قص

قصة قصيرة ..أرض الموت والخلود

يوسف دعيس

لم يكن في حسباني أن أبي سيموت هكذا بكل بساطة، ودون سابق إنذار، ودون أية شكاية سابقة، وأنّ الطبيب سيخرج عليّ بنبأ مفجع أن أباك قد فارق الحياة، رغم أن أبي أمسك بيدي، وهمس لي وهم يدخلوه إلى غرفة الإنعاش: ادفنوني بمقبرة العائلة بتل البيعة إلى جانب قبر أمي، لا تنس ذلك، هذه وصيتي الأخيرة لك.

قبل أن أتمم إجراءات إخراج جثمان أبي من مشفى “محمد عاكف إنان” في مدينة شانلي أورفا التركية، كان عليّ إجراء عدد من الاتصالات لاستخلاص الموافقات على تخصيص سيارة إسعاف لنقل الجثمان إلى مدينة تل أبيض الحدودية، والاتفاق مع سيارة فان لنقله مجدداً من بوابة تل أبيض إلى حدود بلدة عين عيسى، الحدود الفاصلة بين قوات نبع السلام وقوات سورية الديمقراطية، ووضعها قريباً من طريق حلب الحسكة في الجهة المقابلة لحدود البلدة، حيث ينتظرها أقاربي هناك، استغرقت هذه العملية يوماً كاملاً، بما فيها تحويل أجور النقل لسائق الفان السوري، وأبي ما زال مسجّى في براد المشفى بانتظار رحلته الأخيرة إلى موطنه الرّقة.

صبيحة اليوم التالي، ورغم برودة الطقس، الذي ترافق مع سقوط الأمطار، تمت إجراءات النقل بكل يسر، ودون أية صعوبات. غلبتنا الدموع أنا وأشقائي، فيما ألقت أمي نظرة على زوجها، وندّت عنها صرخة مفاجئة، وراحت تبكي بحرقة شديدة، وأصرت على مرافقة الجثة إلى الحدود الفاصلة بين تركيا وسورية، وراحت تردد دون وعي: دعوني أرافقه برحلته الأخيرة.

في الطريق لم تغادر أمي حالة الذهول، هي الأخرى لم يكن في حسبانها أن يموت زوجها بهذه الطريقة، على حين غفلة، وكانت تردد: لم يكن مريضاً، ولا يشكو من شيء، حاولت أن اشغل نفسي بقراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وما بين الفينة والأخرى أحاول جاهداً تهدئة أمي التي لم تنقطع عن البكاء والنحيب، ولم تنقطع عن ترديد كلماتها الموجعة عن أبي، وهي تستخدم لازمة لم تفارقها طوال الطريق: الله يسامحك يا أبا محمد.. الله يسامحك.. مسامحتك دنيا آخرة.

ساعة من الزمن كانت كافية لوصولنا إلى الحدود، كانت أشبه بدهر طويل، أنزلنا التابوت، وكانت أمي ترفع يديها إلى السماء، وهي تردّد: الله يسامحك.. مع السلامة يا عيني، نقلنا الجثمان من النقطة التركية إلى النقطة السورية، حيث كان بانتظارنا سائق الفان برفقة شخص آخر، وتعاونا مع عدد من الأشخاص بالتناوب على نقل التابوت لمسافة تصل إلى بضعة مئات من الأمتار، وهناك أدخلنا التابوت في السيارة السورية، وأوصيت السائق بإيصال التابوت إلى المكان المتفق عليه، مشفوعاً بالرجاء والأمل، دقائق مرّت سريعة إلى أن تحركت السيارة، وبدأت عجلاتها بالدوران، ورحت بنوبة من البكاء المرير إلى أن غابت عن أنظاري وهي تدخل أزقة تل أبيض.

عدت إلى أورفا برفقة أمي وأشقائي وعدد من أصدقائي الذين رافقوني في رحلة أبي الأخيرة، عدت للاتصال بقريبي الذي ينتظر الجثمان في بلدة عين عيسى، وكررت عليه نوع السيارة ورقمها ولونها، واسم السائق، وكان عقب كل جملة أرددها على مسامعه، يقول: عيّن خير، ولا يهمك، عيّن خير، وقبل أن أقفل الهاتف، قلت: الله المستعان.. الله المستعان.

في البيت كان عليّ أن أهيئ أمور العزاء، وأن أستقبل المعزين في صالة التعزية، وأن أتابع خطوة بخطوة مسار السيارة، مضت نحو ساعة، رّن هاتفي من جديد، كان سائق السيارة على الطرف الأخر، قال: نحن على مسافة بضع دقائق من الموقع، واقفل الهاتف على نحو مفاجئ، بعد نصف ساعة من المكالمة الأولى، عاد جهاز الهاتف للرنين مرة ثانية، جاء صوته هذه المرة مخيفاً، قال: تركت التابوت على الطريق، لكن.. وانقطع صوته، ثم عاد بعد ثوانٍ للحديث بصوت أشبه بالصراخ: هناك اشتباكات بين الطرفين، ثم انقطع الاتصال مرة أخرى، حاولت جاهداً الاتصال به أكثر من مرة، لكن عبثاً لم يستجب، انتظرت بضع ثوانٍ، وأجريت اتصالاً بقريبي الذي ينتظر في عين عيسى، أجابني بعد عدّة محاولات: المنطقة تشهد اشتباكاً عنيفاً، وهناك طائرات بالجو، لقد تركنا المنطقة ودخلنا إلى أحد البيوت في البلدة، نحن ننتظر أن تهدأ الأمور لكي نتمكن من نقل التابوت، كان صوته يأتيني مرافقاً لصدى قذائف الهاون وطلقات الرشاشات المترافق مع سقوط قذائف المدفعية وسقوط قنابل وصواريخ الطائرات، وهو يردّد: اسمع.. اسمع، ما زالت الاشتباكات مستمرة بين الطرفين، سننتظر إلى أن تهدأ الأمور.

كان أبي في رحلته الأخيرة يشهد اشتباكاً، لكن هذه المرة على نحو مختلف، فهو لم يستطع الحراك، ولا أن يحاول الفرار من القذائف، ولا الاختباء من حمم الطائرات التي كانت تلقيها في كل الأرجاء.

فتحت التلفاز، وكان المذيع على قناة الجزيرة يتلو آخر الأنباء عن اشتباكات عين عيسى بين قوات سورية الديمقراطية وقوات نبع السلام، فيما المراسل الحربي يؤكد أن أجواء عين عيسى شمال الرقة قد شهدت غارات جوية غير مسبوقة اشتركت فيها بالتناوب طائرات روسية ثم أمريكية وأعقبها طائرات مسيّرة تركية، تناوبت كلها بقصف محيط بلدة عين عيسى وطريق إم فور، وما زالت الفرصة غير مهيأة لإخلاء الجرحى ونقل جثث القتلى.

في اليوم التالي جاءني صوت ابن عمي من الداخل مخنوقاً، وهو يبكي: “ضاعت جثة عمي بين أشلاء القتلى، لم نجد لا تابوتاً، ولا كفناً، عمي مات مرة ثانية، لكن هذه المرة سقط شهيداً بين جمع من الأشلاء، التي دُفنت على عجل في مقبرة جماعية على أطراف بلدة عين عيسى، ثم بدأ صوته يخفت شيئاً فشيئاً إلى أن غاب نهائياً، أعقبه صمت مطبق، ثم بداً صراخ أمي وإخوتي يعلو، وما بين البكاء والعويل، رأيت وجه أبي باسماً، وطرق مسامعي صوته من بعيد: ستملأ أشلائي هواء وتراب الرّقة. 

روائي وقاص سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى