أدب

ليلى العثمان: صوت نسوي متمرّد في القصة الخليجية

“وللحب صوت”: همس الحب في مجتمع خائف

كاتبة تمردت في زمن صعب

حميد عقبي

في زمن هيمنة “التابو” والخوف الاجتماعي على الكتابة النسائية الخليجية، برزت ليلى العثمان كصوت استثنائي ومتمرد. منذ مجموعتها القصصية الأولى، اختارت أن تكتب المرأة كما هي بأشواقها، بتفاصيل جسدها، وصراعها الدائم مع سلطة العُرف. إنها ليست مجرد كاتبة، بل مشروع أدبي وإنساني يفكك المسكوت عنه بلغة آسرة ومكثفة، رافضة أن تختبئ خلف حجاب التقاليد.

في زمن كانت فيه الكتابة النسائية في الخليج تسير على رؤوس أصابعها وبحذرٍ شديد، متوارية خلف حجاب التقاليد والخوف الاجتماعي، ظهرت ليلى العثمان كصوت استثنائي اختار أن يواجه العاصفة، رافضة أن تختبئ منها. منذ مجموعتها القصصية الأولى، أرادت أن تكتب نفسها والمرأة كما هي: بجسدها، بأشواقها، بتمرّدها، وبضعفها أيضاً وخوفها.

لم تكن تنسج حكايات “المرأة النموذجية” البطلة التي لا تُهزم، بل سردت عن النساء الهاربات من القوالب، المتشبثات بالأحلام الصغيرة والقليل من الحياة، والموجوعات بالعزلة والحرمان.

ولدت ليلى العثمان في الكويت عام 1943، وعملت بين الصحافة والكتابة، لتصبح واحدة من أهم الروائيات والقاصّات في الخليج والعالم العربي. عبر رواياتها وقصصها القصيرة، رسمت لوحات نفسية وإنسانية جريئة، كونها توغلت في المسكوت عنه: من الحب والعنف، إلى القهر الأسري، إلى الحرية الجندرية، إلى تأملات الوجود والغياب. أعمالها مثل المرأة والقطة، حبيبي كوديا، المرأة والقمر، شكّلت محطات مهمّة في الأدب النسائي العربي، ودفعت كثيرات إلى الكتابة بعد أن فتحت الباب.

ليلى العثمان

ما يُميز نصوصها أنها لا تتبع أساليب خطابية وشعاراتية، ولا تجمّل. المتأمّل في إبداعها سيشعر أنّه أمام كتابة مُشبعة بالحسّ، بالحيرة، بلحظات الكشف والانكسارات العاصفة.

في عالم أدبي هيمن عليه الرجل، قرّرت أن تكون الكاتبة التي لا تُرضي أحداً، ولا تستعير جلباب أحد، بل تكتب لتفهم نفسها، وتفكك هذا العالم الظالم حولها.

ليلى العثمان ليست فقط كاتبة، بل مشروع أدبي وإنساني يُسائل الواقع بلغة آسرة، ويستحق اليوم قراءة جديدة، خاصة ونحن نعيش تحوّلات في خطاب الجندر والفن والحرية في الخليج والعالم العربي.

الثيمات والتحولات

لا يمكن الحديث عن قصص ليلى العثمان دون التوقف أمام البنية الشعورية التي تقود سردها، كونها تكتب من منطقة متوترة، بعيدة عن الأساليب الاستعراضية والمحايدة، هي الأقرب إلى الكاتبة المتأملة، الموجوعة أحياناً، والمتمردة في لحظات الوعي الحاد. تتجنب الخطابة، وتميل إلى الجُمل القصيرة المشبعة بالإيماء، كلماتها تنفذ إلى عمق التوترات النفسية والاجتماعية. شخصياتها، غالباً من النساء، ليست رموزاً ولا نماذج مثالية، بل هي كائنات حية تطرح الأسئلة، تفشل في التوافق مع التقاليد في أغلب الأحيان، تبحث عن ذاتها، وتفكر بهدوء في معنى ما يحدث لها.

يمثل الجسد في قصصها حضوراً بيولوجياً، لكن الأكثر دهشة وسحراً أنه يُمثل مركز الثقل في سردها، مساحة تُمارس عليها السلطة، ومن خلالها تنكشف العلاقات المختلّة بين الفرد والمجتمع، وبين الأفراد بعضهم ببعض، وخاصة الرجل والمرأة. الجسد هنا لا يتحرر بالضرورة في نهايات القصص والروايات، لكنه يفضح ويعري. وفي توازٍ مع ذلك، هناك دائمًا عزلة ـ داخل البيت، في السرير، أو حتى في العلاقة الزوجية. البطلات لا يصرخن دوماً، ولكن صمتهنّ مليء بالأسئلة.

ومع مرور الزمن، تطور صوت ليلى العثمان من الحذر إلى التأمّل، ومن الخوف إلى المساءلة. منذ نصوصها الأولى، كان واضحاً أنها لا تكتب لتُرضي الجمهور أو تحصد التصفيق والجوائز، بل لتكشف.

هذا الصوت، الذي بدأ همساً، تطور وتشكل وعيه المتماسك والمؤثر، لا يهتف ولا يتوسل، لكنه ينضج ويشكّل تجربة وجودية مهمة. نلمح مراحل تدرّج الرفض من الحيرة إلى الغضب إلى الإدراك. في النصوص المتأخرة، لا نجد انفجاراً ولا درامية، بل يمكن القول إن ليلى العثمان وصلت إلى مرحلة التأمل الناضج ومساءلة الذات أيضاً.

وبهذا العمق، تضع العثمان نصّها في منطقة حرّة، بحيث لا تتكئ على العناوين الكبرى ولا على شهرتها ومكانتها، بل تواصل الحفر والبحث وإعادة فهم الأسئلة الكبرى عن الجندر، العدالة، الحب، والانتماء، من خلال تأمل الماضي والحاضر بكل ما فيه من تفاصيل يومية متآكلة.

صوت الحب

قصة “وللحب صوت”، من مجموعة “الحب له صور”، الصادرة عن دار الشروق عام 1987 تمثّل إحدى المحطات السردية اللافتة في مسيرة الكاتبة الكويتية ليلى العثمان، وهي قصة قصيرة ذات نَفَس تأملي ومشهدية عالية، كُتبت بأسلوب يقترب من النص ما بعد الحداثي دون ادعاء، وبتقنية سردية تنبض بالحسّ والتوتر الداخلي. ما نقرأه أكبر من حكاية حبّ، ولو دققنا القراءة بتمعّن، سنجد أننا في مواجهة تفكيك عميق لمعناه داخل امرأة، لأبعاده النفسية والاجتماعية. نحن في موقع ملتبس داخل المرأة الكويتية / الخليجية، تحت ثقل الموروث والعُرف والرقابة المجتمعية والذاتية.

القصة تقوم على ثنائية الحوار الداخلي/ الخارجي، وبُنيَت مشهدياً في مكان مغلق: غرفة فندق، وهو اختيار رمزي بالغ الدلالة والحساسية. الغرفة التي يُفترض أن تكون مساحةً خاصة، تتحول إلى مساحة مراقبة حين يدخلها صوت الرقيب عبر موظف الاستعلامات الذي يُنبّه الحبيبين إلى أن “ما يفعلانه غير مسموح”. هذه الجملة البسيطة، المنطوقة في مشهد خاطف، تهزّ السرد، وتعيد تشكيل العلاقة، وتكشف هشاشة اللحظة الحميمة والخوف منها، خصوصاً حين تكون تحت وطأة التقاليد والعين الخارجية. الغرفة هنا ليست ملاذًا، بل علبة خائفة، تنذر بالخطر، رغم الحميمية التي كانت على وشك التحقق.

تنجح العثمان في تحويل اللقاء بين الحبيبين إلى مسرح داخلي مزدحم بالتوتر، الحنين، الخوف، والرغبة المكبوتة، بعيداً عن العتاب واللوم والبكاء. الشخصيتان لا تتبادلان فقط كلمات الشوق، بل تُنقّب كلٌّ منهما في ذاكرتها الخاصة، مثل الطفولة، الخيبات، الهروب، الحرمان، التمنّع، والمقاومة.

نسمع صوت المرأة واضحاً، داخلياً وخارجياً، وهي لا تُظهر نفسها كضحية، ولا تطالب الحبيب بأن ينقذها أو يمنحها تعويضاً أو حماية، بل تظهر كمُحاوِرة ذكية، مترددة، خائفة، مشتاقة، ومن دون التخلي عن إنسانيتها، تحاول الإمساك بصوت الحب قبل أن يضيع منها مرة أخرى.

اسلوب مكثف

ليلى العثمان تكتب بأسلوب مكثف، مشبع بالإيماء، وبجُمل قصيرة تتدفّق كأنها لقطات سينمائية سريعة، مشحونة بانفعالات لا تُقال بل تُلمَح. تقول الراوية “تضرجت النار داخل سماء العين، واغرورقت بالدمع الساخن…”، هذا الوصف يدمج البصر والعاطفة والجسد في لحظة واحدة، دون الحاجة إلى مبالغة. مشهد الحب هنا لا يُصوَّر كعلاقة مثالية، بل كلحظة مواجهة بين الذاكرة والرغبة، بين الجسد والعُرف، بين الحب والرعب.

ما يميّز هذه القصة ليس فقط جرأتها الموضوعية أو شجاعتها في التعامل مع تيمات محرجة في بيئة محافظة، وخصوصاً زمن الثمانينات حيث قويت شوكة التيارات المحافظة ونصّبت نفسها رقيباً وقاضياً، بل أيضاً حداثة العرض والمعالجة. فالحب لا يُعرض كقيمة رومانسية أو بطولة عاطفية، بل كـ ”صوت” خافت، مهدّد، هش، ويكاد يُقمع من الداخل قبل أن يُمنع من الخارج. “هل تُخجلني؟ هل أنسى؟”؛ أسئلة تتكرر وكأنها تمرينات على الاعتراف، أو اختبارات للبوح المؤجّل.

العنف في القصة لا يأتي من الخارج، بل من الداخل: عنف الصمت، وعنف الانتظار الطويل، وعنف الرغبة التي تُكبت تحت شعارات الاحترام أو الخوف من الفضيحة. المرأة هنا لا تُصفع جسديًا، بل تُحاصر نفسياً، ويُملى عليها كيف تلبس، وكيف تتكلم، وماذا تقرأ. الحب محرّم حتى في أكثر لحظاته صدقاً. والجسد لا يُهاجم، بل يُراقَب ويُحذَّر منه. تصبح المرأة تهمة و”ناقصة” و”حراما”.

عصر الأصالة

ونلمس أيضًا أن هذا الطابع الحواري للنص، بين الشخصيتين، وبين كل منهما وذاته، يمنح القصة بُعداً فلسفياً تأملياً، ويجعلها طريّة وعَطِرة، كأنها كُتبت قبل أيام أو أشهر، أي أنها لا تزال تحتفظ بعصر الأصالة. إنها قصة عن استعادة سؤال الحب: ما هو؟ هل نستحقه؟ هل نُجيد الإصغاء لصوته حين يأتي؟ هل نقدر على الاحتفاظ به دون أن نخاف منه؟ هذه الأسئلة لا تُطرح عبر تنظير مباشر، بل تنبع من ثنايا السرد، وتخترق القارئ بسلاسة.

ومع أن القصة كُتبت في ثمانينات القرن الماضي، إلا أنها تقف في مواجهة الكثير من نصوص الحاضر التي تُروّج على أنها “ما بعد حداثية” بينما تفتقر إلى العمق والصدق. اليوم، تُنشر أعمال كثيرة ساذجة، ضعيفة، مدعومة فقط بانتشار كاتباتها على مواقع التواصل أو بمراكزهنّ في المؤسسات، وتحظى بتأويلات ونقد مبالغ فيه. أما مثل هذه القصة، ووراءها كاتبة مثل ليلى العثمان، فلم تأخذ حقها من الدراسات النقدية والتأمل الأكاديمي كما تستحق.

وبرغم اعتراف العثمان في حواراتها الأخيرة بأنها تعبت من المواجهات، وأنها لا تنشر كثيراً، إلا أن وعيها لا يزال حاداً، وحضورها في المشهد الأدبي متماسك بروحانية هادئة. هي اليوم في مرحلة تصوّف أدبي: تقرأ للجيل الجديد، وتقدّم ملاحظات متى طُلب منها، لكنها تراهن على الأصالة والنقاء الإبداعي.

في الختام، “وللحب صوت” قصة عن حب قديم وهي مرآة نفسية اجتماعية لقضايا أعمق من العاطفة، كأنها صرخة ناعمة في وجه مجتمع يخاف من صوت الحب، حتى حين يُقال همساً.

مخرج وكاتب وسينمائي ومسرحي يمني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى