Site icon مجلة المزمار العربي

هل فقد الشعر مكانته؟

علينا أن نتريث قبل أن نمنح صفة الشاعر

عبد الكريم البليخ

هل أصبح كل ما ينطق به الإنسان يُوصَف بأنه من عيون الشعر؟ وهل يكفي أن تُرصّ الكلمات، وتُقسَّم العبارات إلى أسطر متفاوتة، حتى يصبح قائلها شاعراً وما يقوله قصيدة؟ وهل تحوّلت الألقاب الأدبية إلى مجاملات جاهزة تُوزَّع في المجالس، كما تُوزَّع كلمات الترحيب والثناء، من دون أن يكون للنصّ نفسه نصيب من الشعر أو الجمال أو الدهشة؟

أجد أن كلمة «شاعر» باتت، في زمننا العربي المالح، من أكثر الألقاب تداولاً واستهلاكاً، حتى كادت تفقد معناها الحقيقي. فما أكثر الذين يُقدَّمون اليوم بوصفهم شعراء، وما أقلّ الشعر الحقيقي فيما يكتبون وينشرون!

لقد صار اللقب أوسع من الموهبة، وأصبح المديح المجاني أسرع من النقد، حتى غدا كل من نظّم عبارة عابرة، أو ألقى كلاماً عاطفياً في مجلس، شاعراً يُحتفى به، وتُوصَف كلماته بأنها من روائع الشعر وعيونه.

ولا تكمن المشكلة في أن يجرّب الإنسان الكتابة، فالتجربة حق مشروع لكل من يمتلك الرغبة والشغف، وإنما في أن تُرفع المحاولات المتواضعة إلى مرتبة الإبداع الكبير، وأن يُمنح أصحابها ألقاباً لا تستند إلى موهبة ناضجة أو تجربة حقيقية. فحين يصبح الجميع شعراء، يفقد اللقب هيبته، ويغدو الشعر نفسه ضحية لمبالغات المجاملين، لا ثمرة لجهد المبدعين.

غير أن الشعر ليس كلاماً موزوناً فحسب، ولا عبارات غامضة تُصفّ إلى جانب بعضها، ولا انفعالات مرتجلة تُلقى أمام جمهور يجامل أكثر مما ينصت. كما أنه ليس زخرفة لغوية خاوية، ولا صوراً متكلّفة تُربك القارئ من دون أن تفتح في داخله نافذة أو توقظ فيه إحساساً.

الشعر موهبة ورؤية وثقافة وتجربة إنسانية عميقة. وهو قدرة استثنائية على إعادة اكتشاف اللغة، ومنح الكلمات حياة تتجاوز معانيها المألوفة. إنه ذلك الكلام الذي يُلامس الإنسان، ويدخل إلى أعماقه من دون استئذان، ويجعله يرى الأشياء التي يعرفها بعين مختلفة. وقد تكون القصيدة بسيطة في ألفاظها، لكنها عميقة في أثرها، وقد تكون قصيرة، لكنها تظلّ عالقة في الذاكرة سنوات طويلة.

فليس الغموض وحده دليلاً على العمق، كما أن سهولة العبارة لا تعني سذاجتها. الشعر الحقيقي هو الذي يجمع بين صدق التجربة وجمال اللغة، وبين الإحساس والفكرة، ويُحدث في القارئ رجفة خفية، أو يترك في نفسه سؤالاً لا ينتهي بانتهاء القراءة.

لقد عرفنا شعراء حقيقيين ما زلنا نفاخر بهم وبما أضافوه إلى قاموس اللغة العربية وذاكرتها ومكتباتها. تركوا قصائد بقيت حيّة بعد رحيلهم، لأنها لم تكن مجرّد كلمات عابرة، بل كانت خلاصة تجربة ووعي وجمال وموقف.

كان الشاعر منهم يعيش قصيدته قبل أن يكتبها، ويدفع من روحه ثمن كل بيت أو صورة أو كلمة.

أولئك لم يحتاجوا إلى من يوزّع عليهم الألقاب، لأن شعرهم كان كفيلاً بأن يشهد لهم، ولأن الزمن، لا المجالس والصداقات والمجاملات، هو الذي منحهم مكانتهم. فكم من شاعر ظلّ حاضراً بعد موته، وكم من أسماء ملأت المنابر والصفحات ثم اختفت بمجرد غياب أصحابها أو انفضاض المصفقين من حولها.

إن الزمن ناقد لا يجامل، ولا يعبأ بالعلاقات الشخصية ولا بصخب الاحتفالات. وهو وحده القادر على التمييز بين النص الذي يحمل أسباب بقائه، والنص الذي وُلد ميتاً، مهما أحاط به أصحابه من ضجيج ومديح.

أما كثير مما يُقال اليوم في المجالس، أو يُنشَر في الكتب وعلى منصات التواصل تحت مسمّى الشعر، فأستبعد أن تكون له صلة حقيقية بهذا الفن الرفيع. فليس كل ما يُكتب شعراً، وليس كل من أصدر ديواناً شاعراً، كما أن كثرة التصفيق لا تصنع قصيدة، والمجاملة لا تمنح النص قيمة أدبية.

لقد أتاحت وسائل التواصل للجميع فرصة النشر، وهي ميزة مهمّة بلا شك، لكنها في الوقت نفسه ألغت كثيراً من الحواجز بين المحاولة والنضج، وبين الخاطرة العابرة والقصيدة. فأصبح النص يُنشَر قبل مراجعته، ويُحتفى به قبل اختباره، وتنهال عليه عبارات الثناء من الأصدقاء، فيتوهم صاحبه أنه بلغ منزلة الشعراء الكبار.

ويتحمّل بعض النقاد والمثقفين جانباً من المسؤولية حين يفضّلون المجاملة على الصراحة، ويباركون النصوص الضعيفة خوفاً من خسارة صداقة أو إغضاب صاحبها. فالنقد الحقيقي ليس خصومة، بل احترام للأدب وللكاتب معاً، لأنه يساعد الموهبة على التطور، ويمنع الرداءة من أن تتحول إلى معيار.

إن أخطر ما يواجه الشعر اليوم ليس قلّة الكتّاب، بل كثرة المدّعين، وغياب النقد الصادق، والاستهانة باللغة والذائقة. وحين نضع النصوص الهزيلة في منزلة الشعر الحقيقي، فإننا لا نسيء إلى الشعراء الكبار وحدهم، بل نسيء إلى اللغة العربية نفسها، وإلى تاريخ طويل من الإبداع صنعته مواهب أصيلة، لا ألقاب مجانية.

ولذلك، علينا أن نتريث قبل أن نمنح صفة الشاعر لكل من كتب بضعة أسطر، وأن نعيد للكلمة معناها وهيبتها.

فالشعر ليس ما يقوله صاحبه عن نفسه، ولا ما يردّده المُعجبون حوله، بل ما يتركه النص في الروح، وما يضيفه إلى اللغة، وما يبقى منه بعد أن ينتهي التصفيق ويَخفت ضجيج المجالس.

كاتب وصحافي سوري

Exit mobile version