نص بصري .. ميت لا أطيق الكفن

“التاريخ الخفي من حياة الداهية الشيخ أبو رحمو الأعور”
ـ 7 ـ
د. حمدي موصللي

الشيخ أبو رحمو الأعور، صاحب الحاجبين الكثَّين الغليظين، والرأس الكبير، والجبهة العريضة المسطَّحة، والفم الواسع، بانت منه الأسنان البيضاء اللامعة بفضل عود المسواك الذي لا يُغادر فمه إلا وقت الطعام، والصلاة، والإنشاد، وأشياء أخرى.
ـ بالمناسبة، “أبو رحمو الأعور” عينه اليسرى التي غادرها البصر يوماً، لها قصة سنأتي عليها في سياق الحديث عن أفعاله. ولا ننسى كم هو شَرِهٌ أكول، فلا تغيب عنه دعوة أو مأدبة أو مناسبة إلا وكان يتقدَّم المدعوين، و(كرشه) المدلّاة أمامه خير دليل. ومع طوله النسبي، فإن “كرشه” تمنحه وجاهة تميّزه، وخاصة حين يضحك، نراها تهتزّ مثل نابض (ربيعة) عُلّق في نهايته بوزن ثقيل، فيضحك المعجبون.
ـ “رحمو الأعور” داهية من الدواهي، فهو شخصية مركّبة وإشكالية في آنٍ واحد. أحياناً يكون وقحاً إلى درجة كبيرة، وخاصة في أمور لا يخجل من فعلها. لكن، على الرغم من وقاحته، فهو يملك من حلاوة اللسان وفصاحته قدرةً كبيرة وعجيبة على إدارة أي حوار والمجادلة فيه، وتسويغ حجج الإقناع بمقدرة هائلة، ونادراً ما يخسر في معاركه الكلامية.
هو مشبع برواية الأحاديث عن الرسول ﷺ والصحابة، وهو القارئ الحافظ لكتاب الله وتفسير آياته وسوره. تتلمذ في المدرسة الشرعية بحلب، وتعلَّم وأخذ العلم عن أساتذة وعلماء كبار مثل العلامة الشيخ محمد الكيالي، والشيخ الشامي بحلب. كما نهل وحفظ الكثير من علوم التفسير والبلاغة وأسماء الرواة والمفسرين، أمثال: أبو هريرة، وابن عباس، والترمذي، والنسائي، وابن كثير، وأبو حنيفة، وابن تيمية، وابن الجوزي. وفي علم السيرة النبوية هو عَلَم في سردها. كثيراً ما كان يعوِّل على كتاب نهج البلاغة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في الشرح.
فعندما تكون في حضرته صاغياً تستمع إليه، فإنك لن تُحوِّل نظرك عن عينيه، لأن الكلمات المناسبة، بعذوبتها، والمنمَّقة المنتقاة بعناية، والمفعمة بالرصانة والجزالة وحلاوة المعاني، تأسرك مثل ساحر يعرف أسرار مهنته، فيجذبك نحوه، فتسرح في ملكوت أفكاره. كل هذا يتم عادة في دروس المسجد، وخطبة الجمعة، والأعياد، وحلقات الذكر، والموالد، والختان، وحلّ المشاكل الاجتماعية بين مختلف العشائر.
كذلك هو الرقم واحد في مواسم الانتخابات والتكتلات الحزبية والبرلمانية. لا يخسر أبداً، وحظّ أي مرشح أو كتلة مرشحين كبير إذا أيّدها وناصرها الشيخ رحمو.
كل هذا، وقوة الشيخ رحمو مستمدّة من دعم مولانا وزوجته المغفور لها لوليتا.
ـ إن ما يحصل عليه من أموال، سواء في موسم الانتخابات أو من الهبات العينية والمادية التي ترد أوقاف المسجد، مقسوم على ثلاثة، لمولانا وزوجته حصة الأسد منها.
ـ يأتي أحياناً إلى النُّزُل مع الفريق الطبي من مديرية الصحة، مرافقاً لأخذ بعض العينات من دم الغانيات لتحليلها، لعلّ إحداهن مصابة بجرثومة “السفلس”، أو “الزهري”، أو “السيلان”، وهي أمراض انتشرت بشكل كبير بين العسكر الفرنساوي والدرك السوري أيام الانتداب، ومن يؤمّ هذه الأماكن من العامة أو الوجهاء والأغوات خفية وعلانية.
وعادةً، هذه الأمراض لا تصيب النساء، وإنما تكون وسيطاً ناقلاً، تنقلها للذكور. وأحياناً يأتي الشيخ “رحمو” خفية قبل طلوع الفجر، بالاتفاق مع “لوليتا”، لتسليمها “المعلوم” من حصتهما، وبذات الوقت تكون قد هيّأت له إحدى الصبايا عربوناً لأمانته، فيقضي وطره منها، ويخرج خفية إلى الجامع الكبير ليتوضأ ويؤذّن ويؤمّ المصلين لصلاة الفجر جماعة.
وهو لا ينسى أن يكرّر جملته المعهودة أمام المصلين والمريدين:
“سبحان الله وأستغفره وأتوب إليه… اللهم اغفر لنا ما مضى، وأصلح لنا ما بقي…”.
وفي سرّه يردد:
“اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واستُر على ما لا يعلمون، واغفر لي يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون”.
ـ لم تنسَ “لوليتا” أن تأخذ من أثره ما يمكنها من تكبيله خوفاً من خروجه عن الطاعة، فلعلّ الأيام القادمات تُخفي ما هو غير مستحب. فكانت العمامة ومسبحته الطويلة وشرواله الحريري الداخلي الموشّى بخيوط ذهبية هي العلامات الفارقة لديه. وعندما استفقدته زوجته، كذب عليها واختلق حجّة نسيانه في حمّام السوق بمدينة حلب، التي يزورها دائماً للتسوق أو التطبّب أو الاستحمام أو زيارة بعض الأصدقاء.
حجّة لم تنطلِ على الزوجة، فالشروال عصمليّ النقوش، ذهبيّ الخيوط، حملته ليلة الدخلة هديةً من سوق إسطنبول. ومع ذلك، تقبّلت الزوجة الكذبة على مضض، خوفاً على بيتها وأولادها من الفضيحة، ولم تُعرِ اهتماماً كبيراً لفقدان العمامة والمسبحة بقدر ما أصابها من توجّس وريبة من فقدان الشروال الذي أخذ يشغل تفكيرها.
ومع ذلك، انصاعت لما حدث، وقبلت الرواية على مضض، وحطّت على الجرح ملحاً، وسكتت، إذ لم يتسرّب أي خبر عن الشروال يعكر صفو عيش الأسرة. وللتقليل من روعها، وعدها “رحمو الأعور” بشراء شروال آخر.
ـ عادةً، كل من يزور حلب من الموصل أو من أهالي الجزيرة والفرات للتسوق أو مراجعة الأطباء وغير ذلك، لا بدّ أن يتناول الكباب الحلبي في أحد مطاعم باب الفرج، بعد أن يستحمّ في أحد حمّاماتها، ثم ينهي زيارته لحلب بعد أن يتسوّق من أسواقها: الأقمشة، والبهارات، والصابون، والزعتر، والقضامة، والشاي السيلاني، والقهوة، والفستق الحلبي، والبقلاوة، والكرابيج، وأقراص العجوة، والحلاوة بطحينة، وسكاكر ناشد إخوان… إلخ.
ـ الشروال بقي قرينة محفوظة في صندوق “لوليتا” ليوم الحاجة.
ـ أمّا حكاية عينه اليسرى المفقوءة، فيعرفها أغلب سكان البلد، فهي تعود إلى شبابه حين كان يرد ماء النهر للسباحة والتمتّع بمعاكسة “الورّادات” والتلصص عليهن، وهنّ يملأن الجرار على ظهور الحمير، مثل أقرانه من الشباب الذين يتلذّذون برؤية المزيونات من بنات البلد وهنّ يكشفن عن سيقانهن في الماء، أو حين يسبحن بأثوابهن (الكُدلي)، فيلتصق الثوب بالجسد فتظهر ملامحه، وخاصة مواضع العفّة والنهود والمؤخرات.
ومع هذا العشق الحرام، لا بدّ لشاب أو فتاة، مثل كل العشّاق، أن يتلاقيا خلسة ويتبادلا الهدايا وقناني العطر الباريسي، والتي يتخللها لمس الأيادي بالمصافحة، فتقشعرّ الأبدان، وسرعان ما تهرب المعشوقة، ويهيم روميو العاشق على روحه، ويسبح في خلوة العشق وهو يقبّل المنديل المعطّر المنقوش عليه أول حرف من اسمها.
لكن الشيخ “رحمو” من نوع لا يَعرفُ للحب طعماً، ولم يسبق أن أحبّ أو أحبّته إحداهن. قال مرة لأحد مريديه إنَّ الإنسان بطبعه غرائزي، غريزته تفوق عقله، ولولا الدين والصلاة لركب الناس بعضهم بعضاً، وانتشرت الرذيلة والفاحشة وكثر أبناء الزنى. كلامٌ فصّله على نفسه بعدما فُقئت عينه بسنوات.
علّته في شبابه أنه كان يدّعي ويفتخر كذباً أمام أقرانه بفحولته، وبأنه مثل القط، يحب معاشرة كل الإناث، فلا يُبقي على واحدة إلا ويضمر لأخرى…
أمام هذا المشهد البانورامي للمزيونات وهنّ يملأن الجرار ويسبحن، فإن “رحمو” كان يختلي بنفسه، ويدفن جزءاً من أسفل بطنه في رمل النهر الدافئ، فيشعر بقشعريرة تسري في أوردة قضيبه، فينتفض مثل جربوعٍ بريٍّ مقطوع الذيل يحتضر من عضّة “أرول”.
ـ مرةً، لطّى رحمو الشاب لحورية مزيونة انفردت عن جماعتها لتختلي تحت ظل شجرة “حور فراتي” لقضاء حاجتها. راح يراقبها بشغف ذكوري، وحين أحسّت به لم تصرخ، وتصرفت بهدوء وكأن شيئاً لم يحدث، بل عادت إلى رفيقاتها اللواتي فَهِمْن عليها بالإشارة. فتسلّلت كل واحدة منهن بهدوء، واقتطعت قضيباً ليناً من أغصان شجرة حور عتيقة، ثم انقسمن مجموعتين، وذهبن إليه من جهتين متعاكستين، وأطبقن عليه لحظة اللهاث المتقطّع الذي يزفر من (خشمه) وفمه. كان عارياً تماماً.
أحَطنَ به مثل سدٍّ في وجه سيل. سرعان ما لملمت إحداهن ثيابه وهربت بها، وبذات الوقت انهالت “المزيونات” عليه بالضرب المبرّح. لكن “المزيونة” التي تلصص عليها انتقمت منه بأن فقأت عينه بقضيب الحور.
بعد هذه المَلحَمة والانتصار الكبير، عادت “المزيونات” وكأن شيئاً لم يكن، تابعن طقوس العمل والفرح، وأنشدن “الموليا” و”العتابا”، ودبكن.
ومع السنوات، تسربت هذه الحكاية وشاعت في البلد، وأصبحت “المزيونة” رحمة “أخت رجال”.
يتبع…
مؤلف وناقد ومخرج مسرحي سوري




