عبد الكريم البليخ
ليست الكلمات التي تُطلق على العقول العربية المهاجرة ـ من قبيل “الأدمغة الهاربة” أو “العقول المبدَّدة” ـ مجرد توصيفات لغوية عابرة، بل هي شظايا خطابٍ مثقلٍ بالحيرة والاتهام، تُلقى على ظاهرةٍ أعمق من أن تختزل في مفردة، وأشدّ تعقيداً من أن تُدان أو تُبرَّأ ببساطة. فهذه العقول التي أضاءت فضاءات الفيزياء والكيمياء والرياضيات، لم تغادر أوطانها دائماً بدافع الرغبة، ولا انساقت خلف إغراءات الخارج وحدها، بل كثيراً ما انسحبت بهدوءٍ موجع من بيئةٍ ضاقت بها، حتى لم تعد قادرة على التنفس داخلها.
لو كانت الأوطان قد بلغت شيئاً من توازنها الحضاري، وأقامت بنيتها العلمية والاقتصادية على أسسٍ من الكفاية والكرامة، لبدت هذه الظاهرة أقل حدّة، وربما أقرب إلى تبادلٍ معرفي مشروع. لو أن المصانع كانت تدور بوعي، والمختبرات تنبض بالحياة، والموارد تُدار بعقلٍ رشيد يضاعف من قيمتها، ويحفظ للأمة استقلالها وقرارها… لو تحقق بعض من هذا، لما كانت الهجرة نزفاً، بل ربما كانت امتداداً. غير أن الواقع، كما يتجلّى، يحمل مفارقة قاسية: أوطانٌ غنية بإمكاناتها، فقيرة في استثمارها؛ ممتلئة بذاكرة الحضارة، خاوية من شروط استمرارها.
في هذا السياق، يغدو السؤال مُلتبساً: هل نلوم هذه العقول لأنها رحلت؟ أم نعيد النظر في شروط بقائها التي لم تتحقق؟ إن توصيف ما يحدث بـ”الهجرة” قد يُخفي وجهاً آخر أكثر إيلاماً: إنه “التهجير الصامت”، ذاك الذي لا يحتاج إلى قوافل ولا إلى قرارات رسمية، بل يُمارَس عبر التهميش، والإقصاء، والشك المزمن في قيمة المعرفة. هنا، يصبح النبوغ عبئاً، ويغدو التفوق شبهة، ويُدفع المبدع ـ دفعاً ناعماً أو قاسياً ـ إلى أن يبحث عن مكانٍ يعترف به، لا أن يبرر وجوده فيه.
في البيئات التي تفتقر إلى بنية علمية حقيقية، يتحول العالم إلى كائنٍ معزول، يصارع تفاصيل لا علاقة لها بجوهر عمله: بيروقراطية متكلسة، صراعات وظيفية، سباق نحو النفوذ لا نحو المعرفة، ومؤسساتٌ تستهلك الزمن أكثر ما تنتج المعنى. هناك، في زاويةٍ مهملة من مؤسسةٍ ما، قد يقف مختبرٌ مُغلق، تعلوه طبقات الغبار، لا لأنه بلا قيمة، بل لأنه بلا من يفهم قيمته. وقد تُهمل أجهزةٌ دقيقة لأن أحداً لم يُدرَّب على تشغيلها، أو لأن ميزانية صيانتها اعتُبرت ترفاً. في مثل هذا المشهد، لا يكون السؤال: لماذا يرحل العالم؟ بل: كيف يمكنه أن يبقى؟
وحين يقرر الرحيل، فإنه لا يفرّ من الوطن بقدر ما يفرّ إلى ذاته. إلى تلك المساحة التي يستطيع فيها أن يكون ما هو عليه دون خوفٍ أو تبرير. في الغرب ـ أو في أي بيئةٍ علمية حاضنة ـ لا يصبح المختبر مجرد مكان عمل، بل امتداداً للكينونة، وملاذاً يعترف بأن الفكر طاقة، وأن الإنسان حين يُتاح له أن يفكر بحرية، فإنه يضيف إلى العالم أكثر مما يستهلك منه. هناك، تُقاس القيمة بما يُنجز، لا بما يُظهر، ويُكافأ الجهد بما يستحق، لا بما يرضي شبكات النفوذ.
لكن المفارقة الاجتماعية تظل أكثر إيلاماً من المفارقة المؤسسية. ففي كثير من البيئات، تتراجع مكانة العالم أو المفكر أمام نماذج أخرى أكثر ربحية وأقل عمقاً. يصبح النجاح مقترناً بالثروة السريعة، لا بالأثر البعيد؛ بالظهور، لا بالجوهر. وهكذا، يجد المبدع نفسه في صراعٍ مزدوج: مع مؤسسةٍ لا تحتضنه، ومع مجتمعٍ لا يفهمه. يُنظر إلى عمله بوصفه ترفاً فكرياً، لا ضرورة حضارية، ويُقاس عطاؤه بمعايير لا تنتمي إلى مجاله. وفي هذا المناخ، لا يكون الإحباط مجرد حالة نفسية، بل بنيةً كاملة تعيد إنتاج نفسها، وتدفع كل محاولة جادة نحو الهامش.
ومع ذلك، فإن هذه الهجرة ـ على قسوتها ـ تؤدي دوراً paradoxياً؛ فهي، من جهة، نزيفٌ حقيقي في جسد الأمة، ومن جهة أخرى، متنفسٌ يخفف من احتقانٍ داخلي يكاد يخنق كل إمكانية للتجدّد. إنها أشبه بصمامٍ يسمح بخروج الضغط، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن خللٍ عميق في البنية. فالأمم التي تفقد عقولها، لا تخسر أفراداً فحسب، بل تخسر مساراتٍ محتملة لمستقبلٍ مختلف.
يبقى السؤال معلقاً في أفقٍ مفتوح: هل الحل في عودة هؤلاء، أم في إعادة تشكيل البيئة التي دفعتهم إلى الرحيل؟ يبدو أن الإجابة الحقيقية لا تكمن في استدعاء العقول بقدر ما تكمن في استحقاقها. فحين يشعر المبدع أن كرامته مصونة، وأن جهده مُقدَّر، وأن المستقبل الذي يصنعه لن يُجهض في مهده، عندها فقط يصبح البقاء خياراً، لا تضحية.
إن استعادة هذه العقول ليست مسألة حنينٍ أو خطابٍ عاطفي، بل مشروع حضاري يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة، بين الدولة والمبدع، بين المجتمع وقيمه. إنها معركة وعيٍ قبل أن تكون معركة سياسات؛ معركة تُخاض ضد التكلّس، وضد الخوف من التغيير، وضد تلك الذهنية التي ترى في كل جديد تهديداً لا فرصة.
عندها، وربما عندها فقط، ستتوقف الحمائم المرتعشة عن التحليق بعيداً، وستعود لتبني أعشاشها في فضاءٍ لا يُخيفها. أما الآن، فإن معادلة “البقاء أم الرحيل” تظل مفتوحة، لا يحلّ رموزها إلا وطنٌ يتصالح مع ذاته، ويعيد الاعتبار لأهم ما يملكه: إنسانه القادر على أن يفكر، ويبدع، ويغيّر.

