يوميات

نزار قبّاني كما رأيته

سهام ذهني

كان عمري 17 عاماً عندما أجريتُ حواراً صحفياً مع الشاعر الكبير نزار قباني، وكان أول حوارٍ صحفي أجريه؛ فقد كنتُ خلال ذلك الوقت طالبة في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، وكانت تصدر عن الكلية جريدة اسمها “صوت الجامعة” يُحررها طلبة قسم الصحافة بالكلية.

وفي أحد الأيام قرأت خبراً حول أن الشاعر الكبير “نزار قباني” في زيارة لمصر كي يلقي قصيدة جديدة في رثاء الدكتور “طه حسين” بجامعة الدول العربية احتفالاً بذكرى عميد الأدب العربي.

كان قلم “طه حسين” هو بوابتي إلى حب القراءة عندما قرأت له سيرته الذاتية “الأيام” التي كانت مقررة علينا بالصف السادس الابتدائي في المدرسة. فحرّضني موضوع الاحتفالية على الذهاب، وحرّضني حماسي الصحفي الطازج على أن يتضمن حضوري الاحتفالية الحرص على أن أطلب من الشاعر الكبير إجراء حوار معه، فاسمه كفيل بأن أحصل على درجة عالية في مادة التحرير الصحفي التي كنا نحصل على جزء كبير من درجاتها من خلال تقييم الأعمال الصحفية المنشورة لنا بجريدة “صوت الجامعة”.

وقلت لنفسي: لا بد من “شرف المحاولة” حتى لو رفض إجراء حوار مع صحفية مجهولة مثلي في ذلك الوقت.

ولإضافة حالة من البهجة على ذهابي إلى الاحتفالية شجّعت نفسي بأنني سوف أستمتع بالاستماع إلى شعره، والاستماع أيضاً إلى كلمات غيره من الأدباء عن أحد أهم كتّابي المفضلين في ذلك الوقت، عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.

الذي جرى في تلك الليلة هو أن قاعة جامعة الدول العربية قد ارتجّت بتصفيق الجمهور على قصيدة نزار قباني عن طه حسين التي تضمنت الرثاء للأديب والرثاء لما وصل إليه حال الأدباء والمفكرين، حيث جاء في القصيدة قوله:

سقط الفكر في النفاق السياسي

وصار الأديب كالبهلوان

يتعاطى التبخير، يحترف الرقص

ويدعو بالنصر للسلطان

بعدها التفّ الكثيرون من حوله لتحيّته والتقاط صور تذكارية معه، بينما اقتربت أنا منه، وبحماس الشباب أخبرته باسمي وبأنني صحفية في جريدة طلابية، وبلا تردّد طلبت منه موعداً لإجراء حوار معه، فإذا به يوافق ويعطيني موعداً في الغد.

ربما جذبته فكرة أن يتحدث إلى جريدة طلابية.

بعد الحوار أخبرته أن ابنه الراحل “توفيق” كان جاراً لي في حي الزمالك حينما كان يدرس بالقاهرة قبل وفاته، فعلق نزار قباني: فعلاً كان توفيق يقيم في الزمالك.

أضفت: في شارع “يحيى إبراهيم”.

قال: هذا صحيح.

وللتخفيف من تأثره عند ذكر سيرة ابنه الراحل أضفت أن ابنه توفيق كان معجباً بشقيقتي. ضحك. وضحكت.

وطلبتُ منه أن يرسل لي بعد عودته إلى بيروت قصيدته عن ابنه توفيق.

بعد أيام قليلة وجدت في صندوق البريد بمدخل العمارة التي نقيم فيها ظرفاً من اللون البني مكتوباً عليه اسمي وعنوان البيت بخط تبيّنت بسرعة أنه خط نزار قباني، حيث كان قد سبق أن نشر عدداً من قصائده بخط يده. ثم تأكدت أنه صاحب الرسالة حين نظرت إلى الوجه الآخر من الظرف، فوجدت عليه أن اسم المرسل هو نزار قباني.

تخيّلت وأنا أنظر لخطه أنّه ربّما كان يفيض بالحنين وهو يكتب اسم الشارع الذي كان يقيم فيه ابنه الراحل، فمن المؤكد أنه كان معتاداً على هذا العنوان الذي لا يختلف عن عنوان ابنه إلا في رقم العمارة.

فتحت الظرف واستوقفتني من أوصافه لابنه الراحل أنه:

كان صديق العصافير

كان صديق الهديل.

وتأثرت بشدّة لمشاعر نزار قباني الذي كان يُسعده، ككل الآباء، ملامح التشابه بينهما، وهو يتذكر عيني ابنه الذي كان يشترك معه في لونهما الأزرق، وكأن عينيه تفيض بالدمع وهو يقول في القصيدة:

أحاول أن لا أصدق أن الذي كان يُخزّن ماء البحار بعينيه مات.

ثم يختتم القصيدة بأصعب مشاعر الفقد قائلاً:

فكيف أقاوم سيف الزمان؟

وسيفي انكسر.

كاتبة مصرية تقيم في القاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى