Site icon المزمار العربي

يحدث في اتحاد الكتاب العرب

مقر اتحاد الكتاب العرب بدمشق

 عبد الكريم البليخ

في المشهد الثقافي الذي يُفترض أن يكون أكثر رحابةً وعدالةً، تتسلّل أحياناً أمراض السلطة الصغيرة إلى الروح الكبيرة التي قامت عليها المؤسسات الفكرية. وما يحدث اليوم في اتحاد الكتّاب العرب يبعث على الأسى، لا لأنه خلاف عابر بين أفراد، بل لأنه يكشف تحوّلاً عميقاً في معنى الثقافة ذاتها؛ من فضاء للحوار الحرّ والتنوّع، إلى دائرة ضيّقة تُدار بمنطق الاصطفاف والولاء.

لقد بات واضحاً أن الظهور الثقافي والنشر في بعض المنابر التابعة للاتحاد لم يعودا حقاً طبيعياً لكل صاحب موهبة أو رأي، بل امتيازاً يمرّ عبر بوابة القرب من الإدارة ومجاراة خطابها. وهكذا تتكرّر الأسماء ذاتها في موقع «حروف»، لا دائماً لأن نصوصها الأكثر جدارة، بل لأنها الأكثر انسجاماً مع المزاج السائد داخل المؤسسة. أما الأصوات التي تختار الوقوف على مسافة من هذا الاستقطاب، أو تحاول أن تعبّر عن رأي مختلف، فتجد نفسها تُدفَع بهدوء نحو العزلة، وكأن الاختلاف خطيئة ينبغي معاقبتها بالصمت والتجاهل.

والمشكلة هنا لا تتعلق بأشخاص بعينهم بقدر ما تتعلّق بمناخ نفسي واجتماعي آخذ في الترسّخ داخل الوسط الثقافي؛ مناخ يجعل الكاتب يشعر أن قيمته لم تعد تُقاس بما يكتب، بل بمدى قربه من دوائر النفوذ. ومع الزمن، يولّد هذا الواقع خوفاً خفياً لدى كثيرين، فيفضّل بعضهم الصمت حفاظاً على فرصة نشر أو مشاركة أو حضور، بينما يختار آخرون الانسحاب الكامل من المشهد، بعدما فقدوا الإحساس بأن الثقافة ما تزال بيتاً مشتركاً يتّسع للجميع.

الأشدّ إيلاماً أن المطالبة بعقد مؤتمر عام، وهي في الأصل ممارسة مؤسساتية طبيعية وحق مشروع لأعضاء الاتحاد، تُواجَه وكأنها تهديد شخصي أو محاولة انقلاب. وكأن الدعوة إلى الشفافية وتجديد الحياة داخل المؤسسة أصبحت فعلاً عدائياً لا مطلباً إصلاحياً. وربما يعود ذلك إلى خوف دفين من أي لحظة مراجعة حقيقية قد تكشف حجم التكلّس الذي أصاب المؤسسة، أو قد تضع حداً لسنوات طويلة من التشبّث بالمواقع والمناصب، حيث يتحوّل المنصب من مسؤولية ثقافية مؤقتة إلى مساحة نفوذ يُخشى فقدانها.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة ثقافية ليس الفقر المادي، بل ضيق الروح. فحين يُقصى المختلف، ويُكافأ المصفّق، تتحوّل الثقافة تدريجياً إلى صدى باهت لصوت واحد، وتفقد رسالتها الأساسية بوصفها مساحة للحرية والوعي والكرامة الإنسانية.

كاتب وصحافي سوري

Exit mobile version