وجوه

رياض نعسان آغا: المثقف الذي واجه صمته

مثقف رحل تاركاً أسئلة بلا أجوبة

المزمار العربي

لم يكن رياض نعسان آغا اسماً يمرّ عابراً في سجلّ الثقافة السورية، ولا سيرةً يمكن اختزالها في المناصب التي شغلها أو الكتب التي كتبها. كان أشبه بخطّ زلزالي هادئ، لا يُرى مباشرة، لكنه يهزّ الطبقات العميقة التي تقوم عليها الأسئلة الكبرى: سؤال المثقف، وسؤال السلطة، وسؤال اللغة حين تُدفع إلى حافة الصمت. برحيله، لا يُغلق ملفّ رجلٍ عام، بل تُطوى سيرة زمنٍ كامل، زمنٍ كان فيه المثقف جزءاً من الدولة، ثم صار شاهداً عليها، ثم ناقداً لها، ثم ذاكرة حيّة لما جرى فيها وما جرى لها.

اللغة بوصفها قدراً

وُلد رياض نعسان آغا عام 1947 في إدلب، المدينة التي لا يمكن النظر إليها بوصفها مكاناً محايداً. إدلب، في الوعي السوري، ليست طرفاً جغرافياً فحسب، بل حالة وجودية: العيش على الهامش، في تماسّ دائم مع السلطة دون امتلاكها، وفي تماسّ مع التاريخ دون أن يُسمح لك بكتابته. هناك، في بيتٍ دينيّ عريق، كان الصوت الأول الذي شكّل وعيه هو صوت القرآن، يتلوه والده الشيخ حكمت نعسان آغا، مقرئاً صارماً في مخارج الحروف، عميقاً في إيقاع التلاوة. لم يكن ذلك الصوت مجرد طقس يومي، بل كان درساً مبكراً في معنى اللغة بوصفها أمانة، وفي الكلمة بوصفها فعلاً أخلاقياً قبل أن تكون وسيلة تعبير.

من هذا الصوت تشكّلت علاقة رياض باللغة. لم تكن اللغة لديه أداة للزينة، ولا وسيلة للتجميل، بل قدراً ومسؤولية. في بيتٍ تُقدَّم فيه الكلمة بوصفها حقاً وواجباً في آن، نما وعيه على التوتر بين النص والحياة، بين المقدّس واليومي، بين المثال والواقع. كان يرى منذ وقت مبكر أن الهوّة بين ما يُقال وما يُعاش ليست خطأً لغوياً، بل أزمة أخلاقية واجتماعية.

في إدلب، ثم في حلب، ثم في دمشق، راكم تعليمه كما يراكم المرء أسئلته لا شهاداته. درس اللغة العربية في جامعة دمشق، لا بوصفها تراثاً منجزاً، بل بوصفها حقل صراع بين المعنى والسلطة. ثم مضى إلى الفلسفة، وكأن اللغة وحدها لم تعد تكفي لفهم صمتها. لاحقاً، اتجه إلى الإعلام، بحثاً عن تلك المنطقة الرمادية التي تلتقي فيها الفكرة بالمجتمع، والكلمة بالصورة، والمعنى بالزمن. لم يكن طالباً تقليدياً؛ كان قارئاً قَلِقاً، يشعر أن الثقافة لا تُمارَس من خارج الواقع، لكنها تُفسَد حين تتحوّل إلى جهاز دعائي.

بدأ حياته المهنية مدرساً للغة العربية في ثانويات إدلب. هناك، في الصفوف الضيّقة، حيث تُدرَّس النصوص في ظلّ انضباط صارم، تشكّل وعيه الأول بالعلاقة المعقّدة بين المعرفة والسلطة، وبين التعليم والتطويع. كان يرى في التعليم وعداً بالتحرّر، لكنه كان يدرك أيضاً كيف يمكن أن يتحوّل إلى أداة ضبط. ربما لهذا السبب لم يلبث طويلاً في الصف، وانتقل إلى الإعلام، كأن الشاشة بدت له امتداداً آخر للمنبر، لكن بشروط أكثر التباساً، وأكثر خطورة.

في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان التلفزيون السوري أحد أهم أدوات تشكيل الوعي الجمعي. لم يكن مجرد وسيلة ترفيه، بل جهازاً ثقافياً وسياسياً بامتياز. في تلك المرحلة، برز اسم رياض نعسان آغا كمعدّ ومقدّم برامج ثقافية، ثم كمدير للبرامج والإنتاج الدرامي. لم يكن إدارياً تقليدياً؛ كان صاحب رؤية لغوية صارمة، وخطاب واضح، وحضور ذهني كثيف. آمن بأن التلفزيون يمكن أن يكون مساحة لبناء الذائقة، حتى وهو يعمل ضمن هامش سياسي شديد الضيق، هامش يعرف حدوده، لكنه يحاول أن يتنفّس داخله.

إلى جانب الإعلام، كتب الشعر منذ شبابه، لا ليُصنّف شاعراً، بل ليختبر هشاشة اللغة أمام الواقع. وكتب المسرح، وحقق في عام 1972 إنجازاً مبكراً بمسرحيته التراجيدية «أوليس»، التي فازت بجوائز في مهرجان المسرح التجريبي. في تلك المسرحية، كما في كثير من نصوصه اللاحقة، كان الهاجس واحداً: الإنسان الممزّق بين قدره ورغبته، بين ما يُفرض عليه وما يحلم به. لم يكن هذا الهاجس موضوعاً فنياً فقط، بل كان انعكاساً لصراعه الداخلي، صراع المثقف الذي يرى القيود بوضوح، لكنه لا يملك دائماً القدرة على كسرها.

حين يستحيل الصمت

عام 1990، دخل الحياة السياسية من بوابة مجلس الشعب. لم يكن ذلك انتقالاً طبيعياً، بل خطوة محفوفة بالأسئلة. ثم انتقل إلى مواقع أكثر حساسية، مديراً لمكتب الشؤون السياسية في رئاسة الجمهورية، ومستشاراً للرئيس حافظ الأسد. هناك، في قلب البنية الصلبة للسلطة، تعلّم معنى الحدود: حدود الدور، وحدود الكلام، وحدود الوهم. رأى كيف تُصنع القرارات، وكيف تُدار الدولة بمنطق أمني، وكيف تُستدعى الثقافة عند الحاجة وتُقصى عند السؤال.

لاحقاً، سيقول إنَّ حافظ الأسد كان أكثر قابلية للاستماع من ابنه، وإن الفرصة ـ لو أُتيحت باكراً ـ ربما كانت ستقود إلى مسار مختلف. لكن هذا القول لم يكن تبريراً بقدر ما كان تعبيراً عن حسرة تاريخية: حسرة المثقف الذي يكتشف متأخراً أنَّ الأنظمة ليست أشخاصاً، بل بنىً تتجاوز الأفراد.

في السلك الدبلوماسي، سفيراً في سلطنة عُمان ثم في دولة الإمارات، اكتسب مسافة إضافية عن الداخل السوري. رأى بلاده من الخارج: دولة بتاريخ عريق، لكن بحياة سياسية مختنقة. كان يُمثل سوريا الرسمية، لكنه كان يحمل في داخله سوريا الأخرى، تلك التي لا تظهر في الخطابات. نال أوسمة رسمية، وأدار علاقات سياسية بهدوء، وكان، في تلك المرحلة، جزءاً من وجه الدولة، بكل ما يحمله ذلك من تناقضات داخلية.

عام 2006، تولّى وزارة الثقافة. لم يكن المنصب تتويجاً لمسيرته بقدر ما كان امتحاناً قاسياً. الثقافة، في تلك المرحلة، كانت محكومة بسقف سياسي صارم، تُستدعى للتزيين لا للمساءلة، وتُستخدم بوصفها واجهة ناعمة لسلطة صلبة. حاول أن يفتح نوافذ، أن يوسّع الهامش، أن يعيد الاعتبار للحوار الفكري، ولحضور سوريا الثقافي عربياً ودولياً.

كان حضوره الإعلامي قوياً، لغته واضحة، وخطابه مباشراً، ما جعله من أكثر الوزراء ظهوراً وتأثيراً. لكنه كان يعرف، في العمق، أن الثقافة لا تتحرّر بقرار إداري، وأن البنية أعمق من أي وزير.

إلى جانب عمله الرسمي، ظلّ كاتباً ومترجماً ومحللاً. ترجم أعمالاً فكرية، وكتب في السياسة والفنون والأدب، وأصدر كتباً مثل «بين السياسة والأدب»، «بين السياسة والفنون»، «من طيوب الذاكرة»، و«العرب وتحديات القرن العشرين». كما كتب للدراما عشرات الأعمال الاجتماعية والتاريخية، في سوريا ومصر والخليج، مساهماً في تشكيل ذاكرة بصرية مشتركة لجمهور عربي واسع، وكأن الكتابة للدراما كانت طريقه للوصول إلى الناس حين تضيق المساحات الأخرى.

ثم جاءت لحظة الانكسار الكبرى: الثورة السورية عام 2011. هنا، لم يعد الصمت ممكناً. لم تعد المنطقة الرمادية صالحة للعيش. في عام 2012، أعلن انشقاقه الرسمي عن النظام، في موقف كان من أعلى المواقف رتبة في بدايات الثورة.

تفكيك بنية الاستبداد

لم يقدّم نفسه بطلاً، ولم يسعَ إلى تبرئة ماضيه، بل اختار موقع الشاهد. قال ما يعرفه، لا أكثر ولا أقل. شرح كيف تُصنع القرارات، وكيف تُستخدم الثقافة كواجهة، وكيف تُفرَّغ السياسة من معناها.

انضم إلى المعارضة، وعمل ناطقاً باسم الهيئة العليا للمفاوضات، ثم استقال عام 2017، احتجاجاً على آليات العمل والتهميش. بعد ذلك، لم يحمل صفة رسمية، لكنه ظلّ حاضراً كمحلل سياسي، مرجعيته معرفة دقيقة ببنية النظام، وتاريخ طويل من الاحتكاك به. كان يُدرك أن الاستبداد لا يسكن السلطة وحدها، بل قد يتسلل أيضاً إلى بدائلها.

عاش سنواته الأخيرة في الإمارات، بعيداً عن سوريا التي لم تغادره يوماً. ظلّ ناقداً، ومحللاً، ومثقفاً قلقاً، يتابع سقوط النظام، ويفكك آلياته، ويستعيد الذاكرة بلا شفقة ولا تبرير. لم يكن ثورياً بالمعنى الكلاسيكي، لكنه كان شاهداً، والشهادة في الحالة السورية موقف أخلاقي بالغ الصعوبة.

توفي رياض نعسان آغا في الرابع عشر من شهر كانون الأول 2025، عن عمر ناهز 78 عاماً. برحيله، تخسر سوريا واحداً من أكثر مثقفيها تعقيداً. رجلٌ عاش بين اللغة والسلطة، بين الداخل والخارج، بين المشاركة والمسافة. وتبقى سيرته مفتوحة، لا بوصفها سيرة فرد، بل بوصفها مرآة لمرحلة كاملة، كان فيها المثقف جزءاً من النظام، ثم صار ضميره القَلِق، ثم ذاكرته التي لا تريد أن تنسى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى