«بعد حين»: الانتقال من الأثر إلى الصورة
رحيم يوسف
لا تمثل تجربة الفنان التشكيلي الدكتور مكي عمران الخفاجي في «بعد حين» تجربة منفصلة عن مشروعه الفني، ولا خروجاً عن عوالمه السابقة، بل تمثل حفراً أعمق داخلها، ومحاولة للذهاب بالتجربة إلى أقصى مدياتها الجمالية عبر البحث والتقصي. إنها ليست استعادة للماضي بقدر ما هي بحث عما تبقى منه، بعد أن يتحول إلى أثر في الوعي. ومن هنا يتحول السطح التصويري إلى فضاء تتجاور فيه الذاكرة الشخصية مع الذاكرة السومرية والأسطورة والحلم، فيما تتخذ الأشياء هيئة علامات لا تُقرأ سردياً، وإنما باعتبارها بقايا حضور غائب.
في هذه التجربة يتحسس الفنان الندوب التي تركتها الجروح في روحه، ويعيد صياغتها بصرياً عبر انتقال متدرج من الأثر إلى العلامة، ومن العلامة إلى الصورة.
يكتب الفنان:
«أستهل في مرابع الوجد حروفاً من نار تتلظى في كبد شرنقتي، ولا خيط حرير يقودني إليها.
قد تجمع الدمعة الأهداب معاً، (لحظة) أسى عابر، إلا أن الضفتين شاهدتان على جرح عميق… حين مرت دموع السماء بأرض يباب.
نعم… لا تقدر الأهداب على ترميم هذا الجرح، والعمر قارب منخور بالتردد والانتظار. وهل يكفي البقاء فناراً في عين بحار أفقدته السنين بوصلة الحنين؟
الفنان التشكيلي مكي عمران الخفاجي
لقد تأخر البشير، والقافلة هائمة تتهجى عطر زليخة في فيافي الضمير، والقميص ما زال على مائدة الانتظار لم يُقدَّ، ولا طفلاً سومريًا يشهد، ولا أثرًا لهمس أنامل يُذكر، في لقاء ترجل من عالم افتراضي قبل مرور سكين الزليخات. أيها التيه، هل ترك دافنشي أثراً لقبْلته في شفاه الجيوكوندا؟ أم تبرأت ملونته من شفراته المودعة في صحائف التأويل؟ هل اختزلت ابتسامتها وجوده؟ فحملها معه بقية العمر».
لا يمثل هذا النص مجرد مرافقة شعرية للأعمال، وإنما يشكل مفتاحاً تأويلياً مهماً للدخول إلى ثنايا التجربة التشكيلية. إنه صرخة حزن ظلّت مكتومة طويلًا حتى فاضت، وتعبير عن قلق شعوري امتد زمنًا طويلًا، رغم قصر زمن التجربة الفعلي. كما يكشف عن صراع الداخل والخارج، وينطلق من تجربة ذاتية حاول الفنان توسيع مداها عبر استعارات مستمدة من أزمنة ومرجعيات مختلفة.
وقد أسهم هذا التعدد الاستعاري في تعميق الإحساس بالتجربة، وفتحها أمام المتلقي على مستويات تتجاوز الاعتراف الشخصي نحو أسئلة الغياب والانتظار والذاكرة. لذلك لا يمكن قراءة التجربة الصورية بمعزل عن النص الشعري، لأن الفنان أقام تعالقًا واضحًا بين الشعري والصوري؛ فالصورة هي عملية تجسيد على السطح، بينما يتحرك النص في فضاء الأثر والغياب والانتظار والذاكرة، بحثًا عن آخر تعذر الوصول إليه.
من هنا تنطلق تجربة «بعد حين» من منطقة تقع بين الذكرى والصورة. فالفنان لا يستعيد حدثاً مكتملاً، وإنما يستعيد أثره بعد أن أصبح بعيدًا أو متعذر الاستعادة. ولهذا تحمل عبارة «بعد حين» زمناً مؤجلاً، زمناً يأتي فيه التذكر بعد فوات اللحظة، حين يفقد الحدث حضوره المباشر ويتحول إلى أثر.
حتى «الشرنقة» في النص يمكن قراءتها باعتبارها فضاءً تشكيليًا مغلقًا تتكون داخله التجربة قبل خروجها إلى الصورة. يقول: «حروفًا من نار تتلظى في كبد شرنقتي». يتحول الداخل هنا إلى مكان للولادة، فلا تخرج الصورة من ذاكرة ساكنة، وإنما من تجربة تبحث عن منفذ. أما «خيط الحرير» فيحيل إلى الرغبة في الوصول إلى ذلك الداخل، مع بقاء الوصول نفسه موضع شك. وهكذا تتشكل ثنائية أساسية: الرغبة في الوصول مقابل استحالة الوصول.
وعلى ضوء ذلك، لا تبحث أعماله عن تمثيل العالم الخارجي كما هو، بل عن استعادة شيء غائب من خلال علاماته وآثاره. فالدمعة، مثلًا، لا تمثل الحزن فقط، وإنما تصبح أثراً لاتصال مؤقت بين شيئين متباعدين، سرعان ما يعود بعده الجرح إلى الانفتاح.
وتبلغ الصورة ذروتها في قوله: «إلا أن الضفتين شاهدتان على جرح عميق… حين مرت دموع السماء بأرض يباب». يتحول الوجه هنا إلى أرشيف للجرح؛ فالعينان لا ترويان الحزن فقط، وإنما تشهدان عليه. وهذه النقطة أساسية في القراءة التشكيلية لأعماله، لأن العلامة البصرية يمكن فهمها باعتبارها شاهدًا على الغياب. إنه لا يرسم الجرح نفسه، وإنما يرسم أثر الجرح في الوعي.
أما الزمن، فيظهر في استعارة شديدة الكثافة: «والعمر قارب منخور بالتردد والانتظار». فالعمر هنا ليس خطًا مستقيمًا يقود إلى المستقبل، وإنما قارب متآكل يواصل الإبحار رغم ثقوبه. ويمكن، في هذا السياق، استحضار أفق انتظار يقترب من المناخ العبثي في مسرح يوجين يونسكو، حيث يتخذ الانتظار شكلًا دائريًا لا يقود بالضرورة إلى وصول.
ومن هنا يمكن فهم التكرار، والفراغات، والمساحات المعلقة، والأشكال التي تبدو كأنها تبحث عن مركز ولا تصل إليه، باعتبارها بنيات زمنية داخل اللوحة، لا مجرد حلول شكلية. فالفنان لا يقف خارج الزمن ليرسمه، وإنما يتحرك داخل زمن الانتظار نفسه.
ثم تأتي صورة الفنار والبحار: «وهل يكفي البقاء فناراً في عين بحار أفقدته السنين بوصلة الحنين؟». يصبح الفنان هنا فناراً، بينما يتحول الآخر إلى بحار تائه. غير أن وجود الفنار لا يعني بالضرورة وصول السفينة. وهكذا يصبح الفن محاولة لإبقاء الضوء قائماً في مواجهة الغياب؛ فلا يعيد الفن الغائب، لكنه يحفظ إمكانية الوصول إليه من خلال الأثر.
وتتعمق ثنائية الأثر والغياب في استدعاء زليخة ويوسف والقميص. فالقميص ليس تفصيلًا سردياً، وإنما أثر مادي يحمل حقيقة الغائب، فيما يحيل الطفل السومري إلى طبقة أقدم من الذاكرة الحضارية. أما عبارة «لقاء ترجل من عالم افتراضي» فتفتح التجربة على منطقة ملتبسة بين الحضور والغياب، وبين الحقيقي والمتخيل، بينما تحضر «سكين الزليخات» باعتبارها لحظة انكشاف تقطع وهم الانتظار.
وتبلغ فكرة الأثر ذروتها في استحضار الجيوكوندا ودافنشي. فالسؤال هنا لا يتعلق بالموناليزا وحدها، وإنما بالأثر الذي يتركه الفنان داخل عمله، وبقدرة الصورة على اختزال وجود صاحبها. هل يبقى شيء من الإنسان داخل الصورة؟ أم تتحول الصورة إلى كيان مستقل يحمله الفنان معه بقية العمر؟
من هنا تتأكد البنية العميقة لتجربة «بعد حين»: الغياب يتحول إلى أثر، والأثر إلى علامة، والعلامة إلى صورة. لذلك لا يرسم الفنان الغائب، وإنما يرسم ما تركه الغياب في الوعي.
وتقوم تجربة مكي عمران على تحويل الذاكرة إلى بنية بصرية حية تتداخل فيها الوجوه والطيور والأسماك والقوارب والنباتات والرموز والأشكال التي تستحضر الموروث الرافديني والمصري والشرقي. غير أن هذه العناصر لا تعود بصورتها التاريخية المباشرة، بل يجري تفكيكها وإعادة تركيبها داخل فضاء معاصر، فتتحول من بقايا تاريخية إلى علامات حية في الوعي.
فالذاكرة هنا ليست أرشيفاً مرتباً، وإنما شظايا تتجاور وتتداخل وفق منطق الحلم والوعي. ولذلك لا يرسم الفنان الماضي، بل يرسم كيفية بقائه داخل الإنسان. تتحول الوجوه والعيون والأجساد والقارب والشجرة والسمكة إلى علامات تختزن الغياب والانتظار والجرح.
ويكتسب القارب أهمية خاصة باعتباره رمزًا للعبور والرحلة الداخلية، بينما تحيل الشجرة إلى استمرار الحياة وإمكان إنبات الذاكرة. أما حضور سومر فلا يأتي في صورة موضوع تاريخي أو زخرفي، وإنما كطبقة عميقة من الوعي الحضاري تختلط بعناصر شرقية ومصرية ومتوسطية.
وتقترب بعض العلامات في أعماله من تجربة هنري ميشو، خصوصًا في العلاقة بين الرسم والكتابة، غير أن عمران يضيف إلى هذا المنحى أبعاد الأسطورة والهوية والذاكرة الحضارية، ليؤسس لغة بصرية تنتمي إلى تجربته الخاصة.
أما اللون والسطح، فهما جزء أساسي من هذه الرؤية. فاللون يحمل الانفعال والزمن، والسطح يبدو كأنه طبقات متراكمة من الظهور والمحو والكشف. وبذلك تصبح اللوحة أشبه بمدينة للذاكرة، تتداخل فيها الشخصيات والرموز والأشكال من دون مركز واحد للمعنى.
ويمكن اختزال تجربة «بعد حين» في مسار واحد: الغياب، الجرح، الانتظار، الذاكرة، الأثر، العلامة، الصورة.
إن مكي عمران لا يرسم صور الذاكرة، بل يرسم أنقاضها وآثارها وهي تعيد تشكيل نفسها. لذلك تبدو أعماله كأطلال حية تجمع بين الأثر والحلم والأسطورة والذاكرة الشخصية، وتكشف كثافتها البصرية عن ازدحام الذاكرة نفسها.
هل يمكن أن يتطابق الوجود الواقعي مع التصور الحلمي في تجربة الفنان؟
الجواب: لا يتطابق الواقع مع الحلم تطابقاً مباشراً، وإنما يتداخلان داخل فضاء تشكيلي واحد. فالواقع لا يظهر كما هو، بل بعد أن تعيد الذاكرة والخيال تشكيله. الوجوه والقوارب والأشجار والأسماك والطيور والرموز الحضارية لا تمثل أشياء واقعية في حضورها المباشر، بقدر ما تمثل آثاراً لواقع مرّ عبر الوعي وتحول إلى صورة حلمية.
لذلك تبدو اللوحة منطقة وسطى بين الوجود والتخيّل؛ فلا هي واقع خالص، ولا حلم منفصل عن الواقع، وإنما واقع أعادت الذاكرة إنتاجه. ومن هنا تأتي كثافة العلامات وتراكب الأزمنة والحضارات، إذ تتحول سومر والأسطورة والإنسان والجرح والغياب إلى طبقات متداخلة داخل الصورة.
فالقارب، مثلاً، ليس قارباً واقعياً فقط، بل يتحول إلى استعارة للرحلة والانتظار والعبور. والوجه ليس صورة لشخص محدد، بل شاهد على الذاكرة والغياب. والشجرة ليست نباتاً فحسب، وإنما علامة على استمرار الحياة وإمكان الإنبات من أرض الذاكرة.
بهذا المعنى، فإن «بعد حين» لا يرسم الواقع في لحظة حضوره، بل يرسمه بعد مروره عبر الحلم والذاكرة. ولهذا يمكن القول إن مكي عمران لا ينقل الواقع إلى اللوحة، وإنما ينقل أثر الواقع بعد أن يتحول إلى حلم.
وعليه، فإن التطابق ليس بين الواقع والحلم، وإنما بين الحقيقة الشعورية التي يعيشها الإنسان والصورة التي يصنعها خياله عنها.
ناقد تشكيلي عراقي
من أعمال الفنان مكي الخفاجي

