ابن البهجة المصرية: من أنقى من عبروا المسرح العربي بخفة ظلٍّ لا تشبه أحداً
في ذكرى رحيل الفنان الكبير يونس شلبي، نستحضر سيرة رجلٍ لم يكن مجرد ممثلٍ كوميدي، بل روحاً مصرية صافية تجسّدت في ملامح طفلٍ لا يكبر، وضحكةٍ تنبع من أعماق القلب. وُلد في المنصورة يحمل براءة الريف وصدق البسطاء، فصار أحد أنقى من عبروا المسرح العربي بخفة ظلٍّ لا تشبه أحداً. جعل من الضحك رسالةً ومن البساطة فلسفةً، فكان يضحك ليُعالج لا ليتسلّى، ويُضحك الناس ليخفّف عنهم وجع الحياة. في «مدرسة المشاغبين»، و«العيال كبرت» صنع مجده الفني، وفي «بوجي وطمطم» وهب روحه للأطفال، فحفظوه في قلوبهم أباً ورفيقاً. عاش متواضعاً، صادقاً، وفيّاً لأمه وأصدقائه، وظلّ حتى مرضه الأخير يحمل إيمانه بأن البسمة أقوى من الألم. رحل الجسد في صمت عام 2007، لكن الضحكة بقيت، شاهدةً على فنانٍ صادقٍ أحبّ الحياة والناس، فبادلوه الحب بعد رحيله.
المزمار العربي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“المزمار العربي” ـ خاص:
في ميدان الطمي بمدينة المنصورة، في قلب دلتا النيل، وُلد في الحادي والثلاثين من مايو عام 1941 طفلٌ سيكبر ليُضحك الملايين، لكنه لن يكبر أبداً في داخله. كان وجهه المستدير كقمرٍ ريفيٍّ خجول، وابتسامته التي تشقّ الفقر والوجع مثل خيط من نور الفجر، تخبئ خلفها روحاً نقيّة تتغذّى على البساطة والعفوية والدهشة الأولى تجاه الحياة.
ذاك الطفل كان يونس شلبي، أحد أكثر وجوه الكوميديا المصرية صدقاً وإنسانية، الرجل الذي جعل من الضحك مرآة للحزن، ومن البراءة قوة ناعمة تواجه صرامة الواقع وغلظته.
نشأ في أسرة مصرية بسيطة بعيدة عن عالم الفن، حيث كانت الطموحات تُقاس براتبٍ حكومي مستقرٍّ لا بخيالات مسرحٍ أو ضوء كاميرا. كان والده يتمنى له وظيفة مضمونة تضمن له لقمة العيش، أما يونس الصغير فكان يرى في خشبة المسرح مصيره الأبدي، وفي تقليد الأساتذة والمعلمين والباعة والغرباء حوله تدريباً مبكراً على فهم الناس.
كانت المدرسة أول مسرحٍ له، والكلمة أول نغمةٍ في عزف ضحكته التي ستتردّد لاحقاً في كل بيتٍ عربي. لكنّ الحلم، كما هو دائماً في حياة البسطاء، كان أكبر من الواقع وأصعب من أن يُصدّقه من حوله.
براءة تصنع مجداً
حين أنهى دراسته الثانوية، ترك المنصورة واتجه إلى القاهرة، المدينة التي تحتضن الأحلام وتدهسها في آنٍ واحد. التحق بـ المعهد العالي للفنون المسرحية، وهناك التقى المخرج الكبير نبيل الألفي الذي رأى في ذلك الفتى الممتلئ جسداً، المتلعثم حين يتحدث، طاقة كوميدية فريدة تشعّ صدقاً. طلب منه المشاركة في أعماله، فكانت تلك هي أولى خطوات يونس على الطريق الذي سيصنع منه نجماً من طرازٍ خاص.
الفنان الراحل يونس شلبي
عام 1971، كان المسرح المصري على موعدٍ مع زلزالٍ كوميدي جديد. بعد سنواتٍ من سيطرة عمالقة مثل إسماعيل ياسين وفؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي، جاءت مسرحية «مدرسة المشاغبين» لتفتح عهداً جديداً من الكوميديا الواقعية، الساخرة من التعليم والسلطة والمجتمع.
في تلك المسرحية، أدى يونس دور الطالب منصور، ابن الناظر حسن مصطفى، الشاب البريء المتلعثم الذي لا يستطيع نطق جملة كاملة دون أن يثير انفجاراً من الضحك. كان يونس يخرج عن النصّ، يرتجل ببساطةٍ مدهشة، فيجعل سعيد صالح وعادل إمام وأحمد زكي ينسون حروفهم من فرط الضحك. لم يكن تمثيلاً بقدر ما كان انصهاراً كاملاً في روح الشخصية، وكأنّ الطفل الذي بداخله وجد أخيراً فرصةً ليُطلّ على العالم.
«مدرسة المشاغبين» لم تكن مجرّد مسرحية ناجحة، بل كانت تاريخاً جديداً للكوميديا المصرية، نقلتها من النكتة المصنوعة إلى العفوية المولودة من القلب. في زمنٍ مثقل بالهموم السياسية بعد هزيمة 1967، جاء يونس ورفاقه ليقولوا للناس إنّ الضحك يمكن أن يكون خلاصاً جماعيّاً، وأنّ السخرية أحياناً أكثر جدية من الخطب.
بعدها بثماني سنوات، عاد يونس ليؤكد موهبته في مسرحية «العيال كبرت» (1979)، بشخصية «عاطف» الفتى الساذج الذي يُعبّر عن ذكاء الفطرة أكثر مما يُعبّر عن غباء الواقع. في تلك المسرحية نطق عبارته الشهيرة «كلهم بيهزوا دماغهم» في إشارة إلى نواب البرلمان، فحُذفت لاحقاً من بعض القنوات. كان يونس يرى أبعد مما يتخيله الجمهور، فالكوميديا عنده ليست صخباً بل ومضة وعي تمرّ في قلب الضحكة.
لم يكن يونس شلبي ابن المسرح فقط، بل كان ابن السينما أيضاً. بدأ أول أدواره السينمائية عام 1975 في فيلم «الظلال في الجانب الآخر»، ثمّ شارك في أكثر من 77 فيلماً تراوحت بين البطولة والمشاركة، بين الجيد والعابر.
قدّم أفلاماً تجارية كثيرة مثل العسكري شبراوي ومغاوري في الكلية والشاويش حسن، أفلامٌ خفيفة أراد بها أن يبقى قريبًا من جمهوره الشعبي، لكنّ النقاد رأوا فيها تراجعًا فنياً. غير أنّهم اتفقوا جميعًا على أن أداءه في أفلام مثل «الكرنك»، و«شفيقة ومتولي»، و«إحنا بتوع الأوتوبيس» كان علامة على موهبة قادرة على ملامسة المأساة بالابتسامة، وأنّ خلف الكوميدي البريء يسكن ممثل تراجيدي عظيم لم يُمنح فرصته كاملة.
في نهاية السبعينيات، انفتح بابٌ جديد في مسيرته عبر الدراما التلفزيونية، حين شارك فؤاد المهندس في المسلسل الكوميدي «عيون»، ثم قدّم أكثر من عشرين عملاً منها «الستات ما يعملوش كده»، و«أنا اللي أستاهل». لكنّ المفاجأة الكبرى كانت حين قرر أن يوجّه ضحكته إلى قلوب الأطفال.
منذ عام 1983 وحتى 2001، ظلّ يونس شلبي يقدم شخصية بوجي في المسلسل الرمضاني الشهير «بوجي وطمطم» الذي أخرجه الراحل رحمي. كان المسلسل نافذة سحرية يدخل منها الأطفال كل عام إلى عوالم الخيال، وكان يونس يقول دائماً: «أهم عمل في حياتي هو بوجي وطمطم».
في تلك الشخصية اكتملت دائرة طفولته التي لم تغادره قط. صار الأب الذي يضحك الأطفال في رمضان، بينما في داخله طفلٌ وحيدٌ يحنّ إلى حضن أمه وإلى بساطة المنصورة. أحبّه الصغار لأنه كان واحدًا منهم، لا يتصنع ولا يتعالى، بل يشاركهم دهشتهم وفضولهم تجاه العالم.
مع الفنان الراحل سعيد صالح
من خلف الكواليس، كان يونس شلبي رجلاً شديد الطيبة إلى حدّ السذاجة أحياناً. عاش طويلاً مرتبطاً بوالدته ارتباطاً روحانياً، حتى أنه لم يتزوج إلا في سن الخامسة والأربعين، مشترطًا أن تكون زوجته رحيمة بأمه. تزوّج أخيراً عام 1986، وأنجب ستة أبناء: شيماء، عمر، دعاء، هاجر، سارة، وأمينة.
كانت حياته متقشفة، بعيدة عن بهرجة الشهرة. حين قرر الزواج، أرسل إلى أصدقائه الفنانين يعتذر عن عدم دعوتهم لضيق ذات اليد، لكن سعيد صالح قاد رفاقه من «المشاغبين» واقتحم الفرح مع أربعمائة مدعوّ، ليحيله إلى احتفالٍ صاخب. ضحك يونس حينها بخجلٍ وارتباك، وقال بصدقٍ مؤلم: «ما عنديش أكل للجميع»، في واحدة من أكثر المواقف التي تختصر شخصيته بين البساطة والفقر والصدق والكرم الصامت.
تلك المفارقة ـ أن يحتشد الأصدقاء في عرسه رغم فقره، ثم يغيبوا عن جنازته ـ تختصر المسافة بين بريق الفن ووحشة نهايته. حين وافته المنية في 12 نوفمبر 2007، لم يحضر جنازته أحد من رفاقه الكبار، وكأنّ الزمن أدار ظهره لآخر المشاغبين الطيبين.
قلبه ينهكه التعب
في سنواته الأخيرة، خفت صوته وضاقت أنفاسه. أصيب بمرض السكري، ثم بالقلب، وخضع لعدة عمليات في مصر والسعودية، منها جراحة قلب مفتوح وزراعة شرايين في ساقه.
كان المرض ينهش جسده، لكن روحه بقيت كما هي: طفلاً يواجه الموت بالضحكة. ظهر في برنامج «البيت بيتك» عام 2006 يقول بابتسامةٍ متعبة: «الحمد لله، أنا في طريقي للشفاء التام» ـ وكأنه كان يعني أن الموت هو الشفاء الأخير.
تحدثت زوجته لاحقاً عن معاناتهم: كيف باعوا ممتلكاتهم في الدقهلية لتغطية تكاليف العلاج، وكيف تجاهلته نقابة الممثلين، وكيف تكفلت وزارة الصحة السعودية بعلاجه أخيراً. ومع كل ذلك، كان يونس يشكر الله ويبتسم.
توفي عن عمر ناهز السادسة والستين عاماً، ودفن في مقابر العيسوي بالمنصورة، لتغلق الحياة صفحة أحد أنبل وجوهها وأكثرها صدقاً.
يونس شلبي مع نجم المسرح أحمد بدير
لم يكن يونس شلبي ممثلاً فحسب، بل كان موقفاً إنسانياً. آمن أن الكوميديا ليست في الصراخ ولا في الحركات المبالغ فيها، بل في صدق المشاعر. كان يضحك ليُعالج، لا ليُسلي؛ وكان يرى أن الضحك شكلٌ من أشكال المقاومة.
كان وجهه يحمل براءة الطفل ووجع الفقير في الوقت ذاته، يختزل في قسماته مأساة جيلٍ بأكمله خرج من الهزائم الوطنية إلى ضحكٍ خجولٍ يحاول أن ينسى. حين يقف على المسرح، لم يكن يؤدي دوراً، بل يعيش لحظة تصالحٍ بين البساطة والعبقرية.
بداياته في «مدرسة المشاغبين»، و«العيال كبرت» كانت تجسيداً لمجتمعٍ يتبدل، من الانضباط إلى الفوضى، من التقاليد إلى الانفتاح، وكان يونس هو الضمير الطفولي لذلك التحول.
حتى في أفلامه البسيطة، كان ثمة شيء من «الفن الشعبي الصادق» الذي يعكس روح الطبقة المصرية الوسطى والفقيرة: ذلك الرجل الذي يضحك رغم الضيق، ويُحب رغم الجراح.
المنصورة لم تكن مجرد مسقط رأسه، بل كانت ملمحاً في تكوينه الفني. شوارعها الهادئة، نيلها القريب، لهجتها الناعمة، وسكانها الذين يعيشون بين الزراعة والتعليم، كل ذلك شكّل خلفية وجدانية لفنه.
هناك تعلم البساطة، وتشرّب إيقاع الريف الممزوج بعناد المدينة الصغيرة. حتى حين عاش في القاهرة، بقيت المنصورة بداخله كذاكرةٍ تُذكّره بمنشئه وبحدود الطيبة التي لا يريد تجاوزها.
من الناحية النفسية، كان يونس شلبي نموذجاً للفنان الذي يُنتج الضحك من رحم الألم. عاش طفولته في حرمانٍ ماديٍّ واضح، وفقد والده صغيراً، مما خلق داخله حسّاً دائماً باليتم وارتباطاً عاطفياً بالأم والبيت.
ربما لذلك ظلّ يختار أدوار الفتى الأهوج غير الناضج ـ ليس لأنه لا يعرف النضج، بل لأنه يخافه. فالنضج يعني الفقد، والطفولة تعني الأمان. كانت شخصياته انعكاساً لتلك المعادلة النفسية المعقّدة، التي جعلت من ضحكته حقيقية ومن عفويته صادقة حدّ الألم.
تبدو مسيرة يونس شلبي كرحلة بين اللاوعي الفني والوعي الاجتماعي. كان فناناً بالفطرة، لا يتقن التحليل ولا يسعى للتنظير، لكنه يمتلك بوصلة داخلية دقيقة ترشده إلى مكامن الضحك في النفس البشرية.
وفي زمنٍ راحت فيه الكوميديا المصرية تميل إلى المبالغة والتصنّع، كان يونس بمثابة ضمير الفن البريء الذي يذكّر الناس بأن البساطة يمكن أن تكون عبقرية.
لم يملك وسامة عادل إمام، ولا لؤم سعيد صالح المسرحي، ولا عمق أحمد زكي الدرامي، لكنه امتلك ما لم يملكه أحد: الصدق المطلق، تلك الطاقة التي تجعل من ضحكةٍ واحدة له ذكرى لا تمحى.
من المفارقات المؤلمة أن يونس، الذي أضحك الملايين، مات فقيراً وحيداً. لم تحضر جنازته وجوهٌ كثيرة كانت معه على المسرح ذاته. ربما لأن الفن، كما يقول البعض، لا يورث الوفاء.
لكنّ الناس لم ينسوه، فكل إعادةٍ لمسرحية «العيال كبرت» أو مشهدٍ من «بوجي وطمطم» تُعيده إلى الحياة مجدداً، ضاحكاً ببساطته، نقيًا كأنه خرج لتوّه من فجر الريف.
بقاء في القلوب
بعد مرور أكثر من ثمانية عشر عاماً على رحيله، ما زال اسم يونس شلبي يُذكر بمحبة صافية. لم يكن مبدعاً من النوع المتكبّر، بل كان من أولئك الذين يجعلون الفن أقرب إلى الناس.
إرثه الفني لم يكن في عدد الأفلام ولا في الجوائز، بل في الأثر العاطفي الذي تركه. في ابتسامةٍ خرجت من قلب أمٍّ وحيدة تتابع مسرحية قديمة، أو في ضحكة طفلٍ يرى لأول مرة «بوجي وطمطم» ولا يعرف أن صاحبه رحل منذ زمن.
إنّ سرّ خلود يونس شلبي أنه لم يكن يمثل بقدر ما كان يعيش الصدق الإنساني على الخشبة.
في زمنٍ يتبدّل فيه كل شيء بسرعة، يبقى يونس شلبي كما هو ـ فناناً حقيقياً، وطفلاً لا يكبر، ورجلًا منح العالم أكثر مما أخذ منه.
حين نتأمل سيرة يونس شلبي اليوم، ندرك أننا أمام حالةٍ فنية لا تتكرر.
إنه ليس مجرد ممثل كوميدي، بل ذاكرة وطنية للبساطة المصرية ـ تلك التي تضحك في وجه الهم، وتغني على أبواب الفقر، وتحوّل الألم إلى نكتةٍ تحفظ للناس توازنهم في مواجهة الحياة.
ترك وراءه عشرات المسرحيات والأفلام والمسلسلات، لكنه قبل كل شيء ترك ضحكةً لا تموت، تذكّرنا بأن الفن حين يخرج من القلب لا يشيخ، وبأن الطفولة التي سكنت ملامحه كانت أعظم دروسه لنا:
أن نضحك بصدق، أن نحزن بصدق، وأن نعيش كما لو أنّ المسرح ما زال مفتوحاً للحياة.
ابن المنصورة، ابن البهجة المصرية، وواحد من أنقى من عبروا المسرح العربي بخفة ظلٍّ لا تشبه أحداً.
لم يكن مجرد فنان، بل إنسانٌ تماهى مع جمهوره حتى صار مرآتهم، وضحكتهم الأخيرة في زمنٍ كثرت فيه الأقنعة.

