محمود شقير .. غيمة تكتب سيرتها

عبد الكريم البليخ
ثمّة كتّابٌ يكتبون عن العالم، وآخرون يكتبون العالم فيهم. ومحمود شقير، ابن القدس، ينتمي إلى الفئة الثانية؛ تلك التي تنسج الأدب من نسيج الذاكرة، وتحوّل التجربة الشخصية إلى مرآةٍ لروح الوطن. بعد أكثر من ثمانين كتاباً، وخمسٍ وثمانين سنة من العيش بين الفكرة والمنفى، أنهى شقير ثلاثية سيرته الذاتية بكتابه الجديد «هامش أخير»، بعد «تلك الأزمنة» و«تلك الأمكنة»، ليكمل الدائرة التي بدأها منذ الطفولة حين دخل القدس أول مرة بصحبة أبيه عام 1946، ولم يغادرها يوماً من قلبه.
اختار شقير عنوان «هامش أخير» وهو يدرك أن العمر يقترب من نهايته، لكنه يصرّ على أن «الهامش لا يقل أهمية عن المتن». فالحياة – كما يراها – ليست في الأحداث الكبرى وحدها، بل في الفواصل الصغيرة، في اللمحات التي تشبه التنهدات بين الفصول. تلك الهوامش التي تكشف الإنسان خلف الكاتب، والمواطن خلف المثقف، والمحب خلف المناضل.

الروائي محمود شقير
في هذا الهامش الأخير، يعترف محمود شقير بجرأةٍ وصدقٍ نادرين، ويواجه ذاته بكل ما فيها من ضعفٍ وعثرات. لكنه لا يكتب تبريراً، بل إضاءة. فالسيرة عنده ليست تزييناً للماضي، بل حوارٌ متأخر مع الزمن. ولهذا يكتبها وكأنه يكتب رسالة وداع إلى جيلٍ جديد، يذكّره بأن الكتابة ليست مهنة، بل شكلٌ من أشكال المقاومة.
ولأن القدس كانت دائماً بوصلة حياته، فإنها تحضر في كل سطر كأنها كائنٌ يتنفس معه. هي ليست مدينة في سيرته، بل روحٌ تلازمه. يكتب عنها كما يكتب العاشق عن معشوقته التي اغتُصبت، ومع ذلك ما زال يراها جميلة. يقول إنه يراها اليوم متروكةً لمصيرها، تُحاصر كل يومٍ بالجدران، تُهدم بيوتها، ويُشوه تاريخها. لكنه لا يكتب بمرارةٍ فقط، بل بأملٍ متجذر في الحق والخير والجمال، تلك القيم التي يؤمن بأنها باقية ما بقي الإنسان، حتى وإن بدا الشرُّ منتصراً مؤقتاً.
في نظره، العدوّ الذي يقتل ويشوّه هو أقليةٌ معزولة عن ضمير العالم، بينما القيم الكبرى هي الغالبة في المآل. غير أنه لا يركن إلى الأمل السلبي؛ فالقيم لا تكفي وحدها، بل لا بد من فعلٍ سياسي وثقافي واقتصادي حقيقي يساندها. فالكلمة، مهما بلغت بلاغتها، تحتاج إلى كتفٍ يحملها في الواقع.
شقير، الذي عرف المنافي بين بيروت ودمشق والجزائر وبلغاريا وإسطنبول وبراغ، ظلّ يحمل القدس معه كبيتٍ داخليٍّ لا يُغلق. يقول إن المدن التي أقام فيها منحته الخبرة، لكن القدس وحدها منحته الملامح. فيها قرأ أول كتاب، وعرف السياسة، وتعلم الحب، وكتب أول قصة في مجلة «الأفق الجديد» عام 1962، تلك المجلة التي كانت، كما يصفها، «المطر الذي أنبت الكاتب فيه».
ومن خلال سيرته، يوجّه شقير رسالة صريحة إلى الجيل الفلسطيني الجديد من الكتّاب: أن يبتعدوا عن الغرور، وألا يتعجلوا النشر قبل أن يشتدّ عود اللغة فيهم، وأن يقرأوا تراثهم كما يقرأون العالم. الأهم ـ كما يقول ـ أن تبقى فلسطين في القلب من الكتابة، لا شعاراً يُرفع بل وعياً يُعاش.
ويؤمن شقير أن فن السيرة الذاتية ليس ترفاً أدبياً، بل ضرورةٌ وجودية، خصوصاً في الحالة الفلسطينية. فالسيرة ـ كما يراها ـ ليست مجرد بوحٍ شخصي، بل وثيقةُ بقاءٍ في وجه محوٍ منظمٍ للهوية. في عالمٍ يسعى لطمس الذاكرة الفلسطينية، تصبح السيرة فعلاً من أفعال المقاومة، تثبت الوجود وتخلّد الحكاية. إنها تعويضٌ عن الأرض التي تُسرق، بالكتابة التي لا تُسرق.
لكنّ شقير يدرك أيضاً أن السيرة في العالم العربي ما تزال فناً «خجولاً»، لأن ثقافتنا تخشى الاعتراف. فالمجتمع المحافظ يَهاب البوح، ويخاف مواجهة المرآة. ومع ذلك، يكتب هو سيرته بانفتاحٍ وحكمة، ملتزماً بالبعد الأخلاقي الذي يجعلها مقبولةً وقادرة على التأثير، دون أن تفقد صدقها أو شجاعتها.
يقول إن الكاتب الفلسطيني لا يمكنه أن يكتب سيرة فاضحة على طريقة محمد شكري في «الخبز الحافي»، لأن واقعه مختلف، مشدودٌ إلى همٍّ وطنيٍّ لا يسمح بتلك المغامرة الفردية. السيرة عنده يجب أن تبقى مخلصة للناس، تعبّر عن آلامهم لا عن نزوات صاحبها. إنها فنٌّ يتقاطع فيه الوجدان الشخصي مع المصير الجماعي.
وفي لحظات التأمّل، حين يسأله العمر الطويل أن ينظر إلى الوراء، يقول محمود شقير إنه يشعر بالرضا أحياناً لأنه استثمر وقته جيداً، وأنجز الكثير، لكنه لا يخلو من أسفٍ خافتٍ على طفولته الفقيرة من الكتب. لم تكن في بيته مكتبة، ولم تعرف أمه القراءة، ولم يتعلم والده سوى عامين. غير أن شغف المعرفة تأخر ولم يمت؛ فقد التقط الجريدة من يد أبيه، وحاول أن يقرأ، وحين بلغ السادسة عشرة اكتشف العالم من باب الرواية. ربما تأخر، لكنه لم يتوقف منذ ذلك اليوم عن السير في طريق الكتابة.
الآن، وقد بلغ الثمانين، لا يبدو محمود شقير متعباً من الحكاية. يكتب كما لو أنه يبدأ من جديد، كأن الهامش الذي عنونه بـ«الأخير» ليس نهاية بل عودة إلى المتن.
فمن يكتب حياته بشجاعةٍ كهذه لا يضع نقطة في آخر السطر، بل يترك الباب موارباً كي تمرّ منه ذاكرة فلسطين إلى الأجيال القادمة.



