قصة ــ أفلاطون النُّعيمي

د . موسى رحوم عباس

أفلاطون النُّعيمي اسم غريب، بل كان اسما مسليّاً ومضحكاً لنا، في كليَّة الفلسفة بجامعة دمشق، وقد تكون المرَّة الأولى التي تثبت الجامعة مثل هذا الاسم في كشوف أسماء طلابها، ذلك البدويُّ ذو الشَّعر المسترسل الفاحم السَّواد، واللِّحية الكثَّة، يزوي ما بين عينيه الصَّغيرتين، ويزمُّ شفتيه المُشقَّقتين جفافاً، المحروقتين تبغاً، كمن يتهيأ لقُبلة أولى في موعد أول، عندما يقترب من أحدنا في مقصف الكليَّة، يمدُّ يده المعروقة بأصابعها الطَّويلة والمُصْفرَّة من سيجارته التي لا تكاد تفارقها، ويهمس مُجبراً الآخر على الإنصات ومُعرِّفاً بنفسه، أفلاطون النُّعيمي، طَفَس، ويشير بيده إلى جهة الجنوب، وفي كلِّ مرَّة يسود الصَّمت برهة، تلتقي العيون المُشْرئبة، وكأنَّ الدَّهشة تغلق منافذ الكلام؛ فيلتقط الإشارة مستدركاً، نعم، صديقي! اسمي أفلاطون، وهو اسمٌ اكتسبتُه منذ الولادة، ولم تعطنيه كليَّة الفلسفة، منحنيه الوالد، ويهمس بصوت عذب، نعم، والدي الحاج سعد النُّعيمي المدرِّس المعروف في ثانوية طَفَس بدرعا جنوبيِّ البلاد، وفي كلِّ مرَّة تنفجر ضحكاتنا بركاناً من الأصوات المتداخلة يتردَّد صداها في المدرَّجات والحدائق، وينهمر شلالها ضوءاً عابراً للنوافذ والبوَّابات الحديديَّة الثَّقيلة؛ فينهرنا مَنْ يمرُّ من الأساتذة، أو أفراد اتِّحاد الطَّلبة الذين يتولون أمر ضبطنا ومراقبتنا حرصًا على مصلحتنا، كما يقولون، وحتى الحُرَّاس المسلَّحون على مداخل الجامعة. أفلاطون لا يتعامل مع الفلسفة على أنَّها شهادة جامعية، أو اختصاص يؤهله للوظيفة أوالعمل لاحقاً، لا، بل يعدُّها أسلوب حياة، يعيشها، يتنفسها، يقول مع شيء من السُّخرية، وربَّما المرارة، كلَّما خرجتُ من باب الكليَّة متوجهًا إلى مطعم ” المصري” للفول، أعبر تلك الجادَّة العريضة أمام فرع البنك التِّجاري السُّوري، وأنا أنحرف يساراً إلى ساحة المَرْجة، أقابل هناك أرسطو بخيلائه وغطرسته، وكأنَّه ما يزال في قصر الملك المقدوني ولدًا مُدلَّلاً، إيمانويل كانَتْ بمعطفه الأنيق، وشاربي فريدرك نيتشه الكَثَّين، كارل ماركس بلحيته المهيبة، ابن رشد، الفارابي ، جان بول سارتر، ثم يغمض عينيه، ويستمرُّ في كشف الأسماء كأنَّه يُسجِّل الحضور المسائيِّ في مُعتقلٍ سوريٍّ صحراويٍّ، ولا يقطع استرساله هذا إلا صرخة سومر حدَّاد الطَّالب المستجدُّ، لذلك استحق وأمثاله لقب السَّنافر، قائلاً: “كُلْ هدول رايحين معك لمطعم الفول؟” يفتح عينيه، وكأنَّه في حُلُم، ويشعل السِّيجارة نفسها للمرَّة العاشرة ربَّما؛ فهو يتركها بين إصبعيه؛ فتنطفئ، ويعيد إشعالها، طوال اليوم، يخفتُ حديثنا؛ لنسمع أفلاطون النُّعيمي، يقول موجهاً حديثه لسومر، ونحن ” إيّاكِ أعني، واسمعي يا جارة ” يا صديقي سومر، يابن الكرام، هؤلاء يعيشون معي، بالنسبة لي هم أحياء، يقاطعه سومر ساخراً بلهجته الشَّامية المُصطنعة، يعني “كُلُّنْ شُهدا، أحياءٌ عند ربهم يُرزقون” نعود للضَّحك، ننتظر الالتحام التَّاريخي، وأعني به، عندما يقف أفلاطون، ويمسك بتلابيب سومر؛ ليشلَّ حركته، وينظر في عينيه مباشرة، ولا يرفع طبقة صوته ألبتة، يا سيد سومر! هم يعيشون هنا، هنا ، هنا في هذا الرأس الأشعث، يتجادلون، يقيمون مناظراتهم، يصوغون نظريَّاتهم، تعلو أصواتهم هنا، … ويمسك بيده، ويرفعها إلى رأسه، ويضغط على أصابعه مخللا شعره بها، يسود الصَّمت، تراجيديا تكاد تكون يومية، لكنْ في الحقيقة يلعب فيها أفلاطون النُّعيمي دورَ ضابط الإيقاع، فلا تصلُ إلى القطيعة، ولا تعلو إلى المُجابهة، حتى بُقَع الدِّهان الجافَّة على ملابسه، يتركها كما هي، ويعلن أنَّه يعمل في الدِّهان وديكورات الجبس بعد دوام الكليَّة، وقد رتَّب جدول دوامه متوائماً مع العمل الذي يسدِّد منه آجار الغرفة، وثمن علب السَّجائر، وفي اللحظات التي تصل فيها “تراجيدياته” كما كنَّا نسمِّيها سقفها الأعلى، يأخذ في شتمنا، يا أولاد الكلاب! أيُّها الفلاسفة المشرَّدون! إلى متى سأشتغل في اللَّيل؛ لأدفعَ عنكم فاتورة مطعم أبي محمد المصري في النَّهار، ومن يعوِّضني عن علب السَّجائر التي تسرقونها، وتدَّعون أنَّكم لا تدخنون!
المرَّة الوحيدة التي أرى فيها الدُّكتور نايف صامتاً، يسند ذقنه بكفِّه، ساهماً وكأنَّه في حلم، هي هذه المرَّة، يصغي لأفلاطون النُّعيمي، وهو يقرأ مقدمة بحثه عن تراسُل الحَواس بين الفلسفة والأدب، وهو الموضوع الأخير الذي كلَّفنا به.
“أستاذي الجليل
زملائي الكرام
كنتُ أزحف بقلبي على تراب قريتي، مدينتي، ذلك الشَّارع المليء بالحفر والدِّماء، أتحسَّسه بأنفي، وأراه بأذني، كان أنينه عالياً، هكذا سمعتْهُ عيناي، كما أخبرتاني عن الطُّيور التي هاجرتْ بعيدًا، أشتمُّ صوتها مازال يعبر البحر، لا، لا نسيتُ أنَّ الطُّيور لا تحبُّ عبور المياه، فقد وضع علماء الطُّيور أجهزة تتبُّع في رقابها؛ فرسمت خط سيرها محاذية البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى البرِّ اليوناني التركي، عبرتْ من هناك، حتى وصلتْ إلى شمال القارَّة، لأنَّها لا تحبُّ المياه، تعشق البرَّ، وتخشى غدرَ البحار، آسفٌ أستاذي لاستطرادي هذا ـ يهزُّ الدُّكتور نايف رأسه، مشيراً بيده للمتابعة – هل جرَّب أحدكم أن يرى بأذنيه؟ أن يسمع بأصابعه؟ أن يشتم رائحة شواط جسده بعينيه؟ أن يتذوَّق طعم السِّياط ببشرته بدلاً من لسانه؟
إنَّني أمتلك الأدلة الكافية، كي أثبت مقولة “تَرَاسُل الحَواس” وقبلها أذكِّرُ بتقسيم أفلاطون الأكبر ـ هكذا كان يسمِّيه تمييزًا له عن أفلاطون الأصغر، وهو أفلاطون النُّعيمي ـ أن الوجود مؤلف من عالمين: عالم الحواس، وعالم الأفكار، ولم يتحدَّثْ عن عالم مُختلط، وهذا خطؤه، بل خطيئته التي لا تُغتفر، سرتْ همهماتٌ في القاعة، وهمسَ بعضُهم، هذه نظريَّةٌ جديدةٌ لابن النُّعيمي، ربَّما يؤسِّس أكاديميةً أفلاطونيةً حديثةً في طَفَس، قطعها الدُّكتور بِطَرْقٍ خفيف على مكتبه، وأشار إليه بمتابعة عرضه.
… ذلك الرُّجل الذي بترتِ القذيفة يديه، ظل يتحسَّس حرارة ابنه المريض بعينيه، كان يشعر بالحُمَّى التي تسري في جسده الهزيل، وسَمَر العلي ابنة جيراننا التي ذهب القنَّاص ببصرها، ظلَّتْ ترى حبيبها بأذنها، تسمع جماله ولون شعره ، وبأنفها تشتمُّ رائحة عطره، وعلاوي ابن العشر سنوات الذي بُترتْ ساقاه بعد انهيار بيته على رؤوس ساكنيه، كان يركض خلف الفراشات بخياله، ويسمع زقزقات عصافير الشَّلالات القريبة في “مزيريب” بعينيه، بعد أن ذهب الانفجار بسمعه أيضاً، حتى “قيصر” كلب الحراسة لأغنامنا كان يسمع صوت أجراس المَراييع بعينيه، ويتبع حمار الرَّاعي عَمُّوري، بغير إبطاء رغم جراحه التي لم تلتئم، والضِّماد الكبير المحيط برأسه وأذنيه بعد شظايا البراميل، كلُّنا نتذوَّق الصَّبر ومرارته بعيوننا المفتوحة على نافذة الحرب….
رفع الدُّكتور نايف يده، وأخرج علبة سجائره دون أن يفتحها، مكتفياً بتقليب قدَّاحته الذَّهبية بين أصابعه، ساد المُدرَّجَ صمتٌ لزجٌ، وسالت لزوجته من بوَّابة القسم إلى ساحة الحِجاز، حتى اندلقت في مجرى نهر بردى، كأنَّها صُهارة بركانِ جبل “إتنا” في جنوب الألبْ الإيطاليَّة، على السَّاحل الشَّرقيِّ لجزيرة صقلية، أو جبل النَّار “مون جبيلو” كما سمَّاه العرب، الذي لمَّا يزلْ يقذف حِمَمَهُ، كانتِ المدينة بلا حواس، تغيب في بركة آسنة من الوجوم، وأفلاطون النُّعيمي يحني رأسه، ويغيب، يغيب بعيداً، يتَّجهُ إلى تلك الجادَّة العريضة، يتبعه جيشٌ من أصحابه القابعين في رأسه، تحت هذا الشَّعر المُسترسل، واللِّحية الكثَّة، توجَّه الدُّكتور نايف إلى أفلاطون الصَّغير مشيراً له بسبَّابته، أنْ أقدمْ يا بنيَّ! اقتربَ منه بوجَلٍ، لكنَّه ربَّتَ بحنوٍ ظاهرٍ على كتفه، وهمس له بجملتين مقتضبتين، لم يتمكن أحدٌ من التقاط مضمونهما، مُتسلِّماً منه الأوراق التي كان يقرأ منها، ما قرأ، وضع نظَّارته الخاصَّة بالقراءة، ولشدَّ ما كانتْ دهشتُهُ عظيمةً، حينما رأى الأوراق بيضاءَ خالية من أيِّ حرف، عدا القليل من بصمات أصابع أفلاطون النُّعيمي، وأثر الدِّهان بألوان مختلفة على أطرافها!
أديب وشاعر سوري مقيم في السويد




