عبد الكريم البليخ
حين يُقبل الفنانون في بلادنا على الفن التجريدي أكثر من غيره من أنواع الفنون التشكيلية، فالأمر لا يعود دائماً إلى الرغبة في الهروب من التشخيص أو العجز عن رسم الواقع كما هو، بل إلى طبيعة أعمق في تكويننا الثقافي والروحي. فنحن، في جانب كبير من تراثنا، أبناء معنى أكثر من كوننا أبناء صورة. نميل إلى الرمز قبل الجسد، وإلى الإشارة قبل التفصيل، وإلى ما وراء الشكل قبل الشكل ذاته.
العقلية العربية والشرقية، كما تشكلت عبر قرون طويلة، كانت في كثير من الأحيان عقلية تجريدية. اللغة نفسها قادتنا إلى ذلك؛ فالبيان، والاستعارة، والكناية، والمجاز، كلها أدوات تجعل الشيء أكبر من مظهره المباشر.
نحن لا نرى الوردة وردة فقط، بل نراها دلالة على الحب أو الفناء أو الجمال العابر. ولا نرى اللون مجرد لون، بل نربطه بالحزن أو الفرح أو القداسة أو الذاكرة. من هنا يصبح الفن التجريدي قريباً من طريقتنا في إدراك العالم، لأنه لا يُقدّم الأشياء كما تراها العين، بل كما تتحرك في الداخل.
وقد تعزّز هذا الميل أيضاً بفعل التراث الديني والفني، حيث لم يكن التجسيد في كثير من المراحل هو الطريق الأوسع للتعبير، فازدهرت الزخرفة، والخط العربي، والهندسة، والتكرار، والإيقاع البصري. هذه الفنون لم تكن فراغاً زخرفياً، بل كانت شكلاً من أشكال التأمل. كانت تقول إن الجمال لا يحتاج دائماً إلى وجه إنسان أو جسد أو منظر طبيعي كي يكتمل، بل يمكن أن يتجلى في خط، أو دائرة، أو انحناءة، أو توازن بين لونين.
في الصور التجريدية، يظهر أثر هذه العقلية من خلال انحسار الحكاية المباشرة واتساع مساحة التأويل. اللوحة لا تقول للمشاهد: هذا بيت، وهذه شجرة، وهذا إنسان حزين. بل تتركه أمام إشارات مفتوحة: بقعة داكنة قد تكون حزناً، وخط مكسور قد يشبه انكساراً داخلياً، ولون مشتعل قد يوحي بالغضب أو الثورة أو الرغبة في الحياة. وهنا لا يكون المشاهد متلقياً سلبياً، بل شريكاً في صناعة المعنى. إنه لا يكتفي بالنظر، بل يقرأ، ويتذكر، ويقارن، ويملأ الفراغ من تجربته الخاصة.
هذا النوع من الفن يربك بعض الناس لأنه لا يمنحهم جواباً جاهزاً. المشاهد الذي اعتاد أن يسأل: ماذا تمثل هذه اللوحة؟ قد يشعر أمام التجريد بالضياع. لكنه، إذا اقترب منها بهدوء، سيكتشف أن السؤال الأهم ليس: ماذا تمثل؟ بل: ماذا تثير في داخلي؟ فالفن التجريدي لا يشرح الواقع، بل يوقظه. لا ينسخ المرئي، بل يكشف أثره النفسي. إنه يضع الإنسان أمام ظلاله الداخلية، أمام خوفه، قلقه، ذاكرته، وانكساراته الصغيرة.
بالنسبة للقارئ أو المشاهد، تعني هذه الصور أن الفن ليس دائماً مرآة للخارج، بل قد يكون مرآة للداخل. فحين تتداخل الألوان، وتتقاطع الخطوط، وتغيب الأشكال الواضحة، فإن اللوحة لا تفقد معناها، بل تترك المعنى حراً. كل متلقٍّ يرى فيها شيئاً مختلفاً: أحدهم يرى مدينة محطمة، وآخر يرى موسيقى صامتة، وثالث يرى طفولة بعيدة، ورابع لا يرى سوى اضطراب جميل يشبه الحياة نفسها.
ويمكن أن نذكر من أبرز الفنانين التشكيليين العرب: شاكر حسن آل سعيد، ضياء العزاوي، فاتح المدرس، لؤي كيالي، وغيرهم. ومن أبرز الفنانين العالميين الروسي فاسيلي كاندينسكي، الذي يُعدّ من روّاد الفن التجريدي، بل يُنظر إليه غالباً بوصفه أحد أوائل من نقلوا الرسم من تمثيل الواقع إلى التعبير عن الإحساس والروح عبر اللون والخط، والاسباني خوان ميرو الذي اقترب من التجريد والسريالية، وامتازت أعماله بالأشكال العفوية والرموز الطفولية والألوان المبهجة.
لذلك يمكن القول إنَّ الفن التجريدي في بيئتنا ليس غريباً عن وجداننا، بل هو امتداد لطريقة قديمة في فهم الوجود. نحن شعوب عاشت طويلاً مع الرمز، ومع المقدس، ومع الكلمة التي تشير ولا تصرّح، ومع الزخرفة التي تخفي وراء انتظامها قلقاً روحياً عميقاً. ومن هنا تبدو اللوحة التجريدية أقرب إلى قصيدة صامتة؛ لا تُقرأ بعين واحدة، بل بحواس كثيرة، ولا تُفهم دفعة واحدة، بل تُستعاد كلما نظرنا إليها من جديد.
كاتب وصحافي سوري
من اعمال الفنان التشكيلي ضياء العزاوي
من اعمال الفنان شاكر حسن
من أعمال الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي

