يوميات

لطفيّة الدليمي كما قرأتها

د . حسن مدن

في أي زيارة لي للعاصمة الأردنية، عمّان، في السنوات العشر الأخيرة كان اللقاء مع الأديبة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي عادة محببة، حيث كانت أديبتنا، التي رحلت عن دنيانا قبل أيام، تقيم هناك، ولمست في كل تلك اللقاءات لطف معشرها وعمق ثقافتها وغنى تجربتها في الحياة وفي الكتابة، بالمقابل قرأت لها الكثير مما وضعته من كتب، تأليفاً أو ترجمة، وأغلبية ما تضمّه مكتبتي من كتبها ممهور بتوقيعها وبكلمات إهداء دافئة تنمّ عن رقتها ونبل شخصيتها.

على مدار عقد أو أكثر، كتبتُ كثيراً من المقالات عن كتبها في زاويتي اليومية في «الخليج»، لاحظت فيها أن لطفية، إضافة إلى كونها روائية وقاصة متميزة، فإنها كاتبة مقالة صحفية ثريّة، ومترجمة متمكنة من الإنجليزية، نقلت الكثير من الأدب والفكر العالميين إلى لغتنا، بعضها روايات عالمية شهيرة، وبعضها دراسات وأبحاث تتصل بالرواية والسيرة والأدب عامة، أو بالدراسات الثقافية والفكرية التي تتناول قضايا راهنة ترصد وتحلل تحولات الثقافة في عالم اليوم، كأنها جمعت بين الحسنيين اللذين قصدهما جوزيه ساراماجو بقوله: «الكتّاب يقدّمون أدباً وطنياً، أما المترجمون فيقدّمون أدباً عالمياً».

واصلت الدليمي دأبها على العمل الثقافي حتى نهاية حياتها، رغم الصعوبات التي أحاطت بوطنها العراق، من حروب وحصار واضطرابات سياسية، مقدّمة نموذجاً للمثقف الذي لا تهزمه المحن، فيجعل من الإبداع والإنتاج المعرفي شكلاً من المقاومة والمثابرة الثقافية في مواجهة الخراب، لهذا كان الوطن في كثير من نصوصها أكثر من مكان، إنه ذاكرة شخصية وجماعية، ليس فقط لتستعيد ما عرفه من محن لم تنته، وإنما لإظهار ما يختزنه من طاقات، ومن إرث حضاري عصي على الفناء.

تحضر النساء في كتابة لطفية الدليمي بوصفهن كائنات مملوءة بالأحلام والقلق والأسئلة، فلسن شخصيات هامشية في الحكاية وإنما هن متنها، توغلت في العوالم الداخلية لشخصياتهن، حيث تمتزج الهواجس الفردية بأسئلة الوجود والحرية والبحث عن مغزى الحياة، وليس ضرورياً أن يأتي حضور المرأة في أدبها في صورة خطاب احتجاجي مباشر، إذ نلتقي في بعض نصوصها نساء يعشن وحدة وجودية، يتأملن حيواتهن الماضية، ويحاولن الثبات بوجه القسوة، فيبدو عالمها أقرب إلى مختبر تكتشف فيه أعماق التجربة النسوية: الخوف، الذاكرة، الحنين، والتوق إلى الحرية.

كاتب بحريني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى