اعتقل إخوته؛ ليحصل على ترقية عسكرية! مأساة حقيقية، وكارثة سنعاني من عقابيلها سنين مديدة.

البصيرة ترى أبعد من البصر

آثرت العودة بشيء من التفصيل لهذه الرواية العظيمة، التي فكّكت النِّظام الشُّمولي، وفضحت الآليات “الميكانيزمات” التي يلجأ إليها لاستدامةِ تحكُّمِهِ بالنَّاس، واحتلال عقولهم ردحاً أطول من الزَّمن، بحيث يتحولون إلى قطيع يردِّد لغة خالية من اللُّغة، لغة خشبية مصنَّعة في فروع المخابرات التي تراقب كلَّ شيء من حفلة العرس العادية إلى مجموعة صغيرة يتحدثون حول مائدة مقهى بائس!

هذه الرواية التي تثبت إنَّ الكلمة الصادقة، والأدب الحقيقي المبدع أبقى من الطَّاغية، وأقوى من كلِّ وسائله الوحشية، وفيها الردُّ على مّنْ يُقلل من قيمة الأدب الحقيقي في حياتنا؛ فهو الحارس للذاكرة، وهو المنارة للأجيال المتطلعة للحرية، فالبصيرة ترى أبعد من البصر.

كاتب وروائي وشاعر سوري

Exit mobile version