ليلى مراد أيقونة السينما الغنائية في العصر الذهبي

نغمة لا تنطفئ في ذاكرة الحب
وفيق صفوت مختار

مطربة وممثلة مصرية، لم ينجُ أحد منا بعيداً عن الوقوع في سحر صوتها الآسر، المملوء بالرقة والحنان. ولم يبتعد أحد عن تأثيرها الساحر المدهش حتى بعد أن اعتزلت الغناء لسنوات طويلة.
في صوتها شجن خفي يشي بدفء المشاعر، وفي صوتها أيضاً فرحة بالحياة تكاد تكون غامرة. لم يمل أو يسأم المشاهد العربي وهو يرى أفلامها المعادة والمكررة مئات المرات، بل كان يجد متعة متجددة تعينه على تحمل تبعات الحياة، وتعيده لزمن الغناء الصادق الجميل.
«ليلى مراد»، الرقيقة كالنَّسمة، التي استطاعت أن تتبوأ عرش الأغنية السينمائية الرومانسية. «ليلى مراد» الفوَّاحة كالوردة التي أصبحت بلا منازع: «قيثارة الغناء العربي الأصيل».
ولدت «ليليان إبراهيم زكي موردخاي»، لأسرة يهودية في الإسكندرية في 17 فبراير 1918م، واشتهرت باسم «ليلى مراد». كان والدها يعمل بالغناء والتلحين.
اكتشفت المواهب الصوتية لـ«ليلى مراد» في وقت مبكر في الصالون الموسيقي الذي كان دائم الانعقاد في منزل والدها «زكي مراد»، وكان يؤمه نفر من كبار الموسيقيين من أصدقائه، على رأسهم الموسيقار «داود حسني» (1870 – 1937م).
ويبدو أن ضيق ذات اليد الذي أصاب العائلة، بعد اضطرار والدها إلى التوقف نهائياً عن الغناء، لأن عصرًا غنائياً قديماً كان قد انتهى، وعصراً حديثاً بدأ بظهور «محمد عبد الوهاب» (1898 – 1991م) و«أم كلثوم» (1898- 1975م)، دفع والدها إلى أن ينظم لها حفلات غنائية في سن مبكرة، قبل بلوغها الخامسة عشرة من عمرها.
لكن موهبة «ليلى مراد» الصوتية والرعاية الفنية التي وجدتها في منزل والدها الفنان، كانتا كفيلتين بجعلها في مستوى تحمل مسؤوليات الحفلات الغنائية المبكرة، فبدأت أوساط المستمعين تنتبه إلى وجود صوت نسائي جميل قادم. وكان طبيعياً أن تبدأ «ليلى مراد» الغناء بالألوان التقليدية من الأغنيات، وسرعان ما التف حول صوتها كبار الموسيقيين المحدثين، خصوصاً «محمد القصبجي» (1892 – 1966م)، والشيخ «زكريا أحمد» (1896- 1961م)، و«رياض السنباطي» (1906- 1981م).

فبدأوا يلحنون لها أغنيات تقليدية سجلتها على أسطوانات، ولاقت رواجًا كبيراً، مثل: أغنية «حيرانة ليه» من ألحان «داود حسني»، وأغنية «يا ريتني أنسى الحب» من ألحان «محمد القصبجي»، وأغنية «حبيت وشفت كتير» من ألحان الشيخ «زكريا أحمد».
ومع أن هذه المجموعة من الأغنيات التقليدية الأولى شكلت القاعدة الصلبة التي أطلقت اسم «ليلى مراد» نجمًا في سماء الغناء العربي في النصف الأول من عقد الثلاثينيات، إلا أن فرصة العمر كانت لا تزال في انتظارها، وذلك بلقائها الأول مع «محمد عبد الوهاب» الذي كان يحضر لإنتاج فيلمه الثالث «يحيا الحب» عام 1937م.
شعر عبد الوهاب بأن لحظة لقائه الفني مع «ليلى مراد» قد دقت، فعرض الأمر على والدها، الذي أبدى تخوفه من قبول هذا العرض، لكن عبد الوهاب هدأ من مخاوفه وأسمعه بعض الألحان التي يؤلفها لصوت ابنته خصيصاً، فاقتنع الوالد أخيراً. وكان الفيلم الأول لابنته، بمشاركة نجم الموسيقى والغناء والسينما في ذلك العصر محمد عبد الوهاب.
في فيلم «يحيا الحب» حقق عبد الوهاب الملحن اكتشافه التاريخي لينابيع الرومانسية في صوت «ليلى مراد» التي لم يكن أي من كبار الملحنين قد تنبه لها حتى ذلك الوقت، فوضع لها لحنين رائعين هما: «يا ما أرق النسيم»، و«يا قلبي مالك كده حيران»، إلى جانب ثنائيتين خالدتين بينه وبين «ليلى مراد»: «يا دي النعيم» و«طال انتظاري لوحدي».
لم يكن ذلك حدثاً فنياً عادياً، فقد رأى جميع الملحنين ومنتجي الأفلام بعد اكتشاف عبد الوهاب أنهم أمام كنز من الغناء الرومانسي الجديد، مخبأ في حنجرة النجمة الصاعدة «ليلى مراد». فكان أن تحوّل عقد الأربعينيات من القرن الماضي إلى عصر تألقها، حيث تبوأت عرش الأغنية السينمائية الرومانسية في سلسلة طويلة من الأفلام التي أصبحت تحمل اسمها في عنوان كل فيلم، لتأمين نجاحه الجماهيري، فكانت سلسلة أفلام: «ليلى بنت الفقراء»، و«ليلى بنت الأكابر»، و«ليلى في الريف» وغيرها.
وحدث أن الممثل والمخرج الصاعد «أنور وجدي» (1904- 1955م) كان يراقب هذا التحول الكبير والجماهيرية الهائلة التي أصبحت تتمتع بها «ليلى مراد». فما كان منه إلا أن طلبها للزواج بعد اشتراكهما في فيلم «ليلى بنت الفقراء» عام 1945م.
لكن قصة اقترانها بـ«أنور وجدي» جاءت بإيجابيات وسلبيات على حياتها الفنية، فمع أن الأفلام التي أخرجها كانت ناجحة جماهيرياً، إلا أنه كان يرفض بشدة أن تقوم «ليلى مراد» ببطولة أي فيلم من غير إنتاجه. وفي كل مرة كانت تفعل ذلك، كانت حياتها المنزلية تتحول إلى جحيم على يده، حتى طلّقها ثلاث مرات قبل أن تنفصل عنه نهائياً في منتصف الخمسينيات، بعد أن كانت قد اقتربت من سن الاعتزال الفني الذي تم مبكرًا، قبل أن تكمل الأربعين من عمرها.
يلاحظ أن المخرج «توجو مزراحي» (1901- 1986م) هو أكثر من تعاملت معه «ليلى مراد» في المرحلة الأولى من عمرها السينمائي، حيث أخرج لها خمسة أفلام (ما بين عامي 1939- 1944م)، بينما أكثر من تعاملت معه لاحقاً هو زوجها «أنور وجدي» الذي أخرج لها سبعة أفلام (ما بين عامي 1945- 1953م).
كما شكلت ثنائياً فنياً مع الفنان القدير «يوسف وهبي» في سبعة أفلام (ما بين عامي 1939- 1951م)، بعضها من إخراجه، مثل: «ليلة ممطرة» (1939م)، و«غزل البنات» (1949م)، و«حبيب الروح» (1951م).
والتقت أيضاً مع الفنان «حسين صدقي» (1917- 1976م) في خمسة أفلام، منها: «شاطئ الغرام» (1950م)، و«آدم وحواء» (1951م)، و«الحبيب المجهول» (1955م).
أعلنت الفنانة «ليلى مراد» إسلامها عام 1946م في أوائل شهر رمضان من ذلك العام، وأشهرت إسلامها في مشيخة الأزهر أمام الشيخ «محمود أبو العيون». كما تزوجت من الكاتب والسياسي «وجيه أباظة» (1917- 1994م) وأنجبت منه ابنها «أشرف»، ثم تزوجت «فطين عبد الوهاب» (1913- 1972م) الذي أنجبت منه ابنها «زكي» (1961- 2022م).
فارقت الفنانة الكبيرة «ليلى مراد» الحياة في 21 نوفمبر عام 1995م. وقد طلبت في وصيتها الأخيرة أن تشيع جنازتها دون إعلان مسبق، وأن ينشر النعي بعد أن يتم الدفن، وأن تكون الصلاة عليها في مسجد السيدة نفيسة في القلعة، وألا يحضر الغرباء جنازتها.
كرمت الفنانة في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 1998م بمنحها شهادة تقدير. وفي عام 2007م أهدى فريق عمل فيلم «في شقة مصر الجديدة» الفيلم إلى «ليلى مراد» بعبارة ظهرت في نهايته:
«إهداء إلى ليلى مراد… صوت الحب لكل الأجيال».
كما أُنتج مسلسل بعنوان «أنا قلبي دليلي» المأخوذ عن إحدى أشهر أغانيها عام 2009م حول حياتها، وأدت دورها الممثلة «صفاء سلطان». المسلسل من تأليف «صالح مرسي» وإخراج «محمد زهير رجب».
باحث وكاتب مصري




