عبد الكريم البليخ
يأتي كتاب «مصباح الخميس» للشاعر والروائي السوري عيسى الشيخ حسن، الصادر عن دار نرد للنشر والتوزيع في ألمانيا، بوصفه الإصدار الأول ضمن «سلسلة أمالي فراتية»، لا باعتباره مجموعة نصوص تستعيد ملامح مكان مضى فحسب، وإنما محاولة واعية لإنقاذ ذاكرة بشرية كاملة من التبدّد، وردّ الاعتبار إلى أناس عاشوا بعيداً عن الضوء، وظلوا طويلاً على هامش السردية الثقافية، مع أنهم كانوا، بحياتهم البسيطة وتفاصيلهم اليومية، جزءاً أصيلاً من تاريخ الجزيرة السورية والفرات.
الفرات يستعيد ذاكرته
بعد رحلة في الكتابة امتدت قرابة عقد من الزمن، تتخذ المقالات التي كان الشيخ حسن يكتبها صباح كل خميس هيئة كتاب يضمّ تسعاً وأربعين مقاربة سردية في نحو مئتي صفحة، تتقاطع فيها السيرة الذاتية بالذاكرة الجمعية، حتى يصعب الفصل بين حياة الكاتب وحياة المكان. فالقرية هنا ليست خلفية للحكاية، والفرات ليس مجرد نهر، وحقول القمح وكروم العنب والبيوت الطينية وبيوت الشعر ليست ديكوراً تراثياً، بل شخصيات حية تتنفّس داخل النص، وتحمل في جدرانها وترابها وروائحها وأصواتها تاريخ أناس بعثرتهم السنون، ثم فرقت الحروب والهجرة والمنافي كثيراً منهم في جهات الأرض.
يكتب عيسى الشيخ حسن عن الأهل والأصدقاء والمعلمين والرعاة والفلاحين والراحلين، وعن الخبز والحليب والرعي والحصاد والضيافة والأعراس والسفر والألعاب الشعبية ومواسم الفرح والحزن. غير أن هذه التفاصيل، على بساطتها الظاهرة، لا تبقى صغيرة تحت قلمه. فالرغيف يتحول إلى ذاكرة عائلة، والبيت الطيني إلى سجل اجتماعي، والكلمة الدارجة إلى مفتاح لفهم طبقات عميقة من اللغة، والعادة اليومية إلى شاهد على نظام من القيم والعلاقات ظل يحكم حياة الناس سنوات طويلة.
من هنا، لا يقرأ «مصباح الخميس» بوصفه كتاب حنين بالمعنى السهل للكلمة. فالحنين في هذه الصفحات ليس ترفاً وجدانياً، ولا رغبة في تزيين الماضي أو الادعاء بأنه كان فردوساً خالياً من القسوة. إنه حنين مشوب بوعي الفقد، وبإدراك أن الأمكنة حين تغيب لا تختفي دفعة واحدة، بل تبدأ في التآكل داخل الذاكرة، وأن الناس حين يتفرقون يخسرون شيئاً من لغتهم وعاداتهم وصورتهم عن أنفسهم.
الكاتب والشاعر عيسى الشيخ حسن
ولعلّ القيمة الأبرز في المشروع أن صاحبه لا يتعامل مع الموروث بوصفه متحفاً مغلقاً، ولا مع الشفاهيات باعتبارها طرائف تصلح للتسلية. إنه يقترب منها بعين السارد، وروح الباحث، وفضول المحقق، متكئاً على تقاليد «الأمالي» في التراث العربي، ومتعقباً المفردات في أصولها وتحولات دلالاتها، وواصلاً بين العامي والفصيح، وبين ما حفظته أفواه الناس وما استقر في بطون المعاجم.
القرية تسكن الذاكرة
وهكذا تتحول اللغة نفسها إلى وثيقة اجتماعية. فاللهجة ليست كلاماً ناقصاً يحتاج إلى التصحيح، بل خزّان خبرة وذاكرة، تحمل آثار البيئات التي عبرت منها والأجيال التي تداولتها. وفي الدفاع عن هذه اللغة دفاع غير مباشر عن أصحابها، وعن حقهم في أن يكونوا جزءاً من التاريخ الثقافي، لا مجرد هامش ملحق بمراكز كبرى تقرر من يستحق أن يُسمع صوته ومن يبقى خارج المتن.
ويعبّر الشيخ حسن عن ذلك بوضوح حين يتحدث عن أهله الذين عاشوا في «ماعون جغرافي كبير» بعيداً عن المدن الكبرى وحواضرها وثقافاتها، وظلوا في سرديات المركز مجرد أتباع في الهامش، صالحين لتجربة الأيديولوجيات المتعاقبة.
وتضع هذه الرؤية يدها على جرح أعمق من الجغرافيا. فالهامش لم يكن مكاناً بعيداً فحسب، بل كان في كثير من الأحيان موقعاً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً يُنظر منه إلى الناس من فوق، وتُختزل حياتهم في صور نمطية جاهزة. وحين لا تكتب جماعة ما ذاكرتها بنفسها، يتولى الآخرون كتابة صورتها، وقد يختصرونها في صفة أو مصلحة أو موقف سياسي، فتضيع التفاصيل التي تصنع حقيقة البشر.
لذلك تبدو استعادة الكاتب لقريته “بصلجة” أكثر من وقفة وفاء لمكان الطفولة. إنها محاولة لحماية المكان من أن يتحول إلى اسم باهت في ذاكرة جيل يتناقص شهوده.
يصف القرية بأنها «حمامة بيضاء فوق غصن أخضر حين يتنفس الربيع»، ويستعيد بيوتها المتقاربة بين كروم العنب، وبياض جدرانها بعد تجدد «تغرية» البيوت، ثم يعود إلى ربيع عام 1974 حين دخل مدرستها تلميذاً، وكانت موزعة على غرفتين متباعدتين، يحيي فيها الصغار العلم أمام الأستاذ رمضان قبل أن يمضوا إلى الغرفة الشمالية.
قد تبدو هذه لقطة شديدة البساطة، لكنها تختزن زمناً كاملاً. فالذاكرة الشعبية تحفظ ما لا تحفظه الخرائط، وما لا تلتفت إليه الوثائق الرسمية. تتذكر هيئة المعلم، ومسافة الطريق، ورائحة التراب، وشكل الباب، والصوت الذي كان ينادي الأطفال. ومن هذه الأشياء الهامشية ظاهرياً يتشكل وجدان الجماعة.
وهنا تكمن إحدى وظائف الأدب الأكثر إنسانية: أن يمنح الأشياء التي تجاهلها التاريخ فرصة للكلام.
ثمّة بعد نفسي عميق أيضاً في «مصباح الخميس». فالإنسان حين يبتعد عن مكانه الأول يبدأ، من دون أن يدري، في إعادة بنائه داخله. تصبح اللغة بيتاً بديلاً، والحكاية غرفة، والذكرى نافذة، والكتابة محاولة لمقاومة شعور قاسٍ بأن كل شيء يمكن أن يضيع.
ولعل هذا ما يجعل أدب الذاكرة في زمن الهجرة والمنفى أكثر من مجرد استرجاع للماضي؛ إنه دفاع نفسي عن الهوية في مواجهة التشظي.
وتزداد هذه الدلالة حضوراً في إهداء الكتاب إلى رفيقة درب الكاتب وغربته، أم عبد الله، التي شاركته جانباً من رحلة إنجازه قبل أن يغيّبها المرض. عند هذه النقطة يتداخل العام بالخاص، وتصبح ذاكرة الفرات مجاورة لذاكرة الفقد الشخصي. فكأن الكتاب، وهو يحاول إنقاذ الأمكنة والوجوه من الغياب، يحاول في الوقت نفسه إنقاذ الحب من النسيان. فالوفاء للأرض لا ينفصل، في جوهره، عن الوفاء للإنسان.
حكايات تصنع البقاء
وقد أحاط بالمشروع عدد من الأدباء والباحثين والفنانين، من احتضان دار نرد لنشره، إلى ملاحظات خبير التراث والأدب أحمد الحسين، والصورة التي حملت عين المصور عبود حمام، وتصميم الغلاف والخط الذي أنجزه عبيدة البنكي، فضلاً عن استلهام تفاصيل من البيت الفراتي، بما يجعل الشكل جزءاً من الفكرة، لا زينة خارجية لها.
إن «مصباح الخميس» ليس كتاباً عن الماضي وحده. إنه، في جوهره، سؤال موجّه إلى حاضرنا: ماذا يبقى من مجتمع حين يفقد ذاكرته؟ ومن يكتب حياة أولئك الذين عاشوا بعيداً عن المراكز والسلطة والضوء؟ ومن ينصف الفلاح الذي رحل من غير أن يكتب سيرته، والمعلم الذي بقي اسمه في ذاكرة تلاميذه، والمرأة التي صنعت خبز البيت، والراعي الذي حفظ أسماء الأرض، والأطفال الذين كبروا ثم بعثرتهم المنافي؟
قيمة الكتاب أنه لا يبحث عن الأبطال الكبار، بل ينحاز إلى البشر العاديين، أولئك الذين يصنعون الحياة ولا يجدون غالباً من يكتب عنهم.
وبهذا المعنى، يصبح «مصباح الخميس» فعلاً من أفعال المقاومة الثقافية في وجه النسيان؛ يعيد الهامش إلى قلب الحكاية، ويمنح الذاكرة الشعبية مكانها المستحق في التاريخ المكتوب.
فالذاكرة التي لا تجد من يصونها تموت مرتين: مرة حين يرحل أصحابها، ومرة حين يُنسون.
أما حين تتحول إلى أدب، فإنها لا تستعيد الماضي فقط، بل تمنحه حياة أخرى، وتقول لمن عاشوا على ضفاف الفرات، وفي قراه وحقوله وبيوته الطينية: لقد كنتم هنا، وحكاياتكم تستحق أن تبقى.
كاتب وصحافي سوري

