د. خالد السلطاني
في عام 2021، بادر صديقي الفنان العراقي المقيم في هولندا «سِتَار كَاوُوش» (1963) برسم لوحة شخصية (بورتريه) لشخصي المتواضع، وكانت التفاتة كريمة منه تجاهي وتجاه صداقتنا الطويلة. بعد فترة زمنية، أخبرني من مكان إقامته في شمال هولندا بأن اللوحة جاهزة، وقد أتم رسمها بأسلوبه المميز والفريد، الذي يُعرف به. وسألني إن كان ذلك ممكناً أن يرسل اللوحة إياها بالبريد، في حالة تواجدي في “كوبنهاغن” حيث أقيم.
وحينها كنت أنوي السفر إلى الأردن، ما جعلني أطلب منه أن يؤخر الإرسال لحين عودتي، وعندها سأسافر أنا إليه لاستلام اللوحة. لكن ذلك لم يحصل: فلا أنا استطعت أن أسافر إليه لتضارب المواعيد، ولا هو استطاع أن يبعثها بالبريد لعدم تواجدي، بالصدفة، في كوبنهاغن في تلك الأوان. ومرت الأيام سريعاً، وأنا في شوق لرؤية «لوحتي» التي بقيت محفوظة في مرسمه الهولندي. لكن الصديق «سِتَار» أخبرني مؤخراً بأنه سيزور مدينتي مع زوجته لقضاء إجازتهما، وسيجلب معه «لوحتي» التي طال انتظار تسليمها إليّ.
كانت فرحتي كبيرة ومزدوجة في آن: مرة لأني سألتقي بـ «سِتَار» بعد فترة طويلة من لقائنا الأخير، وأخرى لأني سأستلم لوحتي المرسومة من قبل فنان أعتز بصداقته وأقدّر عالياً فنه وإبداعه. وهو ما تم في الواقع قبل فترة زمنية قصيرة، عندما التقينا في كوبنهاغن، وهو برفقة زوجته «أليس».
وأود، هنا، أن أتحدث عن انطباعاتي عن تلك «اللوحة» بكلمات قليلة، بعد أن تم تأطيرها من قبل حرفي متمرس، وتعليقها في شقتنا. بالطبع، إن حديثي عنها يبقى ضمن “الانطباعات الشخصية”، فهو لا يمكن أن يرتقي إلى نصوص أدبيات “النقد الفني” (فَأَنَا، وَكَمَا يَعْرِفُ أَصْدِقَائِي، لَسْتُ نَاقِداً فَنِّيّاً: أَنَا <نَاقِد مِعْمَارِيّ بِحُكْمِ ثَقَافَتِي وَعَمَلِي وَمِهْنَتِي). واللوحة إياها بلغت أبعادها 50 × 80 سم، وهي مشغولة بألوان زيت على “كانفس” Canvas.
تشغل الشخصية المرسومة الرئيسية حيزاً أساسياً بوسط اللوحة، مُسلّطة عليها حزم ضوئية غزيرة تتمظهر بألوان عديدة ومحددة بخطوط واضحة. ولا تكتفي أشكال تقاطعات تلك الحزم بـ«اللعب» في متن “المساحة الخلفية” للحدث التصويري، وإنما تتجاوزه نحو المساهمة الفعالة في تشكيل «صورة» الحدث ذاته وإظهار معالمه بتكثيف بلاغي وإيجاز مكتنز بالترميز، كاشفاً الفنان بذلك عن مقدرته الفنية ودرايته المهنية والإبداعية في كيفية تعامله مع عناصر لوحته، مكرساً من خلال ذلك كله إحدى صيغ مقاربته الفنية وأسلوبه المتميز الذي منحه فرادته!
اصطفى الفنان صيغة “النظرة الأمامية” Face، لتكون شكل وضعية الشخصية المرسومة، وليس الوضع الجانبي Profil، على سبيل المثال، مستحضراً ومكرساً بذلك نوعاً من “حوار” مثمر ومباشر؛ حوار يتجاوز به «مونولوج» Monologue الفنان مع ذاته، إلى انغماس الشخصية المرسومة بـ«ديالوغ» Dialogue مع متلقيها في تبادل آراء وحديث نقاشي. لكن خصوصية ذلك الحديث تبقى، وكما تاق الرسام، أن تكون ضمن «اختصاص» صاحب البورتريه المرسوم. إذ تشي الدلالات الرمزية المصطفاة بعناية بتلك الخصوصية وبطبيعة «الحوار» المفترض: ثمة كتاب تمسك به الشخصية المرسومة، يدل عنوانه على مهنة صاحب البورتريه، كما يشير حضور شكل “القوس” المرسوم في بعده الثالث إلى أحد أهم مفردات العمارة الإسلامية، إضافة إلى تواجد مفردة تشكيلية أخرى أُريد بها التعبير عن «سُّلَّم»: علامة “العمارة” المختصرة ومثالها المكتنز، كما يقول عنها «لو كوربوزيه» في إشارة إلى قيمة «السُّلَّم» في القرارات التصميمية.
هناك رموز أخرى داخل اللوحة المرسومة أراد الفنان أن يعبّر بها عن دلالات متنوعة، دلالات تلمح تارة إلى الموروث الشعبي، وتارة أخرى إلى التاريخ، وحتى.. إلى الأساطير المحكية/الشفاهية، يمكن للمرء أن يستشفها وهي مبثوثة في «متن» سطح اللوحة. لقد اجتهد الفنان، وبدأب واضح، أن “تصوغ” تلك المفردات فضاء اللوحة المرسومة، متمثلاً، بالوقت ذاته، من خلال مقاربته الخاصة المبتدعة للوحاته المميزة وأسلوب تخليقها الخاص والمتفرد. وبهذا تغدو هذه اللوحة، كما في غيرها من لوحات الفنان في الفترة الأخيرة، زاخرة بالضياء والألوان، وحافلة بغزارة أشكال الخطوط المتقاطعة، ومفعمة بسحر فاتن، استطاعت أن تمارسه على متلقيها من خلال تكرار مدهش لمفرداتها التشكيلية، وبتنويع موضوعاتي لا يقل إثارة للدهشة.
لا يمكن تفادي القول، ونحن نتحدث عن لوحة «سِتَار كَاوُوش» إياها، إنها تتسم بحضور «بساطة» تشكيلية، لكن “بساطتها” تلك ما فتئت تبقى عصية على الاستسهال، فتنويع تشكيلاتها الفنية المفرزة بمهارة، وتوالي مفردات لونية وهندسية بتناغم شديد على سطح اللوحة، إضافة إلى إيقاع خطوط الحزم الضوئية، كلها أُريد بها أن تستنبط وتستحضر نمطاً موسيقياً خاصاً، تهمس ترنيماته الهادئة وتُذكّر بالألحان الرعوية «الباستورال» Pastoral الريفية البريئة. كأن الفنان يتوق عبرها إلى التذكير بـ«ريفية» الشخص المرسوم وعن مكان «منبته»، كأنه يحرص أن يكون وجود تلك البساطة التكوينية تمثيلاً لسمة التواضع الذي يراه في الشخصية المرسومة.
قد تكون «قراءتي» لـ«لَوْحَةُ سِتَارِ كَاوُوش»، قراءة خاصة، وقد تكون طافحة بالشعور الشخصي، لكنها تبقى محض قراءة «ذاتية» قابلة للتصويب، وبعيدة عن نية التسليم بمثل هذه المعاني ذاتها. وهذا ينأى بها عن سطوة الرهان بتطابق ملزم مع ذات المعنى الذي قد يكون ابتغاه الفنان نفسه، أو في فكر «الآخر» المشاهد لها. فنظريات «التلقي» الحداثية تجيز «قراءات» خاصة ترى بأن المعنى يتمثل ليس في العمل المبتدع لوحده، وإنما لدى المتلقي أيضاً. ومن الممكن أن ينتج العمل الفني معاني عديدة، فضلاً عن وجود إمكانية يتغير بها المعنى من زمن إبداع العمل الفني إلى زمن آخر. وعموماً، فإن العمل الفني المجترح الذي يرهن نفسه في معنى كامل ووحيد، هو عمل ضعيف، وقد لا ينتمي إلى الحقل الإبداعي.
شكراً أيها العزيز «سِتَار» لفنك الراقي ولاجتهادك.. وكرمك وإبداعك لهذه «اللوحة»!
شكراً.. يا «وردة»!
معمار وأكاديمي عراقي

