Site icon مجلة المزمار العربي

ميسي يودّع الملاعب بالدموع والأهداف

شكراً ميسي .. منحتنا من الفرح ما يكفي لأجيال.

عبد الكريم البليخ

حين يبكي الأساطير، تدرك الجماهير أن بعض الوداعات لا تعني نهاية مباراة، بل نهاية زمن كامل من الأحلام والانتصارات والذكريات.

لم تكن ليلة السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 2026، ليلة عادية في تاريخ كرة القدم الأرجنتينية. ففي ملعب «مونومنتال» بالعاصمة بوينس آيرس، احتشد أكثر من 85 ألف متفرج، لا لمتابعة مباراة ودية أمام منتخب بنين فحسب، بل لتوديع رجل أصبح، على امتداد واحد وعشرين عاماً، جزءاً من وجدان أمة بأكملها.

هناك، وقف ليونيل ميسي للمرة الأخيرة مرتدياً قميص بلاده، بينما كانت الدموع تختلط بالهتافات، والفرح يتقاسم المكان مع الحزن، في مشهد بدا أقرب إلى وداع عزيز منه إلى احتفال رياضي.

كانت الأرجنتين ترتدي ألوان علمها، الأزرق السماوي والأبيض، وتتهيأ لرقصة «التانغو الأخير».

لم يكن الوداع سهلاً على ميسي نفسه. ذلك الفتى الذي غادر الأرجنتين صغيراً ليصنع مجده في برشلونة، عاد بعد سنوات طويلة رجلاً يحمل ألقاباً لا تُحصى، لكنه ظل أمام قميص بلاده ذلك الطفل الذي يحلم بإسعاد أهله وناسه.

وحين دخل أرض الملعب برفقة أطفاله الثلاثة، بدت ملامحه أكثر تأثراً من أي وقت مضى. كان يعرف أن خطواته هذه تختلف عن كل ما سبقها، وأن النهاية، مهما كانت جميلة، تظل موجعة حين تتعلق بشيء أحببناه إلى هذا الحد.

ولعلّ أكثر ما يثير التأمل في حكاية ميسي أن علاقته بالجماهير الأرجنتينية لم تكن دائماً علاقة حب خالصة. فقد عاش سنوات طويلة تحت وطأة المقارنة مع دييغو مارادونا، وتعرض لانتقادات قاسية كلما أخفق المنتخب في بلوغ منصة التتويج. حتى إن بعضهم شكك في انتمائه، لأن نجاحاته مع برشلونة كانت تتجاوز ما يحققه مع بلاده.

كانت تلك الأحكام تترك جراحاً لا تراها الكاميرات. فالنجومية، مهما بلغت، لا تحمي صاحبها من الشعور بالخذلان، ولا تجعل الإنسان بمنأى عن قسوة الكلمات. وكان على ميسي أن يتحمّل عبء أحلام الملايين، وأن يواجه الإخفاق بالصبر، حتى جاءت اللحظة التي تبدل فيها كل شيء.

فاز بكوبا أميركا عام 2021، ثم قاد الأرجنتين إلى كأس العالم في قطر عام 2022، وعاد ليضيف لقب كوبا أميركا عام 2024. وحين خسر نهائي مونديال 2026 أمام إسبانيا، لم تعد الجماهير تنظر إليه بعين اللوم، بل بعين الامتنان لرجل أعطى بلاده كل ما استطاع.

وفي مباراته الأخيرة أمام بنين، كأن كرة القدم أرادت أن تمنحه خاتمة تليق برحلته. صنع هدفين لزميليه نيكولاس أوتاميندي ونيكو باز، ثم سجل بنفسه الهدف الثالث من ركلة جزاء، ليختتم مشواره الدولي برصيد 126 هدفاً خلال 208 مباريات.

لكن الأرقام، على عظمتها، لم تكن أكثر ما شغل الحاضرين. فالعيون كانت تتجه إلى وجه ميسي، تبحث في ملامحه عن أثر السنوات، وعن ذلك الحزن الصامت الذي يرافق الإنسان حين يودع مرحلة لن تتكرر.

وفي الدقيقة العاشرة، توقف اللعب، ووقفت المدرجات تصفق طويلاً لصاحب الرقم الذي تحول إلى رمز. لم يكن التصفيق مجرد تحية للاعب موهوب، بل اعترافاً جماعياً بسنوات من الصبر والعمل، وبعلاقة إنسانية عميقة نشأت بين نجم وجمهور تقاسما الخيبة والانتصار.

وحين تحدث ميسي بعد المباراة، خانه صوته، وتزاحمت المشاعر في عينيه. فقد كان الوداع هذه المرة مثقلاً أيضاً بحزن شخصي بعد رحيل والده، فامتزج ألم الفقد بألم الابتعاد عن القميص الذي أحبّه. وأكد أن تمثيل الأرجنتين ظل من أعظم مصادر فخره، وأنه تمنى لو استطاع الاستمرار إلى الأبد.

وفي تلك الكلمات ما يتجاوز حدود الرياضة. فالإنسان، مهما حقق من نجاحات، يظل متعلقاً بالأشياء التي منحت حياته معناها. وحين يحين موعد الرحيل، يكتشف أن أصعب الانتصارات قد يكون انتصاره على رغبته في البقاء.

أما المدرب ليونيل سكالوني، الذي رافق ميسي في أعظم محطات نجاحه، فقد عبّر عن امتنانه العميق للاعب استثنائي، مؤكداً أن تعويض حضوره لن يكون أمراً سهلاً. وتوالت رسائل المحبة من رفاقه ومنافسيه، وبينهم نيمار، الذي رأى في مسيرته سبباً إضافياً لعشق كرة القدم.

غير أن المعنى الأعمق لهذه الليلة يكمن في العلاقة بين الفرد والجماعة. فالأمم لا تحتفظ في ذاكرتها بالأبطال لأنهم ينتصرون فقط، وإنما لأنهم يمنحون الناس لحظات يشعرون فيها بأنهم أقرب إلى بعضهم، وأكثر قدرة على تجاوز اختلافاتهم وأوجاعهم.

لقد كان ميسي، بالنسبة إلى ملايين الأرجنتينيين، أكثر من لاعب يحمل الرقم عشرة؛ كان وجهاً للأمل في زمن الصعوبات، ودليلاً على أن الصبر قد يحوّل الهزيمة إلى بداية انتصار.

وعندما أطلقت صافرة النهاية، وتعانق اللاعبون تحت أضواء الملعب، فيما رسمت الطائرات المسيّرة صورته في السماء، أدرك الجميع أن صفحة استثنائية قد طُويت، لكن حكايتها ستبقى مفتوحة في ذاكرة الأجيال.

غادر ميسي المنتخب، لكنه لم يغادر قلوب محبيه. فما يبقى من الإنسان ليس عدد ما جمعه من جوائز، بل الأثر الذي يتركه في الآخرين.

ولسنوات طويلة، انتظرت الأرجنتين من ميسي أن يمنحها الفرح والانتصارات. أما في ليلة الوداع، فلم تطلب منه هدفاً جديداً، ولا كأساً أخرى. جاءت فقط لتقول له، بدموعها وهتافاتها: شكراً يا ليو.. لقد منحتنا من الفرح ما يكفي لأجيال.

كاتب وصحافي سوري

Exit mobile version