Site icon مجلة المزمار العربي

مؤتمر الأطباء العرب في فيينا .. بريق التكريم وغياب النتائج!

ماذا تحقق فعلياً على أرض الواقع؟

عبد الكريم البليخ

انتهى المؤتمر الثالث والثلاثون لاتحاد الأطباء والصيادلة العرب في فيينا، وطويت معه يومان من المحاضرات والجلسات والتكريمات والاستقبالات، وبقي السؤال الذي قد يخطر في بال المواطن العادي: وماذا بعد؟

لا خلاف على أهمية أن يجتمع الأطباء، وأن يتبادل المختصون خبراتهم، وأن تُناقش أحدث التطورات في الجراحة والسكري والغدة الدرقية وطب العيون والأسنان وغيرها. ولا أحد يقلل من قيمة التواصل بين الكفاءات الطبية العربية الموجودة في أوروبا وخارجها.

لكن المؤتمر، أي مؤتمر، لا تُقاس أهميته بعدد البدلات الأنيقة وربطات العنق، ولا بعدد شهادات التكريم، ولا بعدد المرات التي وقف فيها المشاركون أمام عدسات الكاميرات. فما الذي خرج به هذا المؤتمر تحديداً؟

قرأنا عن محاضرات، وورشات، واستقبال في قصر بلدية فيينا، وقصائد شعرية، وتكريمات، وحافلات أقلّت المشاركين، وصور هنا وأخرى هناك. بل إن المتابع لصفحات التواصل الاجتماعي يكاد يشعر بأننا أمام مهرجان كبير للصورة التذكارية أكثر من كوننا أمام مؤتمر طبي يفترض أن تخرج منه توصيات ومشروعات وبرامج عمل.

أكثر من ثلاثمئة صورة، بحسب ما جرى تداوله، وربما أكثر. صور جماعية، صور فردية، صور تكريم، صور مصافحة، صور في القاعات، وأخرى في البلدية. جميل جداً. لكن أين صورة النتائج؟

أين الورقة التي تقول لنا، مثلاً، ماذا قرر المؤتمرون بشأن دعم القطاع الصحي في سوريا، وهو الموضوع الذي خُصصت له طاولة حوار كاملة؟ وما الخطوات العملية التي ستلي تلك الجلسة؟ وهل هناك مشروع محدد؟ لجنة متابعة؟ أجهزة طبية ستُرسل؟ مستشفى سيُدعَم؟ أطباء سيُدرَّبون؟ منح للطلبة؟ تعاون مع جامعات أو مستشفيات نمساوية؟

أم أن عبارة «دعم النظام الصحي» انتهت بانتهاء الجلسة وإغلاق الميكروفونات؟

المواطن السوري الذي يسمع عن اجتماع أطباء عرب وسوريين قادمين من النمسا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا والإمارات وغيرها، لا يعنيه كثيراً من جلس بجانب من في الصف الأول، ولا عدد الشخصيات التي صعدت إلى المنصة. ما يعنيه هو: ماذا يستطيع هؤلاء أن يفعلوا لمريض ينتظر علاجاً، أو لمستشفى ينقصه جهاز، أو لطالب طب يبحث عن فرصة تدريب، أو لطبيب شاب يريد اكتساب خبرة حقيقية؟

وهنا تحديداً يصبح السؤال مشروعاً عن الأموال والجهود التي تُصرف على مثل هذه المؤتمرات. ليس اعتراضاً على الإنفاق، وإنما سؤالاً عن المردود. فالمال الذي يصرف على مؤتمر ناجح استثمار، أما المؤتمر الذي ينتهي عند حدود الصور والتكريمات فهو مناسبة اجتماعية فاخرة، مهما ازدحمت برنامجه بالعناوين العلمية.

ومن المفارقات أن المشاركين التقوا شخصيات رسمية في العاصمة النمساوية، وأقيم لهم استقبال في قصر البلدية. وهذه فرصة كان يمكن البناء عليها لإطلاق تعاون طبي أو تدريبي أو مؤسساتي واضح. فهل حدث ذلك؟ وإذا حدث، فلماذا لا يعرف الجمهور عنه؟

هنا يأتي دور الإعلام. لكن الإعلام العربي في المهجر، مع الأسف، ما زال في حالات كثيرة يؤدي وظيفة المصور والمصفق أكثر من وظيفة الصحافي.

ينشر الخبر كما وصل إليه: «افتُتح المؤتمر.. تحدث فلان.. ثم تحدث فلان.. وجرى تكريم فلان.. واختُتمت الفعاليات وسط أجواء مميزة».

حسناً، وماذا بعد؟ الصحافة ليست دفتر حضور وغياب، وليست ألبوم صور جماعية.

كان يفترض بالإعلام الذي حضر أن يسأل رئيس المؤتمر والمنظمين: ما حصيلة اليومين؟ ما القرارات؟ كم بلغت كلفة المؤتمر ومن تحملها إن كانت هذه المعلومات متاحة للنشر؟ ما الذي تحقق من المؤتمرات السابقة؟ وهل نُفذت توصياتها؟ وما الذي سيختلف بعد مؤتمر فيينا؟

لكننا ما زلنا، إعلامياً، ننفخ في قربة مقطوعة؛ نكتب عن النجاح قبل أن نسأل عن نتائجه، وعن «الحضور المميز» قبل أن نعرف ماذا ميّز هذا الحضور، وعن «الإنجاز الكبير» قبل أن نجد الإنجاز على الأرض.

لا يحتاج اتحاد الأطباء والصيادلة العرب إلى مزيد من الصور كي يثبت حضوره. أمامه ما هو أهم بكثير: مئات الأطباء العرب في أوروبا، خبرات أكاديمية وطبية كبيرة، علاقات مع مؤسسات أوروبية، وبلدان عربية تحتاج إلى هذه الخبرات بشدة. هذه هي الثروة الحقيقية. ولهذا فإن السؤال ليس: هل كان المؤتمر ناجحاً؟

السؤال الأصح: ماذا سيبقى منه بعد أن تهدأ كاميرات الهواتف، وتُعاد شهادات التكريم إلى الأدراج، ويعود كل مشارك إلى مدينته؟

إن بقي مشروع طبّي واحد، أو برنامج تدريب، أو مساعدة لمستشفى، أو فرصة لطالب، أو تعاون علمي مستدام، فحينها تستحق الصور كلها أن تُنشر.

أما إذا لم يبقَ سوى ثلاثمئة صورة وعبارة «نلتقي في المؤتمر القادم»…

فربما تكون الكاميرات هي التي حققت أكبر استفادة من المؤتمر.

*عدسة : طلال مرتضى

كاتب وصحافي سوري مقيم في النمسا

Exit mobile version