د. تمام كيلاني
قال الله تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾، وهي آية قصيرة في ألفاظها، عظيمة في معناها، تدعو الإنسان إلى أن يتأمّل نفسه قبل أن يتأمّل الكون من حوله. فبين ضلوع الإنسان، وفي خلاياه وأعضائه وأجهزته، دلائل مبهرة على عظمة الخالق ودقّة صنعه. وكلما تعمّق العلم في فهم هذا الجسد، ازداد يقين المؤمن بأن هذا الإبداع لا يمكن أن يكون صدفة، بل هو أثر قدرة إلهية حكيمة.
أتذكر أول يوم دخلت فيه قاعة التشريح في كلية الطب بجامعة حلب. كان ذلك في شهر رمضان، وكان يوماً لا يُنسى. ما إن فتح باب القاعة حتى استقبلتنا رائحة “الفورمالين” القوية التي تحفظ الجثث المستخدمة في التعليم. وقفنا نحن طلاب الطب الجدد أمام أجسادٍ سكنت الحركة، لكنها صارت معلماً صامتاً لعلم الحياة. كان الموقف مَهيباً؛ فبين أيدينا جسد إنسان كان يعيش يوماً ما، يضحك ويتكلم ويمشي بين الناس.
في تلك اللحظة لم يكن المشهد مجرد درسٍ في التشريح، بل كان درساً في التأمّل. كنا نفتح طبقات الجسد طبقةً بعد طبقة، فنكتشف عالماً بالغ التعقيد والدقّة. عضلات مترابطة، أوعية دموية متفرعة، أعصاب دقيقة تسير في مسارات محددة بدقة عجيبة. وكلما اكتشفنا جزءاً جديداً ازداد شعورنا بالدهشة: كيف يمكن لكل هذه المنظومة أن تعمل بتناغم داخل جسد واحد؟
ثم جاء درس تشريح القلب. ذلك العضو الصغير نسبياً، الذي لا يتوقف عن العمل منذ لحظة تكوّن الإنسان في بطن أمه وحتى آخر لحظة من حياته. أربع حجرات، وصمامات تعمل بدقة متناهية، ونظام كهربائي ينظم ضرباته دون توقف. يضخ القلب آلاف اللترات من الدم يومياً عبر شبكة هائلة من الأوعية الدموية التي تمتد في كل أنحاء الجسد. وكلما درسنا تفاصيله ازداد يقيننا أن هذا النظام المُحكم ليس عملاً عشوائياً، بل هو آية من آيات الخلق.
ثم ازداد الإعجاب عندما درسنا الأذن. ذلك العضو الصغير الذي يختبئ في عظم الجمجمة، لكنه يحتوي على منظومة هندسية مذهلة. عظيمات سمعية دقيقة هي الأصغر في جسم الإنسان، وقوقعة حلزونية تحوّل الذبذبات الصوتية إلى إشارات عصبية، وجهاز توازن بالغ التعقيد يحفظ للإنسان اعتداله في الحركة. كل جزء فيها يعمل بدقة لا تكاد تُرى بالعين المجردة، لكنه يؤدي وظيفة لا يمكن الاستغناء عنها.
ومع دراسة علم الأمراض ازداد التأمل عمقاً. فعندما يرى الطالب كيف يختل التوازن الدقيق في الخلايا والأنسجة عند المرض، يدرك أكثر نعمة الصحة ودقة النظام الذي خلق الله عليه الإنسان.
إن المرض يكشف لنا، بطريقة غير مباشرة، مدى الإتقان في البنية الأصلية للجسد. لكن يقيني ازداد أكثر عندما بدأت التخصص في طب العيون. فالعين وحدها عالم كامل من الإبداع. شبكية مليئة بملايين الخلايا العصبية الحساسة للضوء، تتلقى الصورة وتحولها إلى إشارات كهربائية تنتقل عبر العصب البصري إلى الدماغ، حيث تُترجم إلى صورة مفهومة. عدسة شفافة تضبط تركيز الضوء بدقة، وقزحية تتحكم بكمية الضوء الداخل، وعضلات دقيقة تحرك العين في كل الاتجاهات.
كل ذلك يحدث في جزء صغير لا يتجاوز بضع سنتيمترات، وعندما نتأمل الجهاز العصبي ندرك أننا أمام أعقد منظومة معروفة في الكون. مليارات الخلايا العصبية متصلة بشبكات هائلة من الوصلات، تنقل الإشارات بسرعة مذهلة، فتسمح للإنسان بالتفكير والشعور والحركة والإبداع.
إنه نظام يفوق في تعقيده أعظم الحواسيب التي صنعها الإنسان. إن دراسة الطب لم تكن بالنسبة لي مجرد دراسة علمية، بل كانت رحلة متواصلة لاكتشاف آيات الله في خلق الإنسان. وكلما ازداد العلم تقدماً، ازداد وضوح هذه الحقيقة: أن هذا الجسد ليس مجرد تجمّع عشوائي للخلايا، بل بناء متقن الصنع، متوازن الوظائف، يحمل في كل جزء منه دليلاً على عظمة الخالق. ولهذا تبقى الآية الكريمة تتردد في القلب قبل العقل: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾.
فلو تأمل الإنسان نفسه حق التأمل، لوجد في كل خلية من خلاياه سبباً جديداً للإيمان، وفي كل عضو من أعضائه دليلاً على حكمة الله وقدرته.
*رئيس اتحاد الأطباء والصيادلة العرب في النمسا

