واسيني الأعرج: الرواية التاريخية تُعيد للتاريخ صوته المسكوت عنه

نحتاج إلى “نوبل” عربية تداوي جراح الثقافة
نحن لا نملك ناشرين… بل تجّار طباعة
الرواية الخليجية تتصدر المشهد العربي بإبداعها ومعالجاتها الجريئة
الشام ذاكرة لا تُنسى… وفي حفيدتي أرى دمشق
يرى واسيني الأعرج أن الرواية التاريخية ليست تلخيصاً لوقائعٍ جامدة، بل كشفٌ لِما يُخفيه المؤرّخ حين يكتب المنتصرون الحقيقة. يكتب “التاريخ النفسي” للشخصيات: يلتقط جزئيةً مُزلزِلة من حياة ميّ زيادة في العصفورية، ويعيد الأمير عبد القادر إنساناً يُصالح بين الأديان ويميز بين مستعمِرٍ وبشرٍ شركاء في الوطن.
الكلمات وحدها لا تهزم الخوف، لكنها تُحفظ الذاكرة لتورِّث الإرادة. من أوسلو إلى غزة، يولد جيلٌ يرى الفظائع ويعدُّ نفسه للتغيير. المثقف ليس نبيّاً، بل شاهدٌ أمين يدوّن كي لا تُمحى التجربة، فيما مؤسساتنا الثقافية عاجزة عن إيصال الكتاب العربي للعالم؛ نحتاج جوائز على شاكلة “نوبل” تُداوي جراح الثقافة، وتتبنّى الترجمة والترويج لا البروتوكول.
يعيب الأعرج على سوق النشر العربي أنه سوق “طباعة” لا “نشر”: رهانات قليلة، متابعة نادرة، وبحثٌ محموم عن الربح السريع. على الضفة الأخرى، تندفع الرواية الخليجية بقوّة: نصوص مكينة ومعالجات جريئة تتصدر المشهد وتفرض حضورها خارج المجاملة.
لغته العربية اختيار حبّ لا وراثة؛ مدينةٌ يسكنها وتسكُنه، من الجزائر إلى القدس، ودمشق التي لا تُنسى: في روائحها القديمة وحفيدته “شام” يتجسّد وطنٌ يواصل الكتابة كي تبقى الذاكرة يقظة.
(المزار العربي)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حوار: بسّام جميدة
نتلمّس وجود خطٍّ روائي في الأدب العربي يتناول حياة الشخصيات المعروفة، وقد كتبتَ أنت «حكايتي مع الأمير»، وهناك من كتب عن القذافي وابن لادن وغيرهم الكثير.
هل نعتبر هذا التوجّه تأريخاً أدبياً لهؤلاء أو لحقبةٍ من الزمن، أم مجاراةً للدراما التلفزيونية التي برعت في هذا المجال؟
الدراما برعت في هذا المجال وقدّمت شخصيات عظيمة، ولكن بالنسبة لي الأمر يختلف.
قدّمتُ الرواية التاريخية معتمداً على الوقائع التاريخية بصياغة جديدة، فأدخل في التفاصيل التي لا يدخل فيها التاريخ.
هناك مساحات للتاريخ ومساحات للرواية؛ فالرواية عالم تخييلي في الأصل، والتاريخ عالم يعتمد على الحقيقة. ورغم أن الحقيقة التاريخية دائماً يكتبها المنتصرون، وحتى ما نراه حقيقة ليس بالضرورة حقيقة، لهذا يأتي النص الأدبي ليثبت لحظة من اللحظات التاريخية في حياة الشخصية.

واسيني الأعرج مع الزميل بسام جميدة
مثلاً، أنا بالنسبة لـ ميّ أخذتُ جزئية صغيرة من حياتها التي تهمّني كروائي، وهي جزئية مستشفى الأمراض العقلية أو العصفورية: كيف أن امرأة عظيمة مثلها يأخذها المجتمع الرجولي ويحوّلها إلى ضحية عندما أدخلها المستشفى وبقيت هناك تعاني إلى أن انفصلت تماماً عن الواقع، وعادت إلى مصر كي تموت في نهاية المطاف.
وأقول إنهم قتلوها.
عادةً أنا أشتغل على الشخصية التراجيدية؛ ففي الحالة الروائية نوعٌ من الديمومة. أنت تأخذ هذا الجانب ولا تدّعي أنه تأريخ، ولكن دعني أقول إنه التاريخ النفسي المخفي الذي من الممكن أن نتخيله بناءً على واقعةٍ تاريخية تبرّر ذلك.
بالنسبة لي، أنا كروائيّ باحث، ارتحلت تقريباً إلى كل المواقع التي مرّ بها الأمير عبد القادر في فرنسا وسوريا والجزائر وغيرها، وبحثت في الكتب التاريخية حتى أجد الملمس الذي أريده، ووجدت هذا الملمس في حوار الأديان الذي كان بينه وبين أكبر شخصية مسيحية في الجزائر، وهو القَسّ مونسينيور ديبوش الذي جاء إلى الجزائر بعد أربع أو خمس سنوات من استعمار فرنسا، أي عام 1834 تقريباً، والتقى بالأمير في نهاية المطاف، لكنهما التقيا من خلال الوسطاء.
في تلك اللحظة أصبح الأمير يُفرّق بين المستعمر وبين غيره، ولم يكن يعتبر المسيحي البسيط كافرًا يجب أن يُخرَج من الجزائر، بل طالب بالتعايش السلمي، ونشأت صداقة بينهما بقيت مترسّخة وثابتة.
وعندما تدخّل الأمير في الحرب الأهلية في دمشق ولبنان عام 1860، كان ذلك بتأثير من شخصيةٍ مسيحيةٍ عظيمة.
هذه المعلومة لا يقولها المؤرخ، لأنه لا يُقاطع الأحداث إنسانياً، أما أنا كروائي فأفعل ذلك.
عندما قرأت الوثائق والرسائل والسيرة الذاتية لصاحب الغبطة مونسينيور ديبوش، كنت أبحث عن مسار الرواية لا عن التاريخ فقط، لأن هناك اختلافات عظيمة بين النصّ الدرامي والنصّ الروائي.
في نهاية المطاف، أنت تكتب رواية لها سِمة الرواية التاريخية، مثلما هناك رواية نفسية أو بوليسية أو أنواع أخرى.
ذاكرة لا تموت
هذه إضافة مميزة لحياة الأمير عبد القادر وتفصيل مهم بعيداً عن الحروب التي خاضها…؟
نعم، حتى نحن في الجزائر نأخذ فقط سبعة عشر عاماً من حياة الأمير، وهي سنوات النضال والمقاومة، وهي سنوات عظيمة لأنه دفع فيها ثمناً غالياً.
الأمير كان صوفياً وصاحب شخصية عقلانية جداً.
عندما جاء إلى دمشق، التقى روحانياً بشخصية ابن عربي، وقبل أن يتوفّى أوصى عائلته في الشام بأن يُدفن بجانب الشيخ الأكبر ابن عربي، وفعلاً دُفن بجانبه إلى عام 1966، حين طالبت الجزائر، في إطار تأسيس الدولة الوطنية، برفاته.
كانوا يحتاجون إلى رمزٍ وطني، فكان الخيار الأمير عبد القادر. سحبوا رفاته من تحت القبر دون أن يُكسَر، ولذلك لا يزال قبره بجانب ابن عربي، وله قبرٌ آخر في الجزائر، فأصبح يُسمّى «صاحب القبرين»: القبر الرمزي والحقيقي.
قلتَ: “عندما ينهزم الخوف من داخلنا ينهزم الموت من شوارعنا”، وأسقطتها على ما حدث في الجزائر والعراق حينها. كيف ترى المشهد اليوم وهو يتكرر في أكثر من دولة عربية، وكيف يمكن أن نهزم الخوف؟ هل نهزمه بالكلمات؟
لا أبداً، زمان كنا نهزم الخوف بالإرادة وبالتاريخ الأصيل، حتى في حالات ضعف العرب، كانت القوى الباطنية تجعلهم يرجعون وينهضون.
لهذا أقول إن إمكانات اليأس الهائل اليوم موجودة، لأن تلك الطاقة الخلّاقة والإمكانيات السابقة بدأ يحلّ محلّها الخوف وعدم الثقة بالمستقبل. ولكن ثقتي موجودة، وكلما يكبر الظنّ تكبر الإرادة.
مهما كانت القسوة والموت والحرق والتدمير موجودة، ستخرج أجيال لديها منطق آخر.
إسرائيل كانت لديها فرصة بعد أوسلو ـ رغم أنني غير موافق عليها ـ إلا أنها خلقت حالة “اللا سلم واللا حرب”، لكن اليوم، بعد أحداث غزة وما نشاهده من فظائع، كيف سيكون هذا الجيل الذي شاهدها؟
سيكونون قنابل موقوتة.
أمام هذا الواقع، والتفاؤل الذي تحمله بالأجيال القادمة، هناك حالة تشرذم عربية سياسية واقتصادية. كيف يمكن للكلمة أن ترمّم الخلافات والشرذمة؟ وهل المثقفون العرب قادرون على حمل أعباء الصحوة العربية؟
صحيح أن الأمية ضاربة أطنابها في المجتمع العربي، وتبلغ حتى سبعين في المئة، ولكن مع ذلك هناك كتّاب وروائيون وفنانون ورسامون ومفكرون.

قيمتهم اليوم ليست بأنهم يملكون عصا موسى للتغيير ـ لا أبداً ـ لكنهم يملكون القدرة على تدوين الذاكرة، وهذا التاريخ الذي ستقرؤه الأجيال القادمة، فستتشبّع به وتصبح لديها إرادة التغيير.
المثقف يمكن أن يكون مواطناً ويساهم يومياً في التحوّل من خلال رؤيته وأفكاره ويساعد، ولكن يجب ألا نحمل المثقف ما لا طاقة له به.
نحن ننظر إلى المثقف، كما يقول بول سارتر، بمثالية؛ المثقف مُختار أيضاً.
هناك مثقف للسلطة، وآخر للحركة الدينية أو اليسارية.
العربية لغة الحياة
كيف يمكن لهؤلاء المثقفين المتعددين أن يصلوا إلى بنيةٍ موحَّدة؟
هذا ممكن عندما تُفقَد الأرض والبلد، فتصبح مجبراً على إيجاد طريقٍ يجمع بين هؤلاء المثقفين للتغيير، أو على الأقل لحفظ الذاكرة من التلف. وتأتي الأجيال القادمة لتعرف أن أمامها مهمةً كبيرة. ونحن استفدنا ممن كتبوا قبلنا، رغم أنهم ماتوا، فوجدنا أمامنا ثروة فكرية وثقافية وإبداعية هائلة أعطتنا هذه الطاقة الخلّاقة الداخلية كي نكتب ونتفاءل.
يغلب على كتاباتك سمة السرد الحيوي المصحوب بإيقاع شعري متناغم جميل يلبي نهم القارئ، فتأتي القراءة سلسة ويندمج معها القارئ. هل هو أسلوب غواية للقارئ لسحبه إلى عوالمك الروائية والمكان الذي تريد؟ كيف تشكَّل عندك هذا الأسلوب؟
أنا من محبي اللغة العربية، وكان من المفروض أن أكون فرانكفونياً، ولكن شاءت الأقدار وجدتي والظروف أن تجعلني أذهب إلى اللغة العربية حبّاً بالجدة، وأصل لما كانت تريده مني. وهي راهنت أن واحداً من أبنائها سيطَّلع على التاريخ الأندلسي ويكتب عنه، هذا هو “وهم الجدة”، لكنه في الحقيقة ليس وهماً، فقد غرست فيّ فكرة غريبة، وهي أن أكتب هذا التاريخ.
علاقتي باللغة العربية علاقة عشقية. لم تأتِ اللغة العربية إليّ كما تأتي إلى أي فرد ينشأ في مجتمع فرنسي عن طريق الأم أو الأب، بل ذهبتُ بنفسي نحوها، ذهبت إلى الكتاتيب والمدارس وتابعت، وعندما تُحبّ، يتجلّى الحب في طريقة عملك. وما تقول عنه جاء نتاج هذا الحب للغة العربية، وهي لغة عظيمة، وأنا ضد من يقول إن اللغة العربية لغة ميتة ولا تستطيع أن تقول فيها كل شيء. بالعكس، يمكنك أن تقول ما تريد حتى في المسائل الجنسية، علماؤنا الكبار قالوا كل شيء بلغة نحن اليوم نخجل أن نتحدث بها، وهم كانوا يتحدثون بها بشكل عادي. هي لغة واحدة وطرقها متعددة، ولكن عليك أن تختار طريق الذهاب إليها. أنا أذهب من خلال الشعر، وغيري يذهب من خلال الحب، وهناك من يختار الجمل الكلاسيكية التقليدية، إلى آخره.
رغبتك في الحياة مرتبطة بالكتابة، وما كتبته هو رهان على الحياة، حياة المدن. وأنت رحّال كثيراً، إلى أي مدى تسكنك المدن وتسكنها؟ وأنا أعرف تعلقك بالمدن: الجزائر “سيدة المقام”، ودمشق “طوق الياسمين”، والقدس وأمريكا وغيرها. ما هو تأثير الأماكن في رواياتك؟
مهم جداً تأثير الأماكن، فكل مكان هو جسد الرواية. أنا لست مع فكرة “رواية اللا مكان”، قد يكون خياراً فنياً أو فانتازياً بالنسبة للكاتب ألا يظهر المكان في أعماله بشكل واضح، ولكن بالنسبة لي المكان هو تجسيد لحالة وجدانية وحضارية وثقافية. المدينة ليست حجارة فقط، بل علاقات ونمط من الحرية، وكل مدينة تعلّمك شيئاً، ولها خصوصيتها التي تستفيد منها كثيراً. قد تفقد الحنان في المدن، ولكنك تجد أشياء أخرى.
خذ مثلاً دمشق، لها خصوصية وروائح، عندما تمشي في شوارعها تعبق برائحة عطر خاص يأتي من بعيد، قل لي ما هو تفسيره وتحليله الكيميائي؟ لا أعرف. ولكنه فعلاً موجود، فعندما أدخل الشام تصعد هذه الروائح وتشعر بالألفة والجمال.
بهذا التوازي في الحديث عن المدن، هل لا زلت حزيناً لأن بلدك لم يهتم بك وتجاهَلك، واحتفيتَ به أكثر مما احتفى بك؟ نحن ننتظر دائماً أن يأتي الاهتمام من بلدك، وهذا أفضل مما يأتيك من آخرين، أوروبياً أو عربياً. ومع الزمن ذهبت الفكرة ونسيت الأمر؟
ربما لأنني لم أعد بحاجة إلى أشياء كثيرة كنت أحتاجها سابقاً، كأن أصبح معروفاً ويهتم بك أبناء جلدتك. ربما يكون للتقدم في العمر والسكينة دور. في السنوات الأخيرة هناك اهتمام كبير من بلدي وتكريمات من المواقع الثقافية، ورفضت مقترحات كثيرة لتولي مسؤوليات ومهام عديدة. أنا في جامعة السوربون، وكنت في جامعة الجزائر أستاذاً، ولم يعد لدي مشكلة.
الانتماء الوطني مهم جداً، ولدي انتماء عروبي أعتز به، وأكثر قرائي من العرب وليس من الجزائر. لم يعد لدي هذا الإحساس السابق، والانتماء الإنساني الواسع يخرج بك من الدائرة الجزائرية والعربية، ويذهب بك إلى دائرة أوسع من خلال الترجمات، وهذا كله أعتقد أنه يمنح سكينة ونوعاً من الراحة الداخلية. ما أقوله يصل إلى الآخرين، وليس محصوراً بالجزائر والعالم العربي فقط.
الخوف يقتل الإبداع
قلتَ إن مساحة التعبير في الرواية أوسع من أي مكان آخر، قد تكون هذه المساحة في الغرب موجودة، ولكنها قد تكون مفقودة في الرواية العربية؟
أنا أعتقد أنها موجودة حتى في الرواية العربية. وتسألني لماذا؟ فأقول لك: الرواية العربية موجودة لأنها رهنُ جهد. في العالم الغربي تكتب وأنت حر وليس لديك خوف، في حين أنك في العالم العربي تكتب وأنت مُسند بالخوف، بمعنى أنك بين خيارين: إما أن تكتب ما تريد أن تقوله، وفي الوقت نفسه في عقلك “شرطي” يراقبك ويتعقبك ويقول لك: احذر! وأنت تقول له: “طز! لا أريد أن أحذر، هذه هي قناعتي، دعني أدفع ثمن خياراتي”. ورويداً رويداً تتحرر من هذا الشرطي الذي يُقهَر بالإرادة.
الكاتب لديه القناعة أنه في أي لحظة قد يدفع الثمن، ويُعتقل أو يتعرض للتعذيب، ومع ذلك يقول في قرارة نفسه: إنني وفيٌّ لهذا العالم ولهذه الثقافة والمساحة التي اسمها العالم العربي، بالرغم من تمزقاتها. يجب أن نتحدث ولا نترك الشرطي ينتصر علينا. والفرق بيني وبين الكاتب الغربي أنه يكتب وهو مرتاح، وأنا أكتب وأنا أتعذب. العذاب يصنع الشخصية والخيال والإرادة والفعل، فليكن هذا الفعل يذهب إلى مأساة، ونحن نحب الحياة وعاشقون لها، ومع ذلك لا ضمانة في العالم العربي مطلقاً.
نتحدث عن انتشار الكتاب العربي في الغرب الذي لا يقرأ لنا كما نقرأ نحن له، كيف يمكن أن تكون المعادلة متوازنة ونصل بكتابنا إلى الغرب، ومن هو القادر على إيصاله إلى هناك، وتكون الترجمة عكسية؟
لقد نكأت الجرح تماماً. انظر، هناك مشكلة كبيرة في العالم العربي. لدينا مؤسسات ضخمة تترجم الأدب الغربي إلى اللغة العربية، وهذا عمل ممتاز، إضافة إلى ما يقوم به الآخرون من ترجمات. جميل أن نتعرف على ما يدور حولنا وما يُقدَّم من أدب، ولكن الأفضل أن ينتقل كتابي إلى الآخر. كيف يمكن أن أُشيع هذه الثقافة؟ لأن هذه الفكرة مبنية على الشعور العربي بالهزيمة. سأقول لك لماذا: لأنه عندما تأتي بكتاب أجنبي وتترجمه، فالفكرة جميلة ومستقلة، ولكن ما يتخفّى وراءها هو أن المعرفة عند الآخر، وليست عندي، وأن الآخر هو الذي يريد أن يقول كل شيء. قد يكون هذا صحيحاً في العلوم البحثية، ولكن في المجال الإبداعي بالعكس.
أنا أقرأ بأربع لغات، ولا أرى في قمة الروايات العالمية أن الكاتب العربي حالة جافة أو غير قادر على تقديم نصوص إبداعية وجميلة يمكن أن تُستقبل بشكل جيد. المؤسسات المشيعة للكتاب العربي فاشلة وميتة، لا تعمل أي شيء. خذ مثلاً أمريكا اللاتينية التي أثرت بموجتها الطاغية على العالم كله، ما الذي حرّكها؟ في فرنسا وأمريكا، حتى في بلدانها نفسها، توجد مؤسسات ممولة من أمريكا اللاتينية تسهر على إشاعة الكتاب المحلي، بالتمويل واصطياد دور النشر الكبيرة وترشيح الكُتاب الكبار.
دعني أَسْرُد لك هذه الواقعة: في معهد العالم العربي يوجد صديق لي مشرف على ترويج الكتاب العربي، قال: يجب أن نطلب من الدول العربية أن تموّل لنا سلسلة روايات عربية ونتفق مع كبريات دور النشر لنصل ببعض كُتابنا إلى العالمية. بعض الدول التي تشاور معها، ولديها المال، قالت له: نحن نرسل لك الروايات. وأرسلوا له أسوأ الروايات! فقال لهم: أنا اخترت بعض النصوص الجميلة والحيوية التي يستقبلها القارئ الغربي، ولكنهم رفضوا، وقالوا له: من اخترتهم مغضوب عليهم ولا نريد أن تنشر لهم!
مشكلتنا أننا لم نصل إلى درجة عليا تجعلنا نقبل ثقافتنا في تعددها ونقدها وصوابها وخطئها. لا يجب أن تسير ثقافتنا على خط واحد، لأنه خط قاتل. وهذا الجانب لا يسير في الغرب لأنه حيوي. الكاتب الغربي لديه فسحة من التحرك بكل الاتجاهات.
يمكن أن نفرض كتبنا على الآخر بالشجاعة، وبالجودة، والعمل الجيد، والقدرة المالية.
نعرف ونقرأ أن هناك كتباً تُترجم وتُطبع بنُسخ قليلة، هل هذا يكفي للترويج في الغرب، ويتغنى بها الأدباء؟
لا أبداً، أنا أعرف ولدي اطلاع، وأقول لك إنه مشروع فاشل. القليل من الكتب العربية تكون قريبة من السقف العالمي وتُطبع عشرة آلاف إلى ثلاثين ألف نسخة، والبقية في أحسن الأحوال ألف وربما ثلاثة آلاف نسخة. هذا المرض موجود، لكنني لا ألوم الغرب لأنه خاضع للسوق. ولكن كيف أجعل هذا السوق يرى الكتاب العربي ويقتنيه؟ بالدعاية أولاً، بالجودة ثانياً، وبالمتابعة ثالثاً، وأن تتكفل مؤسسات بالصرف عليه كي يصل، فيكون وسيلة للارتقاء إلى درجة عليا. وعندما يصل إلى شريحة واسعة وينتشر الكتاب، تصبح الأمور سهلة ويعود بالربح والفائدة.
تجار لا ناشرون
هل هذا متعلق بالناشر العربي الذي يبحث عن الربح وليس عن الانتشار والجودة؟ متى نتخلص من تجارة دور النشر لكي يصبح لدينا نهضة ثقافية؟
للأسف، دور النشر العربية كلها في حالة مأساوية، يريد أصحابها أن يربحوا فقط وألا يخسروا نهائياً، إلا نادراً. لو أنه يطبع ثلاثة كتب بدل أن يطبع عشرين، ويتابعها بقوة، ويفرضها على الوسط الإعلامي والثقافي، ويربح منها ويجعلها منتشرة، فهذا عمل جبار. كلهم يطبعون ما يأتيهم من كتب ولا يتابعونها، وإذا فاز كتاب بجائزة بالصدفة فهذا جميل ويتقاسمها مع الكاتب، وإذا لم يفز ولم يُبع الكتاب، تكون الدار غير خاسرة لأنه قبض الثمن سلفاً من الكاتب. هذا أسميه “الطابع” وليس “الناشر”. وأنا أفرّق تماماً بين الطابع والناشر؛ فالطابع يقوم بعملية طباعية، يأخذ تكاليف الورق والحبر وغيرها، وبعد أيام يعطيك كتابك وأنت توزعه.
أما الناشر، فهو الذي يأتي بالكاتب، ويقرأ الكتاب، وإذا أعجبه يراهن عليه، ويسخر كل السبل الممكنة من أجل الكتاب. ومثل هذا الناشر غير موجود في العالم العربي، بل نادر جداً.
على الناشر أن يرتقي بعمله، ولا أعرف متى سيكون عندنا مثل هؤلاء الناشرين. وباعتقادي يوجد واحد من أصل مئة، والباقي كلهم تجار طباعة ليس إلا.
هناك من يغمز من الجوائز العربية ويقول إنها مسيَّسة، ولا يفوز بها إلا من يكتب بأيديولوجيا معينة، وهناك من يكتب فقط طمعاً في الجائزة، ما رأيك؟
لا أبداً. كنت أشارك في كثير من الجوائز وعضواً في عدّة لجان للجوائز الكبيرة، ومنها لجنة جائزة الشيخ زايد. لم يتدخل أي شخص من الشخصيات في الجائزة، وأقول هذا على مسؤوليتي. هناك لجنة قراءة، يقرأون ويقدمون لنا التقارير، وتصل إلينا ونتناقش ونتذاكر في اللجنة العليا، ونفند كل صغيرة وكبيرة بشكل علمي وثقافي. ولا مرة دخلت الإيديولوجيا. ولو دخلت، لما كنت عضواً في جائزة الشيخ زايد. ولهذا، على الأقل، أشهد على الجوائز التي أعرفها وشاركت فيها، وكانت الموضوعية هي الفيصل.
وبالنسبة لي أقول: إن وجود الجوائز شيء جيد، لأنه يشجع الكاتب. ولكن الموجة التي تتحدث عنها جعلت من يكتبون الرواية ليس كلهم متخصصين بالرواية، حتى إن هناك شعراء جاؤوا إلى الرواية دون قناعة، بل من أجل فرصة الفوز بجائزة من الجوائز، ظناً منهم أن الأمر سهل. بالعكس، فيه كثير من الصعوبات. ومع ذلك، فليكن، ولكن إذا كان لديك إحساس الروائي وثقافة روائية.
هل نحتاج إلى “نوبل” عربية؟
والله فعلاً نحتاج، ولكن هذا يجب أن يكون ثمرة نقاش كبير. منذ سنتين كانت هناك “جائزة نوبل عربي”، وفزت بها أنا بالنسبة للأدب العربي. هي مبنية على نظام جائزة نوبل، وهو مشروع جميل جداً، ولكن أيضاً يجب أن يتطور. والأديب العربي يحلم أن تكون له جائزة أشبه بـ “نوبل” ولكن عربية. وقد تابعت هذه الجائزة منذ بداياتها، وهي تتجاوب مع المقاييس العالمية للجوائز الكبرى. ولكن الأمر ليس سهلاً، فالفوز بجائزة بهذا الثقل يحتاج إلى جهد كبير من الكاتب نفسه، إلى جانب عدد كبير من الأدباء والعلماء وغيرهم. وهذا يحتاج إلى تميز كبير. والحقيقة أن الخمسة الذين فازوا بها يستحقون ذلك، وهم من الأسماء المعروفة. وأتمنى ألا يقتصر الأمر على وجود هذه الجوائز، بل أن تتطور أكثر، وأن تسمو نحو حل المشكلات الثقافية العالقة مثل: قضية الكتاب العربي وترويجه عالمياً أو ترجمته مثلاً، ويكون ذلك جزءاً من أهداف هذه المؤسسات والجوائز، سواء “نوبل” أو غيرها.
الرواية الخليجية تتوهج
الرواية الخليجية قفزت إلى الصدارة بحركة توسعية، ونالت الانتشار والاهتمام. كيف ترى المشهد الروائي الخليجي؟
فعلاً، أصبحت هناك حركة قوية في الرواية الخليجية. لو بدأنا من عُمان، ستجد أسماء مثل جوخة الحارثي وروايتها سيدات القمر التي فازت بجائزة عالمية، وكذلك زهران القاسمي الذي فاز بالبوكر، وغيرهم كثير. وتوجد تجمعات ثقافية خليجية بدأت تتصدر الصف العربي، ولديها حظوظ وإبداع. حتى في ظاهرة الكتابة عن الماء تجسدت في روايات رائعة كما في تغريبة القافر.
انظر أيضاً إلى الكويت، ترى السنعوسي كروائي متمكن، وبثينة العيسى، وفي قطر هناك كاتب مدهش عبد العزيز آل محمود، قرأت له أول رواية الشراع المقدس، قدم شيئاً مذهلاً حول الرواية التاريخية. والملاحظ وجود موجة مهمة ليس فقط في الخطاب، بل في الإبداع والمعالجة، مما منحها الجوائز. ربما تقول لي: لأن الجوائز خليجية يفوز بها خليجيون؟ أقول لك: هذا غير صحيح. الذين فازوا بالجوائز مثل عبده خال والسنعوسي وعلوان وغيرهم، هؤلاء فازوا لأن النصوص فعلاً قوية وفرضت نفسها. حتى من قرأها بعد الجوائز لمس قوة الرواية.
وأحياناً ليست قيمة الجائزة في مردودها المادي، بل في كشفها عن موهبة ما كانت لتُعرف لولا الجائزة، فهي تشير إلى محتوى الرواية الجيد، وتساهم في ترويجها، وتضعها بين أيدي القراء والمهتمين. ما ذكرته من أسماء وما لم أتذكره بهذه العجالة، أقول إن هؤلاء هم السند الحقيقي للرواية الخليجية، وبالتالي أرى أن هذه الرقعة مقدمة على إنجازات ضخمة روائياً.
ما الذي يحفظه الروائي واسيني في ذاكرته وقلبه لدمشق؟ وأي الذكريات تراودك عنها؟
الشام ذاكرة لا تُنسى، وهذا البلد صنعني، وأدين له بالكثير مما أنا فيه اليوم. علاقتي به كبيرة، ويكفي أن ابني وبنتي وُلدا في الشام، وحتى لو أردت أن أنسى الشام، فإنني أراها فيهما، وحتى حفيدتي اسمها شام، وفيها أرى الشام. وصعب عليّ أن أنسى هذا البلد الذي قضيت فيه عشر سنوات من عمري، وكانت فرصة أن ألتقي بمن صنعوا الذاكرة الأدبية لسوريا تحديداً وبلاد الشام، مثل حنا مينه وأنطون مقدسي هذا الرجل العظيم ونبيل سليمان. وأتمنى ذات يوم أن أعود إليه وأشرب القهوة في مقهى الروضة والهافانا.




