Site icon مجلة المزمار العربي

ميسي يُهزم الخوف بالعقل

في التأهل تحقيقاً لحلم الشعب الأرجنتيني

عبد الكريم البليخ

راقب توماس توخيل قدمي ليونيل ميسي، لكنه أغفل مصدر خطورته الحقيقي: عقله. فرض عليه رقابة مشدّدة، وأغلق الممرات المؤدية إلى منطقة الجزاء، وحرمه من المساحات التي طالما حوّلها إلى أهداف، فظنّ أن الخطر قد تراجع، وأن إبعاد النجم الأرجنتيني عن المرمى كفيل بإبعاده عن قلب المباراة.

غير أن ميسي لم يكن يوماً لاعباً تختصره قدماه، مهما بلغتا من المهارة. خطورته تبدأ من قدرته على رؤية الملعب بصورة مختلفة، وقراءة تحرّكات زملائه وخصومه قبل أن تكتمل، واستشراف المساحات قبل أن تظهر. وحين يُغلق أمامه طريق، لا يتوقف، بل يبتكر طريقاً آخر، ويحوّل أضيق المساحات إلى ممرات مفتوحة لا يراها سواه.

وحين ضاقت أمامه المنافذ، أخذ يصنعها لزملائه. تراجع إلى الخلف، وغيّر اتجاه اللعب، واستدرج المدافعين بعيداً عن مواقعهم، ثم أرسل تمريراته في اللحظة التي اعتقد فيها الإنكليز أنهم أحكموا الحصار عليه.

لم يكن بحاجة إلى الاقتراب من المرمى أو تسجيل هدف كي يحسم المواجهة؛ فقد أدار المباراة بعقله، وصنع هدفي التعادل والفوز، مؤكداً أن العبقرية لا تُقاس دائماً بعدد الأهداف، بل بالقدرة على تغيير مصير المباراة بلمسة أو فكرة.

نجح توخيل في مراقبة حركة ميسي، لكنه لم يستطع تعطيل رؤيته. حاصر قدميه، وترك لعقله حرية تفكيك الدفاع الإنكليزي، حتى تحوّل الحصار إلى فخ وقع فيه أصحابه.

 لم يسجّل ميسي، لكنه صنع هدفي التعادل والفوز، مؤكداً أن بعض اللاعبين لا يحتاجون إلى هزّ الشباك حتى يضعوا توقيعهم على المباراة. وفي دقائقها الأخيرة، بدا وكأنه لا يخوض نصف نهائي كأس العالم تحت ضغط الملايين، بل يلعب في حديقة منزله؛ هادئاً، واثقاً، يتعامل مع الكرة كأنها امتداد لفكرته، ويمنحها المعنى والاتجاه اللذين يريدهما.

في الجهة المقابلة، تحوّل تقدّم إنكلترا من مصدر للقوة إلى عبء نفسي ثقيل. فما إن أحرزت هدفها حتى بدأ الخوف يتسلّل إلى داخلها، لا خوفاً من خسارة المباراة فحسب، بل من ضياع الحلم الذي اقترب فجأة. وهذه إحدى مفارقات كرة القدم والحياة معاً: قد يصبح الاقتراب من النجاح أشدّ إرهاقاً من السعي إليه، لأن الإنسان حين يرى ما يتمناه أمامه، يبدأ بالخوف من فقدانه أكثر من تفكيره في كيفية الوصول إليه.

بدلاً من أن تواصل إنكلترا الضغط بحثاً عن الهدف الثاني، تراجعت إلى مناطقها، وكأنها أرادت حماية النتيجة قبل أن تنضج. سحب توخيل لاعبين قادرين على الاحتفاظ بالكرة، ودفع بمدافع إضافي، فتحوّل التنظيم الدفاعي إلى حصار اختياري.

إنكلترا دفعت ثمن التراجع

لم يعد الإنكليز يفكرون في صناعة اللعب، بل في إبعاد الكرة كيفما اتفق، ومنحوا الأرجنتين الوقت والمساحة لتعيد ترتيب أنفاسها، وتشنّ هجماتها واحدة تلو الأخرى.

لم تكن المشكلة في عدد المدافعين وحده، بل في الرسالة النفسية التي حملتها التبديلات إلى اللاعبين: لقد حان وقت الخوف، ولم يعد المطلوب أن نلعب، بل أن نصمد.

وحين تصل هذه الرسالة إلى فريق يقف على أعتاب النهائي، تتثاقل الأقدام، ويضيق التفكير، ويصبح كل هجوم للخصم تهديداً مضاعفاً. ومع كل كرة عرضية وتسديدة أرجنتينية، كان القلق يتسلّل أكثر إلى صفوف الإنكليز، فيما ازدادت ثقة الأرجنتينيين بأن الهدف قادم. فالفريق الذي يهاجم لا يملك دائماً ضمانة التسجيل، لكنه يحتفظ بحق الأمل، أما الفريق الذي يتراجع طويلاً، فإنه يسلّم زمام مصيره إلى خصمه.

قرأ ليونيل سكالوني هذا التحوّل النفسي جيداً. أدرك أن إنكلترا بدأت تفقد شجاعتها، وأن لاعبيها باتوا ينتظرون صافرة النهاية بدلاً من صناعة نهايتهم بأيديهم. دفع بأوراق هجومية جديدة، ووسّع رقعة اللعب، وكان لاوتارو مارتينيز عند الموعد، فسجّل هدفاً قال لاحقاً إنه رآه في أحلامه قبل المباراة. وربما لم يكن الهدف مجرد لحظة فنية، بل ثمرة إيمان فريق ظلّ يطرق الباب حتى فُتح له.

بعد النهاية، لم يهرب توخيل من المسؤولية. اعترف بأن فريقه أصبح سلبياً أكثر ما ينبغي، ودافع في الوقت نفسه عن قراراته، قائلاً إنه ينتظر آراء «مليون مدرب» يعتقدون أنهم يفهمون أفضل منه.

ولعل في كلامه شيئاً من مرارة المدرب الذي يعرف أن قراراته تُحاكم بعد ظهور النتيجة. فلو نجحت تبديلاته لوُصف بالحكيم والعبقري، أما وقد خسر، فقد تحولت إلى الدليل الأبرز في لائحة الاتهام.

لكن كرة القدم، مثل الحياة، لا تحاكم النيات وحدها. فقد يكون القرار مفهوماً في لحظته، لكنه يظلّ خاطئاً إن منح الخوف مساحة أكبر من الشجاعة. والمدرب لا يُسأل فقط عمّن أشركه أو أخرجه، بل عن الحالة النفسية التي زرعها في فريقه.

أما هاري كين، فرفض تحميل توخيل المسؤولية منفرداً، مؤكداً أن الفريق يفوز ويخسر معاً. لكنه لخّص المأساة الإنكليزية حين قال إن الحفاظ على تقدم بهدف واحد لا يكفي في هذا المستوى. فالمباريات الكبرى لا تُربح بالتراجع وانتظار صافرة النهاية، بل بالقدرة على مواصلة اللعب عندما يصبح الخوف أقوى من التعب، وعندما يتحوّل الحلم القريب إلى امتحان للأعصاب والشخصية.

في الجانب الآخر، لم يتحدث ميسي عن بطولة فردية، بل عن مجموعة تؤمن بنفسها ولا تتوقف عن المحاولة. رأى في التأهل تحقيقاً لحلم الشعب الأرجنتيني، ودعا الجماهير إلى الاستمتاع باللحظة.

بلغت الأرجنتين النهائي للمرة الثانية توالياً، لا لأنها تملك لاعبين مهرة فحسب، بل لأنها تملك ذاكرة الانتصار، وشخصية الفريق الذي لا يعتبر التأخر إعلاناً للهزيمة.

بالمقابل خرجت إنكلترا وهي تطرق باب المجد من جديد، من دون أن تملك الجرأة الكافية لفتحه. أما الأرجنتين، فبلغت النهائي لأنها لم تحاول حماية أملها، بل قاتلت من أجله. وبين الخوف الإنكليزي والإيمان الأرجنتيني، كان ميسي حاضراً بعقله قبل قدميه، ليؤكد أن العبقرية الحقيقية لا تكمن في الإفلات من الرقابة فحسب، بل في تحويل تلك الرقابة إلى فخ يقع فيه الخصم نفسه.

كاتب وصحفي سوري

Exit mobile version