ذكرى فدوى طوقان.. سيدة جبل النار

منى ظاهر

تتزامنُ هذه الأيّام مع ذكرى رحيل الشّاعرة الفلسطينيّة فدوى طوقان، الّتي غادرَتنا قبل اثنتيْن وعشرين سنة، أي في الثاني عشر من شهر ديسمبر كانون الأول 2003 وقد سمقت كقامة إنسانيّة، وأدبيّة، يفصح عن إبداعيّتها المتوقِّدة، منجزها الشّعريّ والسّرديّ المتعدّد، فضلاً عن إرثٍ عتيدٍ من الصّوت المقاوم اللّامُهادن، ويتصدّر ثقل الحنين والذّاكرة اهتمامات قصيدتها، في تقصٍّ وإضاءة لوجوه الهُويّةِ الصّامدةِ المترسّخةِ فينا / في قلْبِ الوطنِ.
لم تنفكّ تصدَح برُوح المرأة الفلسطينيّة المقاوِمة، في التزام بديع يُناغمِ بين السّياسيّ، والاجتماعيّ، والنّفسيّ، الفرديّ والجماعيّ، ضمن مشروع جماليّ سِمته التّنوّع.
بكلِّ ما أوتيتْ مِنْ ألَقٍ أعربتْ بملءِ لغتِها المتفردة، عن مشاعرَ بجسارة، مشفوعة بشجاعة فكريّة، لم يخبو أوار مواقفها طيلة مسارها المقاوِم.
انبَرت فدوى طوقان للمكاشفة بلغة غير مواربة، في دُنُوٍّ سلسٍ من الواقعيّ واليوميّ، مُيمّمة بوجهها شطْر الوجدان الفلسطينيّ المشترَك، شطْر الجذورِ والأوجاعِ والإصْرارِ والتّمنّي، في منحى غنائيّ يحتفي بالمكان من جهة، وبالأثر الإنسانيّ من جهة ثانية.
ومثلما راكمتْ تجربة شعريّة نوعيّة، اقترن اسمُها البديع بفنّ الرّحلة، وهي ابنة الصُّرود الجَبَليّة، الخبيرة بتشعّباتها، الوثيقة معرفة بمسارِبها الوعرةِ؛ في تماهٍ مع خرائط نباتها وحجَرها ووَحيشها، كيف لا وهي محض، عصفورة شمْسٍ، سليلة جبَل النّار، أنّى حلّقتْ جَنحت معها حكاياتُ البيت الأوّل، تسبقها ظلال تاريخٍ وارفٍ، وشدوُ أغانٍ من صلْب الأعراس الفلسطينيّة المفقودة.
وفي التفاتها الأميِن للواقع، اشتبَك وعيها بالتّناقضات والمفارقات، حدّ تشعّبت حياة فدوى طوقان وتلاحمت، فتارة سجينة للعادات والتّقاليد في محيطها في شمال الضّفّة الغربيّة، وطوراً مشتعلة غضباً من سطوة المحتلّ، المُجهِز على حرّيّتها، المُصادِر حياتها، المُقوِّض أحلامها وأمانيها، فتلْفحُنا نار مشاعرها وأحاسيسِها الّتي سكنتها في قصائدَ تنضحُ بحُبٍّ دافقٍ، بلغة شفيفة كجناح فراشة، وبحزنٍ أليمٍ، وبِوجع دفين، وبثورةٍ على التّقاليدِ البالية، وبرُوح لا تخلو من عوالم صوفيّة.
ومِن مَقام مشاعرها المحتدمة الّتي اندلقتْ تجاه المحبوب وهي تتراقصُ مع أسرابِ الفراشاتِ، يصدح نداؤها “كُلَّما ناديْتَني”: “نادِنِي مِنْ آخرِ الدُّنيا ألَبِّي/ كلُّ درْبٍ لكَ يُفْضِي فَهُو درْبِي/ يا حَبيبي أنتَ تحْيا لتُنادي/ يا حبيبي أنَا أحيا لأُلبِّي/./ … كلّما ناديتَني جئتُ إليكْ/ بكُنوزي كلُّها مُلْكُ يديكْ”.
وفي استعادةِ مشْهد الحبس الجبريّ الّذي فرضَتْه أسرة فدوى طوقان عليها، رغم أنّ أفرادها كانوا من النُّخبةِ المثقّفة العريقة الغنيّة، لكنّه المجتمع الذّكوريّ الّذي حطّ وصايته وأغلقَ أبوابه بغية أن يمنعَ عن هذه الفتاة الطّموحة أبسط الحقوقِ في التّعليمِ والتّنقّلِ وفي الحياةِ الاجتماعيّة.
في هذا المنحى، كأنّما نسترقُ السّمْع إلى نبرة صوتها الرّقيقةِ الخافِتة، الّتي نكادُ لا نشعرُ بها، لكنّها تصلُ زهرات الفُلِّ، تلكَ الّتي وصلتْها من صبيّ الحارةِ حيث بيت الخالة، لتحُلَّ عليها لعنةُ التّهديد والوعيد بالقتلِ، وتأديبٍ مبرح من شقيقها يوسف لِلغلامِ الّذي أهدى الوردَ وبصيصَ الوَعد.
وهكذا باتت فدوى طوقان ملتزِمة الصّمتَ إلى حينِ المجابهة الحتميّة لا محالة، فقد كتمت وجعها النّفسيّ، هو الوجعُ الملازمُ لجسدها الهشّ المنهَكِ مرضاً وكآبة ووحدة جرّاء قسوة الأهل والأحباب.
لكنّها سرعانَ ما عانقتها الآمال، حينما رقّ قلب إبراهيم أخيها العائدِ من الجامعة الأميركيّة في بيروت… ليفتح لشقيقة روحه فدوى طوقان أبوابَ الشِّعرِ والأدَبِ، واللّغةِ، والنّحو، والبلاغةِ… وليحثّها على التّحليقِ بحسّها المرهَف، وبرؤيتها المتأمّلةِ القلقةِ كي تسبرَ أغوارَ عوالمَ خفيّة ودفينة، وقضايا وطنيّةٍ، واجتماعيّةٍ، وشخصيّة، وأدبيّة.
إثْر ذلك، أشرقتْ قصيدتها “تاريخَ كلمة” عرفاناً بمساندة الأخ وترميمه لروحها وكينونتها، جاء فيها: “كانَ قلبي الحزينُ،/ قلبي الصّغير-/ ينطوِي على جفافِه، على ظمَاهُ/ ويسألُ الحياةَ/ عنْ دَفْقَةٍ مِنْ نَبْعِ حُبٍّ./ وكانتِ الحياةُ بخيلةً، بخيلة./ كمْ قالَ لي قلبي الحزينُ:/ ما أسعدَ الأحباب رغمَ ما يكابِدونْ/ كمْ يَغْتني الإنسانُ حينَ يلتقي/ هناكَ مَنْ يُحِبُّهُ، كمْ يَغْتني./ ولَمْ يَكُنْ هناكَ مَنْ يُحِبُّني!/* * */ وعادَ مِنْ غُرْبَتِهِ أخي الكبير عاد./ إبراهيمُ؛ كانَ قَلْبُهُ الرّحيمُ، خيرًا كبيرْ/ وفيْضُ حُبّهِ غزير./ هنا استقيْتُ الحُبَّ وارتويْتْ/ هنا اسْتردَّتْ ذاتي الّتي تحطَّمَتْ/ بأيْدي الآخَرينَ بناءَها./ هنا اكتشفْتُ مَنْ أنا/ عرفْتُ معنى أن أكونْ./* * */ وماتَ مَنْ أحَبّني ولمْ يَكُنْ/ هناكَ مَنْ أحَبّني سِواه./ ومَرّتِ الأيّامُ يا صديقي/ جديبةُ، مَطْمورةً بالثّلْجِ، بالأسَى/ وقلبي الوحيدُ ينطوي على-/جفافِه/ على ظماهْ/ وعادَ قلبي الوحيدُ يسألُ الحياةَ/ عن دفء قلبٍ…/ وراحتِ الحياةُ / تُعطي، فقد أحبَّني الكثيرْ/ أحبَّني الكثيرُ غيرَ أنّني/ بقيتُ عطشى دونما ارتواءْ/ كأنّما كانَ الّذي بَلَغْتُهُ سَرابْ”.
على الرُّغمِ من هذا الألم المستعرِ ومعايشة الفقْد والخسارة، واصلت شاعرتنا ما تفتّقت به روحُها فكتبت قصائدَ جزْلَة، موقعَةً بأسماءَ مستعارةٍ بدايةً لتُنشَر في القاهرةِ وبيروت… وعاهدت نفسَها أن يصيرَ الشّعرُ رفيقَها الدّائم. فوصَلَنا منها الشّعر العموديّ برومانسيّةٍ وشجن في “وحدي مع الأيّام” (1952)، ثمّ انطلقتْ بأجنحةِ قصيدة التّفعيلة بحُرّيّةٍ وحُبٍّ وأملٍ في “وَجَدْتُها” (1956)، و”أعْطِنا حُبّاً” (1960)، و”أمام البابِ المغلق” (1967)، ثمّ واصلت أسلوبَ الشّعر الحرّ بفكرٍ تنويريٍّ في حدائقَها الخفيّةِ والكثيرةِ على مرّ الأيّام.
بإرادَتِها وإصرارِها تابعت فدوى طوقان دراستها للأدب الإنكليزيّ في إنكلترا. وبعد سنواتٍ من الغُربةِ، عادت إلى نابلس وشيّدتْ بيتها الحالم، تحيطهُ الأزهارُ والنّخيلُ وشمسُ “الثّلاثاء الحمراء” الّتي لا تغيب.
هذه الخلوةُ لم تدُم طويلاً، فشبحُ النّكسةِ حلّ… وتحوّلت موضوعاتُها في “اللّيل والفرسان” (1969) و”على قمّة الدّنيا وحيداً” (1973) من الهمّ الخاصّ إلى الهمّ العامّ؛ حيث مقاومةُ القمْع، والاحتلال، والتّضحيات، والنّضال… بعد أن كانت معتكفة عالقةً في رثاء أخيها نمر بعد تحطّمِ طائرة وهي بعيدةٌ بعيدة…
تنقلنا كلماتها نحو أساطير الأطفال الّذين يتمرّدون على الحواجز، ويهاجمون المُجنزَراتِ والطّائرات، يبحثون عن مُدنٍ وعواصم لا تعرف الهزائمَ مثل المُخيّمات، ويفتّشونَ عن خلايا لا تعرِفُ الخوْف، وعن جماهيرَ لا تُتْقِنُ اللّهاثَ، بل تُتْقِنُ القتال!
وهكذا تخطّت شاعرتُنا المصاعب ورسمت لوحاتٍ شعريّة دافئة، حتّى وصلَنا “اللّحن الأخير” (2000). فألفيْنا الجزالةَ والغنائيّة والإيقاعَ، مع معجم ثَرّيٍّ لم ينفصل عن شعريّة الطّبيعة كالقمر والطّير والزّهر، والثّلجِ، والدّيجور، وباتت تنسج بلغة لاذعة، بياناً مفرداً، مُمعنة في قضايا تهمّ النّساء والمجتمع، وأخرى وطنيّة واجتماعيّة تناهض الظّلمَ والعبوديّة والاحتلالَ، وغيرها من التّأمّلاتِ في الحياة والحرّيّة والمساواة.
“رحلةٌ صعبة رحلةٌ جبَليّة” (1985) هي سيرةٌ ذاتيّة تروي فيها سيرةَ امرأة جريئة لا تغفلُ عن كلّ ما يحيطُها… و”تمّوز والشّيء الآخَر” (1989) ليكون قبلَ “الرّحلةِ الأصعب” (1993) وهي رواية الجزء الثّاني من السّيرة الذّاتيّة، وفيها التّركيزُ على السّياسيّ والثّقافيّ الوطنيّ المقاوِم، وعن العلاقةِ بالدّاخل الفلسطينيّ. كما توجِزُه قصيدة “آهات أمامَ شُبّاكِ التّصاريح عندَ جسرِ ألِنبي”، على سبيل المثال لا الحصر: “وَيُدوّي صوتُ جنديّ هَجينْ/ لَطْمَةٌ تهوي على وجْهِ الزّحامْ:/ “عرَبٌ، فوضى، كلابْ/ ارْجعوا، لا تقرَبُوا الحاجزَ، عودُوا يا كلاب”./ويدٌ تصفّقُ شُبّاكَ التّصاريحْ/ تَسُدُّ الدّرْبَ في وجْهِ الزّحامْ/ آهٍ، إنسانيّتي تنزفُ، قلبي/ يقطُرُ المُرَّ، دمي سُمٌّ ونارْ/ “عربٌ، فوضى، كلابْ!”/ كلُّ ما أملكُهُ اليوم انتظارْ…/ ما الّذي قصَّ جناحَ الوقتِ،/ مَنْ كَسَّحَ أقدامَ الظّهيرةْ؟/ يجْلِدُ القيْظُ جبيني/ عرَقِي يسقُطُ مِلْحاً في جُفوني/ آهٍ جرْحي!/ مَرَّغَ الجَلّادُ جرْحي في أَلْغامْ”.
في غمْرة تأمّلها للوجوه والأشياء، للوجود وفصول المأساة، ظلّت ابتسامتُها متوقّدة، غير آفِلَة، وهي تتصدّر عناوين الألق النّسائيّ في المحافلِ الأدبيّة، ومع أنّ النّقد الرّسميّ التفت أخيرًا لإنتاجها من شعر ونثر، غير أنّ الأمر لم يشغلها، لأنّها عاشت الحياةَ وفق وتيرتِها واستأثرت بعُزلتها في صمت.
فدوى طوقان سيّدة جبَل النّار، الّتي غادرتنا بعد ستّةٍ وثمانينَ عاماً، سمقتْ بشعرها ونثرها عالياً، وهي تطوي الآفاق بجناحي عصفورة الشّمْس، في رحلة أبديّة، صوْب الكونيّ الّذي ارتادتْ خرائطَه عبْر ما هو محلّي، المحلّي الّذي نذرت نفسها ألّا تخون ترابه وعشْبه، مثلما تضوعُ بذلك قصيدةُ “زهرة الفلّ”، وشماً على شاهدة ِقبرها:
“كفانِي أموتُ عليهَا وأدْفنُ فِيها / وتحتَ ثراها أذوبُ وأَفْنى / وأُبعَثُ عشباً على أرضِها / وأُبعَثُ زهرةً إليْها / تَعْبثُ بها كفُّ طفلٍ نمَّتْهُ بلادي/ كفاني أظلُّ بحضنِ بلادي / تراباً، وعشباً، وزهرة”.
*شاعرة وفنانة تشكيلية من فلسطين




