“سحر شرقي” لم يكن مجرد عرض للأزياء لتصاميم عراقية بل إعلاناً جمالياً عن قدرة العراق على تجديد ذاته
المزمار العربي
في مدينة تتقاطع فيها الموسيقى الكلاسيكية مع نبض الحداثة، وتتمازج على أرصفتها لغات العالم في سيمفونية لا تهدأ، احتضنت العاصمة النمساوية فيينا فعاليات مهرجان التنوع الثقافي، أحد أبرز المهرجانات التي تستضيفها أوروبا احتفاءً بتلاقي الحضارات وتعدد الهويات. وفي مبنى الراتهاوس الشهير، الذي يحمل في هندسته مزيجاً من التاريخ الأوروبي والفخامة المعمارية، كان للعرض العراقي حضور لافت من خلال مشاركة مصمم الأزياء العالمي والفنان التشكيلي ميلاد حامد، الذي قدّم مجموعة بعنوان “سحر شرقي” ضمن عروض الأزياء العالمية المشاركة.
هذه المشاركة جاءت بعد دعوة رسمية من السفارة العراقية في فيينا، التي رأت ضرورة أن يُمثَّل العراق في هذا الحدث الثقافي الدولي، وأن تكون له بصمة بصرية تعبّر عن حضارته الممتدة آلاف السنين. وبالتنسيق مع مسؤولة الملف الثقافي في السفارة، الأستاذة عذراء، تم الاتفاق مع حامد على تقديم عرض أزياء رسمي يمثل العراق، رغم قصر الفترة المتاحة للتحضير، وهو ما جعل التجربة أكثر تحدياً وإثارة في آن واحد.
سحر شرقي متجدد
منذ اللحظة الأولى لظهور العارضات على منصة المسرح، كان واضحاً أن ميلاد حامد اختار أن يقدّم العراق بصورة مختلفة؛ لا بوصفه ماضياً جامداً ولا إرثاً بعيداً، بل كحضور نابض يستعيد تاريخه ليتقدّم به نحو المستقبل.
فالخطوط التي رسمت ملامح التصاميم جاءت مستوحاة من حضارات سومر وبابل وآشور، لكن بقراءة معاصرة تتجاوز التقليد وتقترب من التأويل الفني. الألوان الشرقية الدافئة، النقوش المستمدة من الجداريات القديمة، والإيقاع الهادئ الذي رافق العرض… كلها عناصر مزجت بين الهوية العراقية وروح الموضة العالمية المعاصرة.
الفنان التشكيلي ومصمم الأزياء العالمي ميلاد حامد
وشاركت في العرض نخبة من العارضات العالميات، وفي مقدمتهن Kendressa B من وكالة الأزياء الأولى في أوروبا والعالم، إلى جانب عارضات Model Academy:
Olivia W. – Tamara K. – Agnes W. – Annika M.
كما تولّت خبيرة المكياج Arin Mustafa تقديم رؤية جمالية مكملة لمفهوم العرض، بينما وثّق المصور Mihael Vuzem العمل بعدسته.
لم يكن عرض “سحر شرقي” احتفاءً بصور الماضي فحسب، بل محاولة لطرح سؤال كبير: كيف يمكن للتراث أن يتحول إلى لغة بصرية قادرة على العيش في زمن سريع ومتحوّل؟
ميلاد حامد – بخبرته في عالم الموضة والفنون – قدّم إجابة عملية على هذا السؤال عبر تصاميم بدت وكأنها جسور تربط قروناً متباعدة.
فالتراث لم يظهر في هيئة نقوش منقولة حرفياً، بل جاء في روح الخطوط، وفي طريقة توزيع الألوان، وفي الإيماءات الفنية التي تومئ إلى البدايات الأولى للحضارة دون أن تنغلق عليها.
ويقول حامد إن غايته كانت “إظهار العراق كحاضرٍ مبدع، لا كماضٍ منسي”، مشيراً إلى أن الهوية الحقيقية ليست تلك التي تُحفظ في المتاحف، بل تلك التي تُعاد صياغتها بمنطق معاصر يجعلها قابلة للتواصل مع العالم.
كان لافتاً حجم التفاعل الذي أثاره العرض بين الجمهور، الذي تابع تفاصيله بانتباه ودهشة. فقد وجد كثيرون أنفسهم أمام تصاميم تنقل العراق من صورته النمطية التي يعرفها البعض من خلال الأخبار أو التاريخ المدرسي، إلى عراق آخر:
عراق يُبدع، يتجدّد، ويتحدث بلغة الفن العالمي دون أن ينسى جذوره.
البعض رأى في التصاميم امتداداً لروح الشرق كلّه، بينما رأى آخرون فيها رسالة عن قدرة الإنسان على إعادة تشكيل ذاكرته وتقديمها بطرق جديدة.
ولعل أهم ما سجّله الجمهور هو تكامل الفكرة؛ فالعرض لم يكن استعراضاً لتصاميم جميلة فحسب، بل كان سردية بصرية تحمل معنى، وتملك القدرة على فتح حوار داخلي حول العلاقة بين الهوية والجمال.
العراق يضيء فيينا
يمثّل مهرجان التنوع الثقافي مساحة دولية تتقاطع فيها الفنون والموضة والموسيقى، وتلتقي فيها شعوب مختلفة في فضاء واحد. وفي هذا المشهد المتنوع، بدا حضور العراق لافتاً؛ إذ لم يأتِ كمشاركة عابرة، بل كمشروع فني يحمل رؤية واضحة ودلالة حضارية.
ويرى حامد أن المشاركة “أكدت أن العراق قادر على أن يكون جزءاً مهماً من الخريطة الثقافية العالمية، عندما يُقدَّم بلسان فني حديث يعبّر عنه”، مشيراً إلى أن العمل في مثل هذه المهرجانات ليس منافسة بقدر ما هو مساحة لعرض الذات والتواصل مع العالم.
واختُتم العرض بتصفيق طويل يعكس تقدير الجمهور لمحتواه ورسالته.
وبدا واضحاً أن “سحر شرقي” لم يكن مجرد عرض للأزياء، بل إعلاناً جمالياً عن قدرة العراق على تجديد ذاته، وإعادة تقديم حضارته القديمة في ثوب حديث يليق بزماننا.
لقد نجح ميلاد حامد في تقديم صورة مشرقة للعراق، صورة تحتفي بتاريخ لا يزال حاضراً في الوجدان الإنساني، وتُظهر أن الفن قادر على أن يعبر الحدود وأن يفتح نوافذ جديدة للحوار بين الشعوب.
وهكذا، لم تكن مشاركة العراق في مهرجان فيينا مجرد تمثيل رسمي، بل كانت حدثاً ثقافياً يضيف إلى سجل الحضور العراقي عالمياً، ويثبت أن الهوية الرافدينية قادرة على الإبداع مهما تغيّرت الأزمنة.
من أعماله

