د . حمدي موصللي
تصدير:
– على غير عادتي استيقظت فجراً.. كنت ملهوفاً ومتوتراً.. ليلتها زارتني كوابيس الأرض كلها.. حتى إنني غير مرة أعلنت صراخي، وتكلمت، وغنيت، وبكيت، ولا أدري إن رقصت أيضاً!! زوجتي وابنتي الصغرى نهضتا مرعوبتين، مصعوقتين.. زوجتي أسرعت، وحملت لي سطل الماء، وهي تردد بنفس متقطع البسملات والتعويذات: أعوذ بالله من الشيطان.. بسم الله.. يا حنّان يا منّان احمِ “جوزي¹” خلف التعبان.. احشره مع الصحابة، والصديقين، والأولياء الصالحين، واطرد عنه عصابات النسوان والجان.. يا منّان.. يا حنّان.. جوزي خلف التعبان.. أما ابنتي المسكينة فقد حملت العصا، وراحت تمارس الطرق القوي على طنجرة البافون المخصصة لطبخ المحاشي* والگلال²* ظناً منها أن شياطين الأرض قد دخلت بي ولبستني.. تهافت الجيران وسكان الحي والأحياء المجاورة.. حتى أمة لا إله إلا الله بالمدينة كلها جاءت جميعها، وأحاطت بي.. ثم صنعوا موقداً حجرياً، وأوقدوا النار فيه تحت قِدر كبير مليء بالماء، ثم قاموا بتقطيعي أرباً أرباً ورموا بي داخل القِدر.. صرخ أحدهم: لا تكثروا من البصل المفروم.. كيلو البصل بعشرين ألف ليرة… ونادى آخر: قللوا من الثوم وضعوا فصين أو ثلاثة على الأكثر، كيلو الثوم بسبعين ألف ليرة، وصرخت إحداهن: كيلو الرز العادي أرخص من كيلو رز الكبسة.. قللوا من الفلفل والملح والسمن.. أسعارها واو..
– شُيِّدت أربعة بيوت من الشَّعر، من الأشكال الأميرية المثلثة والمربعة، وفرشت البسط والسجاجيد، ووزعت (المخاد) الوسائد والمفارش.. ثم بدأت الوفود الحكومية تتوافد جماعات.. يتقدمهم رئيس الحكومة، وعدد من الوزراء والمحافظين وقادة الشرطة، وقد توافدوا بسياراتهم الفارهة، ويتبعهم فصيل من المدراء والمخاتير، ورجال الشرطة والمخبرين، ولجان تمثل النقابات المختلفة والاتحادات، ومنها اتحاد العمال والفلاحين والنسائي.. و.. و.. وجمهور أمة لا إله إلا الله.. وبعد أن وصلوا وأخذوا أماكنهم، مُدّت المناسف التي اكتظت بقطع لحمٍ محمّرة، كساها اللوز والجوز والصنوبر حتى غطت الرز..
– مدّ رئيس الحكومة كلتا يديه إلى رأسي، تناوشه، بينما المطرقة بيد مساعده الذي هوى بها على الرأس وفتحه نصفين.
– قال رئيس الحكومة: الرأسُ للرأسِ، وأنا الرأس.. صفق له الحضور تصفيقاً حاراً وقوياً.. أما الوزراء فاكتفوا باللسان، وتقاسموه فيما بينهم قطعاً متساوية…
– قال المحافظ: أحب فتة الكوارع وأعشق القلوب!
– قال المختار: لحم الليّة مِدهن ولذيذ.. وقالت إحداهن للأخرى: إليكِ بالعصعص، واكتفت الأخرى، وهي تدفع بإصبعها قضيب اللحم إلى فمها متلذذة قائلة: كله هبر.. يا سلام! وقال أبو عبدو الحلبي، رئيس مخفر الحي: يا شباب.. شباب المخفر مستنفرون لحماية الشباب.. ينتظرون الأفخاذ والمعلاق والكِلى من حصتهم..
– دخل المخرج المنصة، وخلفه ممثلتان، إحداهن تحمل سطلاً فيه ماء تدلقه على الممثل النائم بعمق، بينما الممثلة الأخرى تبدو وهي تحمل طنجرة صغيرة وملعقة تضرب بها قعر الطنجرة بقوة لكي يستيقظ.. ينهض الممثل خائفاً ويهرب خارج المسرح.. يتبعه المخرج وهو يصرخ: أوقفوه.. ابن الحرام، العرض سيبدأ بعد دقائق.. الجمهور يملأ الصالة.. (يدخل الممثل وخلفه رجلان من الدرك وقد اقتاداه.. يسلمانه للمخرج ليبدأ العرض.. من جديد يهرب الممثل، والجميع يلحق به دون الإمساك به..).
– الجمهور وقوفاً يصفّق مع التصفير.. لأنه يُحب التصفيق..!!!
_____________
– جوزي¹: لفظة بالعامية السورية وتعني زوجي.
– الگلال²: أكلة شعبية مكونة من المقادم والمصران المحشية بالأرز واللحم والصنوبر… إلخ، تشتهر بها بلاد الشام، وخاصة منطقة الجزيرة والفرات.
اللاذقية – 16/9/2023
ناقد ومؤلف ومخرج مسرحي

