من حكايات قريتنا

الرّاديو والسّنونو
عبد الحميد الخلف الإبراهيم

كان في بيتنا راديو متوسّطُ الحجْمِ، لا نسمعُ منه إلّا الأخبارَ والقرآنَ الكريم، ولم يحدثْ أن سمعنا منه سميرة توفيق أو فهد بلان كما يفعل راديو أخوالي.
كان الرّاديو يتربّع فوق رفّ على الحائط، لا تصلُ إليه إلّا يدُ أبي، ولم يكنْ أبي طويلاً، فقد أخذ طولَه من أمّه عدلة الحسّان، ولم تكن طويلةً، لكنّا في ذلك الحين كنّا أقصرَ منه، وبهذا سَلِم الرّاديو من العبث إلى حين.
كانتْ فكرةُ العبثِ بالرّاديو تراودُنا كلّما غابَ المختار، بالرّغم من خوفنا الشَّديد من عاقبة هذا العَبث، ومعرفتِنا بردّةِ فعلِ (سي السيّد) إذا عرَفَ بما فعلنا.
لكنّ ساعةَ العبثِ لم تتأخرْ كثيراً، فقد تُوفّي خالي (محمّد المصطفى) رحمه الله، وانعقدت حلقات النّدب (حربي على شُقْر الشّوارب حربي)، وانتقلتْ عائلتُنا برمّتها كالعادة إلى بيت العزاء، وأُغلِقَ بيتُنا، لكنّي كنت لا أجد أحداً يدري بي في معمعة العزاء، فأعودَ إلى بيتِنا في النّهار، وتعود جدّتي فتفطنُ إلى أنّي لم آكلْ شيئاً، فتنقذني من التّضوّر!
طال العزاء أيّاماً، وذاتَ يوم عُدت في الضُّحى، وصادفَ أن قابلْتُ زميلاً لي في المدرسة قُربَ البيت، كان أحمد الخلف الحمد الذي كانت أمّه، رحمها الله، تلقّبه (غازان)، كنّا في الصّفّ الثّاني أو الثّالث الابتدائيّ كما أظنّ، فدعوْتُهُ، فاقترح عليّ أن نصطاد الخُطّاف (السّنونو) الذي دخل البيت عندما فتحنا الباب.
كان الخُطّاف (السّنونو) يعود في أوّل الربيع إلى منطقتنا، فيبني عُشّه على أعمدة السّقف في كلّ دار، يختار مكاناً على عمود يناسبه، وينقل إليه حبّات الوحل المقوّاة بالقشّ، يلصقها حبّة حبّةً، حتى يكتمل العشّ، فيفرشُه ويبيض فيه فيفرّخُ، ثمّ يغادر قبل عودة الشّتاء والبرد، وقد تعوَّدَ الناسُ ذلك بما فيه من رَوثٍ يتَسَاقط ُعلى أرضِ الدّار.
رأيت ذاتَ يوم، بعد ذلك، بعد عام أو عامين، عند الأصيل، وأنا أسير مع أبي في الشّارع المؤدّي إلى عيادة الدّكتور محمّد علي الخُرَقي بتل أبيض، أطفالاً في مثل سنّي، يلعبون مع السّنونو في الشّارع، يحاولون اعتراضَه بمذبّات، من نوع المذّبة التي شرح لنا أحد أساتذتنا أنّ الدّايَ الجزائريّ ضربَ بها السّفيرَ الفرنسيّ في القرن التّاسع عشر، والسّنونو يمرُقُ من بين المذبّات، ثمّ يعلو فيستدير، فيعود ليمرقَ من بينها من جديد! كان منظراً جميلاً!
حاولت أن أفعل ذلك مع الخطّاف أمامَ بيتنا، فاستجاب الخطّاف قليلاً، لا كما رأيته في تل أبيض، يبدو أنّي لم أكن على مثل ما كان عليه أطفالُ تل أبيض الأرمن من براعة، أو أنّ سنونو تل أبيض لم يكن خطّافاً، كان من نوع السّنونو الذي كنّا نحفظُ فيه أبيات الشّعر الرّحبانيّة في طفولتنا:
تلك أســـــرابُ السّــــنونو رجعـتْ بعـد الغــــــيــاب
صـــــــوتُها عــذبٌ حــنونُ مثـلـــه عنـــدَ الذّهـــاب
أتــــــــراهـــــا تــــتـــغـنى وأغـــانـــــيـــهـا عــــذاب
عـلّــها تـســــــأل عـــنّـــــــا بعد أن طـال الغــيــاب
تعاونْتُ وصديقيَ في محاولةِ اصطياد الخطّاف بالمقشّة، بعد أن أحكمْنا إغلاق البابِ كي لا يهربَ، ولم تُفْلحِ المقشّةُ، إذْ كانَ الخُطّاف ينتقل من عمود إلى آخر بسرعة لا تدركها المقشّة، فاستخْدَمْنا الأحذيةَ، فحَطَّ الخُطّاف فوق الرّاديو، فأطلق عليه صديقي حِذاءً طنبوريّاً (ثقيلاً)، لم يُصبْهُ، بل أصاب الرّاديو فسقط َ وتكسَّر، وكانتْ تلك طامّةً كبرى.
تشفّعَتْ لي أميّ المفجوعةُ بأخيها – رحمهما اللهُ – لدى اكتشاف الجريمة النّكراء، واختفى الرّاديو من مكانه، واستمرّتْ الحياة بدونِه، ولم يدخل بيتَنا راديو حتى اشتريْتُ بنفسي راديو من النّوع الصّيني بعد سنوات عديدة عند وصولي إلى الجامعة، والغريب أنّي تناسيت الرّاديو الذي تسبَّبْتُ بتكسيرِهِ، ولم أسألْ أبي عن مصيره.
منذ سنوات سمحَ لي المختار بوراثةِ صُوَرِهِ وأوراقِهِ الخاصّةِ، فوجدْتُ من بينها رسالةً إليه مرسلةً من أخيه محمّد الخلف الإبراهيم، أثناء تأديتِهِ الخدمةَ العسكريّةَ بدمشق، عرفْت منْ خلالها أنّ الراديو القتيل لم يُصَبْ في الواقعة إلا غِلافُه، ويتطلّبُ تبديلُ غلافِه ثلاثينَ ليرةً سوريةً بالتّمام والكمال، وكان على المختار إرسالها لأخيه ليتمّ ذلك، لكنّه لم يرسل شيئاً، لأنّه ببساطة لم يكن قادراً على إرسال مثل هذا المبلغ الكبير، ولم يكن أخوه ـ رحمه الله ـ قادراً على تحمّل ذلك.
في ذلك الحين كان حزبُ صلاح جديد يُسَمّينا بكلِّ وقاحة: (الإقطاعيين).
مدرس لغة عربية سوري مقيم في الدوحة


